تشغل البحرين في مفهومها القديم، مساحة واسعة تمتد على الساحل الغربي للخليج العربي. وقد حاول الجغرافيون القدامى في كتاباتهم تحديد هذه المساحة، فقالوا: إنها تمتد من أسياف كاظمة [1] في شمال الخليج حتى عمان جنوباً [2] .
ولاشك في أن هذا الموقع ساهم مساهمة فعالة في البناء الحضارة للبحرين، فهي منطقة مفتوحة على العالم الخارجي، ذات علاقات واتصالات حضارية مع غيرها من البلاد القريبة والبعيدة. ذلك أنها تأثرت بالحضارات التي سادت فيها روحياً وثقافياً واجتماعياً، كحضارة الحجاز واليمن. كذلك أدّى انفتاحها على البلاد القريبة إلى تأثرها بحضاراتها، مثل الحضارة الفارسية وحضارات بلاد وادي الرافدين، هذا فضلاً عن تأثرها واتصالها بالحضارتين الهندية والصينية عن طريق التجارة.
هذه الخصوصية الاستراتيجية المميزة التي تتمتع بها البحرين أدت إلى تفاعل هذه الثقافات والحضارات المتنوعة على أرضها. كذلك كان لهذا الموقع المتميز الأثر الواضح على التجارة، إذ جعل من البحرين مركزاً تجارياً هاماً، فكانت موانئها التجارية البحرية، ومراكزها التجارية البرية تعجّ بالحركة التجارية منذ أزمات بعيدة، وعمل بعض أهالي البحرين بدور وسطاء تجاريين بين الشرق والغرب. وتولدت من جراء ذلك صلات تجارية وثيقة مع هذه البلدان. وقد تحدث الباحثون في كتاباتهم عن وجود مثل هذه التجارات: فذكروا أن هناك جاليات تجارية من عرب البحرين موجودة في إقليم السند والهند يعلمون بالتجارة [3] . ومنذ أزمان بعيدة كانت هناك تجارة عامرة بين البحرين وإقليم الحجاز. واستمرت هذه العلاقة في عصر الإسلام، فأشارت المصادر إلى وجود جاليات تجارية من عرب البحرين في المدينة المنورة يعملون في التجارة، وخصوصاً تجارة التوابل [4] . ولعل أهم هذه السلع المتبادلة بين الحجاز والبحرين في ذلك العصر كانت العطور والتوابل والزبيب [5] .
على أننا لسنا في هذا البحث بصدد الكلام عن تجارة البحرين وأنواع السلع التجارية، فقد كان هذا الموضوع محل دراسة سابقة لنا في بحث آخر، ولكن أردنا فقط أن ننوّه بلمحة سريعة إلى دور التجارة في التفاعل الحضاري بين البحرين والأمم الأخرى، إذ كان للتجارة تأثيرات واضحة على النواحي الروحية والفكرية والاجتماعية، وكثير من الاتجاهات الدينية التي قام بنقلها التجار، فأخذت طريقها في الانتشار والاتساع بعيداً عن مراكز نشأتها بفعل التجارة. من ذلك مثلاً أن اليهودية أخذت طريقها إلى البحرين فاعتنقتها بعض القبائل هناك، وذلك عن طريق التجارة التي كانت الفاعل المؤثر بالدرجة الأولى [6] ، هذا فضلاً عن المسيحية التي دخلت البحرين منذ القرن الأول للميلاد فتنصرت بعض قبائل عبدالقيس [7] ، حتى قيل إن رئاب بن اللبو بن عبدالقيس كان أول من وحّد اللَّه في الجاهلية، وقد تنصّر واعتنق دين النصرانية [8] .
وقبل هذا وذاك انتشرت المجوسية في ربوع بلاد البحرين الواسعة، وهي ديانة بلاد فارس القريبة من البحرين، فظهرت فيها الزرادشتية، وهي فرع من المجوسية، ودان بالمجوسية بعض قبائل العرب بالبحرين، وكان زرارة بن عدس وابناه حاجب ولقيط، والأقرع بن حابس وغيرهم، كانوا مجوساً، وقد تزوج لقيط ابنته واسمها دختنوس، وسماها بهذا الاسم الفارسي [9] . أما الوثينة، فكانت العابدة التقليدية السائدة في البحرين منذ أزمان بعيدة واعتنقتها قبل الإسلام معظم قبائل البحرين فكانت عبدالقيس كبرى قبائل البحرين تعبد (اللبا) وهو صنم سدنته بنو عامر بن عبدالقيس [10] .
ولاشك في أن وجود الديانات السماوية بين ظهراني قبائل عبدالقيس وغيرها، أعطى وميضاً يبشر باستعدادها لتقبل الإسلام. فقد علم عرب البحرين بخبر ظهور هذا الدين الجديد، فتاقت نفوس الكثيرين للوقوف على معالمه، حتى أولئك الذين كانوا قد تهودوا أو تنصروا، راحوا يسألون ويستفسرون ليتعرفوا على إخبار هذا الدين الجديد الذي ظهر بمكة.
وهكذا استعدت بعض زعامات عرب البحرين من عبدقيس وربيعة للوقوف على أخبار هذه الحركة الجديدة التي ولدت بمبعث الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة.
وكانت البعثة الأولى إلى مكة قبل الهجرة، وقد تولاها عمرو بن قيس من قبيلة ربيعة، وكلفه بها خاله المنذر بن عائد المعروف بالأشج [11] زعيم قبيلة عبدالقيس. ويبدو أن الغرض من هذه البعثة، كان الاستطلاع والتعرف على صاحب الدعوة عن قرب والتحقق من صدق نبوته. ويقال إن عمراً كان يحمل معه تمراً فأراد أن يمتحن رسول اللَّه فقدم التمر على أنه صدقة، فلم يقبله رسول اللَّه فقدم إليه غيره وقال: (هذا هدية) فقبله منه، لأن الرسول الكريم لا يأكل مال الصدقة، ويقبل الهدية، ثم إن عمراً أراد دليلاً آخر، فتلطف في النظر إلى كتف رسول الله، وعندما شاهد خاتم النبوة، دعاه رسول اللَّه إلى الإسلام فأسلم وحفظ سوراً من القرآن الكريم، وعاد إلى البحرين فاسلم الأشجّ وكتم إسلامه، ربما خوفاً من حدوث الفتنة والفرقة بين قومه، فأراد الانتظار حتى الوقت المناسب [12] .
وفي السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة قرر الأشجّ، المنذر بن عائذ، الوفادة على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، على رأس وفد ضمّ 17 رجلاً من عبدالقيس. وكانت المدة بين البعثة الاستطلاعية والوفادة الثانية التي رأسها الأشجّ تقرب من 8 أو 9 سنوات، فاللقاء الأول كان مع رسول اللَّه، وهو في مكة، أي قبل الهجرة، وخلال هذه المدة كان الأشج يكتم إسلامه عن قومه إلى أن تمّ لقاؤه برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في المدينة المنورة، وقد دار حوار بين رسول اللَّه وبين الأشج، المنذر بن عائذ [13] .
وكان لعرب البحرين وفادة أخرى في السنة التاسعة للهجرة، رأسها الجارود بن بشر بن عمرو [14] ، وكان يدين بالنصرانية وأسلم على يد رسول اللَّه [15] . فعند لقائه برسول اللَّه قال له صلى اللَّه عليه وسلم: "يا جارود لقد تأخر الموعد بك وبقومك". ويفهم من هذه العبارة أن رسول اللَّه كان ينتظر قدوم الجارود وقومه، فرد الجارود قائلاً: "فداك أبي وأمي: أما من تأخر فقد فاته حظّه" [16] . ويستدل من هذا الحوار أيضاً، على ما كان يتمتع به الجارود من مكانة روحية واجتماعية هامة بين قومه، مما صار له أثره في دخوله الإسلام، إذ اعتبر هذا مكسباً لما له من تأثير على عرب البحرين.
يؤكد ذلك سؤال رسول اللَّه عن الجارود وعن قومه. هذا فضلاً عن أن ذلك الحوار كان مؤشراً في الوقت نفسه إلى أن رسول اللَّه كان على علم ودراية بأحوال البحرين الدينية والاجتماعية والسياسية.
وقد روي أنه عند قدوم الجارود، قال رسول اللَّه للأنصار: "قوموا إلى إخوانكم، وأشبه الناس بكم". ولعل عامل الشبه هنا يرتكز في البيئة الزراعية لكل من المدينة المنورة والبحرين، فعرب البحرين أهل دراية وخبرة بزراعة النخيل، وكذلك عرب الأوس والخزرج، وهم الذين عرفوا بالأنصار بعد إسلامهم [17] .
وكان الجارود إلى جانب مكانته الروحية والقيادية، عالماً بأيام الفرس وتاريخهم وسير ملوكهم، وعلى دراية ومعرفة بالأدب والفلسفة والطب [18] . ولما أسلم حرص على أن يحفظ ما سمع عن رسول اللَّه من أحاديث شريفة فكان من الرواة الثقاة للحديث، وقد روى عنه الحفاظ من رجال الحديث [19] .
ولم يلبث أن تألق نجم الجارود في الإسلام فتبوأ مكانة روحية واجتماعية وقيادية مرموقة، حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب قال: "لولا أني سمعت رسول اللَّه يقول: إن هذا الأمر لا يكون إلا في قريش لما عدلت بالخلافة عن الجارود بن بشر بن المعلى، ولا تخالفوني في ذلك الأمر" [20] . ثم إن هناك جماعات من عرب البحرين دفعها حبها لرؤية الرسول الكريم ، ومعرفة الدين الجديد إلى الرحيل إلى المدينة المنورة دون انتظار وفد الأشج، المنذر بن عائذ، أو وفد الجارود. وقد أكد الواقدي هذه الحقيقة فذكر أن رسول اللَّه عندما كان يستعدّ لغزو المُريسيع [21] ، التقى برجل من عبدالقيس. ولم يذكر الواقدي اسم الرجل، الذي أتى من هذه المسافة البعيدة ليسلم على رسول اللَّه ويشترك في تلك الغزوة. وقد دار بينه وبين رسول اللَّه هذا الحوار. سأله رسول اللَّه: "أين أهلك؟ قال: بالروحاء [22] ، قال: أين تريد؟ قال: إياك، جئت لأؤمن بك وأشهد أنا ما جئت به الحق، وأقاتل معك عدوك. قال رسول اللَّه : الحمد للَّه الذي هداك للإسلام" [23] .
وقد ظلّ هذا الرجل طوال وجوده بصحبة رسول اللَّه حريصاً على معرفة المزيد من تعاليم الإسلام، فكان يسأل مغتنماً كل فرصة تجمعه برسول اللَّه. من ذلك أنه سأل رسول اللَّه عن أفضل الأعمال إلى اللَّه، فقال له: "الصلاة في أول وقتها". فالتزم الرجل بهذا الأمر طيلة حياته [24] .
وهكذا أخذ عرب البحرين يتقاطرون بروح سامية على المدينة المنورة لمقابلة صاحب الدعوة، ففي السنة الخامسة للهجرة قام أحد عرب البحرين بالهجرة إلى المدينة، وبينما هو في طريقه إليها تقابل بأبي مسعود بن هيندة، أحد أصحاب رسول اللَّه في موضع يقال له (خذوات) [25] ، فأسلم على يد هذا الصحابي بعد حوار جرى بينهما. ولما علم رسول اللَّه بذلك قال لأبي مسعود: "لإسلامه على يدك كان خيراً لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت" [26] .
وكان من عرب عبدالقيس من رغب في استيطان المدينة المنورة. لهذا معبد بن وهب العبدي العصري، تزوج هريرة بنت زمعة أخت سودة زوج رسول اللَّه ، وكان من الأبطال المجاهدين، فاشترك في غزوة بدر، ولم يقبل أن يحارب بسيف واحد، بل كان يحارب بسيفين. فأثنى رسول اللَّه على شجاعته وعلى إخلاص عبدالقيس وتفانيها في الإسلام، فقال: "لهفي على عبدالقيس أما إنهم أُسدُ اللَّه في أرضه" [27] .
وقد ظل الصحابة من عرب البحرين ملازمين لرسول اللَّه أثناء وجودهم في المدينة المنورة، فيقول أبان العبدي أو أبان المحاربي [28] ، واسمه في بعض المصادر غسان [29] ، رأيت بياض إبط رسول اللَّه وهو مستقبل القبلة [30] .
ويستدل من هذه العبارة على الطريقة التي كان يمارسها رسول اللَّه في الصلاة، وأنه كان يرفع يديه إلى أعلى بالدعاء قانتاً. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، يستفاد من هذه العبارة أيضاً أنها توضح نوع اللباس الذي كان يرتديه المسلمون من قريش في صدر ا لإسلام، ومن رسول اللَّه، ويفهم أنها ثياب ذات أكمام واسعة بحيث إذا ما رفع الإنسان يديه إلى أعلى بان إبطه.
ومن رجال البحرين من عبدالقيس، صحار بن عياش أو عباس [31] ، وكان ممن تشرّف بصحبة رسول اللَّه وقد حفظ عن رسول اللَّه بعض الأحاديث، فكان من الحفاظ. روى عنه ابناه: عبدالرحمن وجعفر. وروى عنه منصور بن أبي منصور، أحد رواة الحديث. فمن الأحاديث التي رواها: سمعت رسول اللَّه يقول: "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من فلان". ويقول: "فتأملت هذا الحديث وعلمت أنه يعني بعض قبائل العرب، لأن العجم تنسب إلى قراها" [32] .
وقد سأل رسول اللَّه عن شراب مسكر كان سكان البحرين يصنعونه قبل تحريم الخمر، وفي الغالب يكون من التمر، فنهى عن صناعته وشربه، إذ قال: "تسألني عن المسكر: لا تشربه ولا تسقيه لأخيك، فوالذي نفسي بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة سكره فيسقيه الخمر يوم القيامة" [33] .
ويشير الحديث هنا إلى لذة السكر، وهي العلّة في التحريم، فإذا كان القصد من الشرب تحقيق لذة السكر وفقدان الوعي فهو حرام. يفهم كذلك أن صناعة النبيذ كانت شائعة بين عرب البحرين قبل الإسلام، وكانت لديهم أوعية خاصة لصناعته، ورد ذكرها في بعض المصادر وهي: الدباء - والحنتم - والنقير - والمزفت [34] .
ومما يؤكد تفشي عادة شرب النبيذ عند بعض قبائل البحرين في العصر الجاهلي، قول عمير بن جودان العبيد، الذي كان ضمن الوفد الذي قابل رسول اللَّه .. قال لقومه: "قد حفظتم من النبي صلى اللَّه عليه وسلم كل شيء سمعتموه فاسألوه عن النبيذ" [35] .
ومن أصحاب رسول اللَّه من عرب البحرين، جعفر العبدي، وكان ممن يحفظون الأحاديث الشريفة.
وقد روى عنه ليث بن أبي سليم وغيره. ومن ذلك أنه سمع رسول اللَّه يقول: "ويل للمتألين من أمتي الذين يقولون: فلان في الجنة وفلان في النار". ولفظة تألى تعني حلف وحكم أن فلان في الجنة وفلان في النار، وهذا لا يجوز لأن هذه الأمور في عداد حكم اللَّه، فإن اللَّه تبارك وتعالى هو البصير بعباده وهو الذي يثيبهم على أعمالهم، وإن شاء أدخلهم النار. أما المعايير التي يضعها الإنسان فهي قاصرة وغير مدركة وحكمها مبني على الظاهر، ولا تتفق مع مشيئة اللَّه سبحانه وتعالى [36] .
كذلك من الشخصيات التي حظيت بشرف الصحبة من عرب عبدالقيس: بنو صوحان، الأخوة الثلاثة وهم: زيد بن صوحان [37] ، وصعصعة بن صوحان، وسيحان بن صوحان. وكانت لهم في الجاهلية والإسلام مكانة في الشرف والسيادة والشجاعة والخطابة والشعر والأدب والدراية بأيام العرب، وفي الإسلام كانوا من رجال الحديث والتقوى والصلاح.
ذلك أن زيد كان من فرسان العرب في الجاهلية حتى قرن اسمه بالخيل، فكان يسمى بزيد الخيل [38] ، وكانت له صحبة كما ورد في أسد الغابة [39] ، وروى الأحاديث ولكن عن الخليفة عمر بن الخطاب والخليفة علي بن أبي طالب، ثم روى عنه أبو وائل شقيق ابن سلمة الأسدي [40] ، وقد حظي زيد بثناء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، مما يدل على المكانة الروحية السامية التي كان يتمتع بها، إذ تنبّأ له رسول اللَّه بالجنة فقال: "زيد ما زيد، تسبقه يده إلى الجنة، ثم يتبعها سائر جسده". وقد حدث ذلك بالفعل، فقد قطعت يده في معركة جلولاء، أو القادسية أثناء مقاتلة الفرس، ثم قتل في معركة الجمل [41] . ويذكر ابن قتيبة أن زيداً تنبّأ بمقتله يوم الجمل، فقد قال لعلي بن أبي طالب: "ما أراني إلا مقتولاً" قال: وما علمك بذلك يا أبا سلمان؟ قال: رأيت يدي نزلت من السماء وهي تستشيلني". وذكروا أن الذي قتله هو عمرو بن يثربي [42] .
وكان زيد يحث الناس ويدعوهم للاشتراك في معركة الجمل، فعندما تأخّر أهل الكوفة عن مناصرة الخليفة علي بن أبي طالب بسبب موقف أبي موسى الأشعري، والي الكوفة المثبط لهم، ذهب زيد بن صوحان إليهم فأثار الحماسة وجاء في حديثه لهم: "أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، سيروا إليه أجمعين" [43] .
والواقع أن زيداً يعدّ واحداً من الشخصيات التي امتلكت مواهب وقدرات عديدة، فقد امتلأ قلبه بالإيمان والشجاعة والأدب والأخلاق الكريمة، حتى سماه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بـ(زيد الخير) بدلاً من (زيد الخيل)، وقال عنه ابن قتيبة بأنه "كان من خيار الناس".
كذلك حظي بتقدير واحترام الخلفاء الراشدين، فأثنى عليه الخليفة عمر بن الخطاب في كثير من المواقف ممتدحاً إيمانه وشجاعته، وكان لا يتوانى عن تلبية نداء الجهاد في أي موضع كان. فعندما طلب عمر بن الخطاب من وفد الكوفة القادم إلى المدينة المنورة -وكان بينهم زيد بن صوحان- مساعدة أهل الشام عسكرياً، كان زيد أول المتقدمين. ولما استعدّوا للذهاب إلى الشام، دعا الخليفة عمر بن الخطاب زيد بن صوحان فضقنه على الرحل، أي حمله بنفسه على الناقة إجلالاً وتقديراً لزيد، ثم التفت إلى الناس وقال: "كما تضفنون أمراءكم.. اصنعوا هذا بزيد وأصحاب زيد" [44] .
وفي أثناء الفتنة التي حلت بالمسلمين وعمت أرجاء العالم الإسلامي زمن الخليفة عثمان بن عفان، لم يتأخر زيد عن تقديم النصح والمشورة إلى الخليفة، فكان يقول: "يا أمير المؤمنين، ملت فمالت أمتك، اعتدل تعتدل أمتك". كررها ثلاث مرات، فرد الخليفة عليه قائلاً: أسامع مطيع أنت؟ قال: نعم. قال الخليفة: "الحق بالشام"، فامتثل زيد لأوامر الخليفة في الحال، وترك المدينة المنورة من ساعته متوجهاً إلى الشام [45] .
ولم يقتصر دور زيد بن صوحان العبدي على الجهاد في ميادين القتال، بل كان له أيضاً دور مشابه في ميادين الإرشاد والنصح والتوعية والتذكير وتبصير الناس بأمور دينهم. وهذا الدور لا يقل أهمية عن دور الجهاد، فكان يخطب في الناس أيام الجمع وفي سائر الأيام، وفي بعض المعارك كان الصحابي سلمان الفارسي يقول لزيد في إحدى الجمع: "قم فذكّر قومك" [46] .
أما صعصعة بن صوحان، أخو زيد، فكان كأخيه ينتمي إلى قبيلة عبدالقيس كبرى قبائل البحرين، وقد وُصف بالفصاحة والبيان، وكذلك كان من خطباء العرب المفوهين إلى جانب إلمامه الواسع بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم، كان شاعراً وحكيماً، ومعظم شعره جاء في مدح أهل البيت.
ويتطلب الحديث هنا التأكيد على الجانب الروحي لصعصعة، فقد أدرك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، إلا أنه لم يحظ برؤية النبي لصغر سنه، كذلك كانت له السيادة والشرف في قومه، وكان من رواة الحديث الثقاة، ومعظم أحاديثه أخذها عن الخليفة علي بن أبي طالب وعن ابن عباس، إلا أنه كان مقلاً في رواية الحديث [47] .
وكان للإسلام دور فعّال في صقل مواهب صعصعة الروحية والفكرية والأدبية، ففي الفقه يعتبر من العلامات الواضحة، إذ كان له رأي صائب في تقسيم الأموال التي أتت من أبي موسى الأشعري والي البصرة إلى المدينة المنورة، ومقدارها مليون درهم، وعندما قسمت على المسلمين زاد منها بعض المال، فاحتار الخليفة عمر بن الخطاب في هذا الباقي كيف يوزعه، فجمع المسلمين ليأخذ برأيهم حول هذا الموضوع، فتقدّم صعصعة، وكان شاباً صغيراً، فقال: "يا أمير المؤمنين إنما تشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن، فأما ما نزل به القرآن فضعه مواضعه التي وضع اللَّه عز وجل فيها، فقال: صدقت، أنت مني وأنا منك، وتمّ تقسيم المال المتبقي وفق رأي صعصعة" [48] .
كذلك كانت له مواقف مشرفة مخلصة للمحافظة على وحدة الأمة أثناء الأزمة التي حدثت زمن الخليفة عثمان بن عفان، فكان الناصح الأمين هو وأخوه زيد، لكن تلك المساعي لم يكتب لها النجاح، مما دفعه إلى الانضمام إلى المعارضة، فانتقد الخليفة عثمان في سياسته المالية والإدارية والسياسية، وعندئذٍ أمر الخليفة بنفيه إلى الشام ليكون تحت مراقبة معاوية بن أبي سفيان [49] . ومن شخصيات عبدالقيس الذين نفاهم عثمان إلى الشام، أيضاً عامر بن عبدالقيس [50] .
وقد عرف عن صعصعة ملازمته الشديدة للخليفة علي بن أبي طالب، وكان لهذه الصحبة الأثر الواضح على الحياة الفكرية لصعصعة، فاستقى من فيض علم الخليفة علي بن أبي طالب ومن أخلاقه وشجاعته وزهده. وكان دائم السؤال والاستفسار خصوصاً في أمور الدين، كأنه أراد اغتنام كل فرصة تجمعه بالخليفة علي بن أبي طالب في الإفادة لفهم تعاليم الإسلام. وفي إحدى الجلسات قال للخليفة: "انهنا عما نهانا عنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم" [51] . وقد بعث ذات مرة برسالة إلى الخليفة علي بن أبي طالب يسأل ويستفسر عن شيء، ولم يفصح لنا ناقل هذا الخبر عن ذلك الشيء، فجاء جواب الخليفة علي: "قيمة كل امرئ ما يحسن". ومن سياق هذه الإجابة ربما يفهم أن ذلك الشيء الذي سأل عنه صعصعة يتعلق بالأعمال الحياتية، التي يقوم بها الإنسان، سواء كانت مادية أو معنوية [52] .
كذلك شارك صعصعة في الحروب التي خاضها الخليفة علي بن أبي طالب، أما أخواه زيد وسيحان فقد قتلا في معركة الجمل، وتسلم هو راية عبدالقيس في أعقاب مقتلهما [53] . وكان سفيراً للخليفة علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان قبيل وقوع معركة صفين بأيام، عندما منع معاوية الماء عن جيش علي فذهب صعصعة يفاوض معاوية في موضوع الماء [54] . كذلك كانت له مواقف بطولية نادرة إزاء الخوارج، سواء كان ذلك على الصعيد العسكري أو الأدبي الخطابي [55] .
على أن ملازمته وصحبته للخليفة علي بن أبي طالب أثارت حفيظة معاوية، فكان لمعاوية مواقف وأحداث عديدة مع صعصعة في أعقاب مقتل الخليفة علي وتولي معاوية الخلافة. وفي كل مرة كان الأخير يحاول أن ينال من صعصعة ويحرجه. من تلك المواقف على سبيل المثال، أن صعصعة كان ضمن الوفد القادم على معاوية، وكان قومه قد قدموه عليهم لفصاحته وحسن بيانه، وبينما هو يخطب توجه إليه معاوية قائلا: "إن كنت لأبغض أن أراك خطيباً"، فرد صعصعة: "وأنا أن كنت لأبغض أن أراك خليفة" [56] .
ودخل صعصعة على معاوية مرة في مجلسه، وبجانبه عمرو بن العاص على سرير، فقال معاوية لعمرو: "وسّع له على ترابية فيه" وفي تلك العبارة تحقير واستخفاف، وربما كان القصد منها إثارته، فرد صعصعة على معاوية: "إني واللَّه لترابي، منه خُلقت، وإليه أعود، ومنه أُبعث، وإنك لمارج من نار" [57] .
وسأله معاوية ذات مرة عن الجود، فقال: "التبرع بالمال، والعطيّة قبل السؤال" [58] . وفي لقاء آخر مع معاوية طلب الأخير منه أن يصنّف الناس، فقال صعصعة: "خلق اللَّه الناس أطواراً: فطائفة للسياسة، وطائفة للفقه والسنة، وطائفة للبأس والنجدة، وآخرون بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر" [59] .
من هذه الوقائق نفهم أن صعصعة بن صوحان العبدي كان على علم ودراية ومعرفة بطبائع البشر واستعداداتهم الفطرية التي زودهم اللَّه تبارك وتعالى بها، وكان في نفس الوقت يؤمن بالتخصص وبالقدرات في كل فرد، والتي في ضوئها تولدت مثل تلك المواهب والقدرات. وفي العبارة الأخيرة أشار إلى التجار وأهل السوق الذين يبدو أنهم كانوا يتلاعبون بالأسعار مما أنزل الضرر بالعامة والطبقات الفقيرة. وهذا يعطي مؤشراً إلى أن السلطة والمسؤولين في الدولة كانوا في غفلة عن مراقبة أسعار السلع.
كذلك كان لصعصعة خبرة ودراية بصنوف الخيل ومعرفة الجيد والرديء منها، فحين سأله معاوية عن أفضل الخيل، قال: "الطويل الثلاث، القصير الثلاث، العريض الثلاث، الصافي الثلاث". وكان كلاماً مبهماً لم يفهمه معاوية، فطلب منه تفسير ذلك، فقال: "أما الطويل الثلاث، فالأذن والعنق والحزام، وأما القصير الثلاث، فالصلب والعسيب والقضيب، وأما العريض الثلاث، فالجبهة والمنخر والورك، وأما الصافي الثلاث، فالأديم [60] والعين والحافر [61] . وهذه الدراية والمعرفة بالخيل لم تأت جزافاً، فإن البيئة التي عاشها صعصعة كانت تنتج أفضل أنواع الخيول العربية الأصيلة، إذ كانت البحرين منذ أزمان بعيدة تصدر الخيول العربية الأصيلة إلى الهند كسلعة تجارية، وكانت السفن التجارية تشحن بالمهرات الصغيرات وتبحر بها إلى بلدان الشرق الأقصى، وعلى هذه السلعة قامت تجارة واسعة مربحة [62] ، وكان التجار في رحلة العودة يحملون الأخشاب التي تستخدم في بناء السفن والمساكن [63] .
ولصعصعة رأي في الثروة وكيفية تنميتها، فهو يرى أن أفضل الأموال في تكوين الثروة وتنمية الاقتصاد تنحصر في ثلاثة موارد هي: الحنطة، والأغنام، والماء. ولما سأله معاوية: "فأين الذهب والفضة؟ قال: حجران يصطكان، إن أقبلت عليهما نقداً، وإن تركتهما لم يزيداً" [64] . ويفهم من ذلك أن قيمة الأموال وفق ما يرى صعصعة بن صوحان، هي التي يتوفر بنها عنصران: النمو والتكاثر، ولا يختص بهذه الصفة غير الثروة الزراعية والحيوانية.
توفي صعصعة بمدينة الكوفة زمن معاوية بن أبي سفيان [65] .
ومن الملاحظ أن مدينة الكوفة في منتصف القرن الأول الهجري، وكذلك قبيل هذا التاريخ وما بعده، كانت مركز استقطاب لعدد كبير من الصحابة والتابعين، لا سيما بعد أن تحولت تلك المدينة إلى حاضرة العالم الإسلامي زمن الخليفة علي بن أبي طالب. ومن الطبيعي أن يكون لوجود الخليفة الأثر البالغ في توافد الصحابة والتابعين، فحرص بعضهم على المجيء إليها واستيطانها. وزادت أهمية هذه المدينة وزادت معها الوفادة في القرن الثاني الهجري، خصوصاً في العصر العباسي، فكان من بين الذين انتقلوا إليها الصحابة والتابعون من عرب البحرين من عبدالقيس، اتخذوها وطناً لهم، وكانوا يلقبون بـ(العبدي) نسبة إلى عبدالقيس. وينسحب ذلك أيضاً على مدينة البصرة، إذ سكنها كثير من قبائل عبدالقيس.
ومن الشخصيات التي استوطنت الكوفة، الأشعث بن حودان العبدي، وقد ورد اسمه في بعض المصادر: عمير بن حودان العبدي، أو عمير بن الأشعث بن حودان العبدي، وكانت له صحبة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذ كان ضمن وفد عبدالقيس، وهم عرب البحرين الذي قدموا على رسول اللَّه في المدينة المنورة [66] .
ومن الشخصيات التي نالت شرف الصحبة، بشير بن النهاس العبدي، كان من رواة الحديث، إذ روى عنه، أبو عتاب القرشي، ويحيى بن عبداللَّه. ومن الأحاديث الشريفة التي رواها عن رسول اللَّه، قوله: "ما استرذل اللَّه عبداً إلا حرم العلم" [67] .
وقد ذكر بشير بن النهاس العبدي هذا الحديث ليبين أهمية العلم ومكانته الفكرية والاجتماعية ودوره في إصلاح المجتمع على صعيد الروحي والاجتماعي والثقافي. ويعطينا هذا مؤشراً عن مدى اهتمام عرب البحرين بالناحية الفكرية ويبين مكانتهم الروحية، إذ حرصوا على حفظ الأحاديث الشريفة والعمل بها، خصوصاً أنها وجدت أجواء تهيأت لمثل هذه العلوم فراحت تتفاعل معها.
وهكذا تبوأ عرب البحرين في صدر الإسلام مكانة روحية سامية في ظل الإسلام. ومن العناصر التي حظيت بهذه المكانة: بشر بن هلال العبدي، الذي حرص على أن ينال شرف الصحبة، فترك بلاده البحرين ورحل إلى المدينة المنورة، حيث التقى هناك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وأصبح ملازماً له يستقي من فيض علمه، مما ترك أثره الواضح في حياته الفكرية والروحية، فأصبح متقناً لعلوم القرآن والتفسير والفقه والحديث، فارتفع شأنه بين قومه، وتوجت مكانته بوسام رفيع قلده إياه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: "أربعة سادة في الإسلام: بشر بن هلال العبدي، وعدي بن حاتم، وسراقة بن مالك المدلجي، وعروة بن مسعود الثقفي". وكان لهذه السيادة التي نالها بشر بن هلال أبعادها على الصعيد الروحي والفكري والاجتماعي والقيادي [68] .
وممن حظي أيضاً بشرف الصحبة من عرب البحرين، ثمامة بن بجاد العبدي، الذي سكن الكوفة، وكان من رواة الحديث، إذ روى عنه أبو إسحاق السبيعي، والعيزان بن حريث وغيرهم. وعاد بعد ذلك إلى البحرين مبشراً منذراً فكان يدعو قومه إلى الدخول في الإسلام. ومن أقواله لهم: "أنذركم سوف أقوم، سوف أصوم، سوف أصلي" ويعني بأقوم، قيام الليل للعبادة التهجد [69] .
وكان ضمن وفادة الجارود بن المعلى التي قابلت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة للهجرة، حكيم بن جبلة العبدي، اتصف بالشجاعة والكرم، وفي عهد الخليفة عثمان كانت هناك محاولات للمسلمين لفتح إقليم السند، فبعثه الخليفة يستطلع أخبار ذلك الإقليم قبل الشروع بفتحه، وكان اختار حكيم لتلك المهمة موفقاً.
أولاً: لأن البحرين قريبة نوعاً ما من إقليم السند إذا ما قورن ذلك بالمدينة المنورة.
ثانياً: إن لعرب البحرين دراية ومعرفة بإقليم السند لما بينهما من صلات تجارية وثيقة ومع سائر أقطار الخليج.
عاد حكيم العبدي من إقليم السند بهذا التقرير، الذي يقول للخليفة: "ماؤها وشل [70] ، ولصّها بطل، وسهلها جبل، إن كَثُر بها الجند جاعوا، وإن قلوا ضاعوا". ويفهم من هذه العبارات أن الأوضاع الاقتصادية لإقليم السند كانت فقيرة، لندرة المياه في بعض نواحيه، ووعورة التضاريس، فضلاً عن كثافة السكان مما أدّى إلى ظهور عصابات من اللصوص وقطاع الطرق المتمردين، وهم الموصوفون بالشدة والغلاظة. وعلى هذا الأساس امتنع الخليفة عن محاولة فتحها خوفاً على جيش المسلمين من الجوع والضياع. وربما كانت فكرة الاستطلاع قبل الغزو قد استحدثت في عهد الخليفة عثمان، ولا أظن أن لها وجوداً في عهد الخلفاء السابقين [71] .
وفي أوائل سنة 39هـ تكررت محاولة فتح إقليم السند في عهد الخليفة علي بن ابي طالب، وتولى قيادة الجيش الحارث بن مرّة العبدي، أحد القادة من عرب البحرين من عبد القيس. وكان أن تمكن المسلمون من فتح هذا الإقليم، وكان الهدف من الفتح نشر الإسلام وتبليغ الرسالة، ولم يكن الهدف اقتصادياً، فالأحوال الاقتصادية لذلك الإقليم كانت سيئة، كما نوّهنا، ولكن البلاذري يقول: إن القائد الحارث بن مرة العبدي بعد أن تمّ له فتح الإقليم: "أصاب مغنماً وسبياً" حتى أنهم قسّموا في يوم واحد ألف رأس، ولم يحدد البلاذري أنواع المواشي التي قسّمت [72] .
وفي أعقاب مقتل الخليفة علي بن أبي طالب، استغلّت بعض العناصر الماوئة للدولة الإسلامية في إقليم السند، حالة الفوضى والظروف السياسية غير الطبيعية التي تمر بها الدولة الإسلامية، فعملت على الانفصال، وعندئذٍ جهز المسلمون جيشاً للقضاء على المناوئين هناك وللمحافظة على من أسلم منهم، وإعادة هذا الإقليم إلى النفوذ الإسلامي. واختار معاوية بن أبي سفيان الذي تولى الحكم بعد صلحه مع الحسن بن علي بن أبي طالب، لقيادة ذلك الجيش، القائد المحنّك عبدالله بن سوار العبدي الهجري، من مدينة هجر، وهي كبرى مدن البحرين، فانتصر المسلمون وأعادوا فتح الإقليم، ثم غزا جيش المسلمين "القيقان" [73] وفتحها، ثم عاد إلى معاوية وافداً وأهدى إليه خيلاً قيقانية [74] وقيل فيلاً قيقانياً صغيراً [75] .
وفيما يتعلق بأمر حُكيم بن جبلة العبدي، فقد سكن البصرة،وكان من المعترضين الناقمين على سياسة الخليفة عثمان المالية والإدارية، خصوصاً فيما يتعلق بأمر تعيين الولاة غير المرضي عنهم من عامة الصحابة. لذلك انضم إلى صفوف المعارضة، وقدم إلى المدينة على راس مائة رجل من البصرة ومن غيرهم [76] ، وكان من المؤيدين المناصرين للخليفة علي بن أبي طالب، فقد اشترك معه في حرب الجمل [77] .
ومن رجال الحديث من عرب البحرين، ممن تشرفوا بصحبة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، عمرو بن تغلب العبدي، من عرب "جواثى" [78] ، وممن كان يحفظ أحاديث رسول اللَّه، وروى عنه الكثير من رجال الحديث منهم: الحسن بن أبي الحسن [79] ، وقد أثنى عليه رسول اللَّه، فكان يفتخر بذلك الثناء. فقد "أتى رسول اللَّه بشيء فأعطى قوماً ومنع قوماً، وقال: إنا لنعطي قوماً نخشى هلعهم وجزعهم، وأكل [80] قوماً إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الإيمان، منهم عمرو بن تغلب". ففي هذا الحديث الشريف شهادة من رسول اللَّه لعمرو بأنه من الذين وصلوا إلى درجة الإيمان، وقد عبر عمرو عن سروره بهذه الشهادة بقوله: "قال لي رسول اللَّه كلمة ما أحب أن لي بها حمر النعم" [81] .
والواقع أن عدد الصحابة من عرب البحرين الذين وفدوا على رسول اللَّه في الوفادة الأولى سنتي 8 و 9هـ والثانية سنة 9هـ كان كبيراً. وقد ذكر ابن سعد في الطبقات جملة منهم، فمن هؤلاء: سفيان بن خولى [82] ، ومحارب بن مزيدة [83] ، وعبيدة بن مالك بن همام بن معاوية بن شبانه،وجابر بن عبداللَّه العبدي، ومنقذ بن حيان العبدي، وهو ابن أخت الأشج المنذر بن عائذ، وعمرو بن المرجوم [84] ، وهو الذي انتقل ببعض قبائل عبدالقيس وأسكنهم البصرة، وشهاب المتروك [85] ، وطريف بن أبان [86] وعمرو بن شعيث، من بني عصر من عبدالقيس، وجابر بن جابر من بني عصر، وهمام بن ربيعة من بني عصر، وخزيمة بن عبد عمرو من بني عصر، وعامر بن عبدقيس، من بني عامر بني عصر، وعقبة بن جروة، من بني صباح بن لكيز بن عبدالقيس، ومطر بن جروة، وهو أخ لعقبة من أمه، وسفيان بن همام [87] ، وعمرو بن سفيان، والحارث بن جندب العبدي، من بني عائش بن عوف بن الديل، وهمام بن معاوية بن شبانه بن عامر بن حطمه من عبدالقيس [88] .
التابعون ومن جاء بعدهم
لم تقتصر رواية الحديث على الصحابة من عرب البحرين، بل شاركهم في ذلك التابعون من عرب البحرين ومن جاء بعدهم. وقد استمرت وفادة البحرين على المدينة المنورة بعد وفاة الرسول يتسقطون أخبار الرسول وأحاديثه وأخبار المدينتين المقدستين مهابط الوحي، وقد اخذوا تلك الأحاديث والأخبار من كبار الصحابة المقربين العارفين والمشهود لهم بالعدالة والأمانة.
فمن الرجال التابعين: إبراهيم بن مسلم الهجري العبدي، من المحدثين، وقد روى بعن عبداللَّه بن أبي أوفى، أبي الأحوص عوف بن مالك وروى عنه سفيان الثوري وغيرهم [89] . ومن التابعين المحدث الحضرمي ابن العجلان مولى الجارود بن المعلى العبدي، وقد روى عنه كثيرون: منهم نافع مولى ابن عمر، وروى عنه الربيع بن زياد [90] ، وكان الربيع والياً على البحرين زمن الخليفة عمر بن الخطاب [91] .
ومن رواة الحديث التابعين من عبد القيس، حوشب بن عقيل العبدي، وأبو دحية الهجري، وهو من الرواة الثقاة، ثقة النسائي. ومن الفقهاء والمحدثين: خلاس بن عمرو الهجري،وكان يروي عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والسيدة عائشة زوج رسول اللَّه، وروى عنه قتادة بن دعامة السدوسي، الذي انتقل إلى البصرة فنسب إليهان ولذلك فإن الذهبي يقول عنه: أنه بصري ثقة [92] .
وممن كانوا يحفظون ويروون الحديث من التابعين من عبدالقيس، عوف بن أبي جميلة المعروف بأن الأعرابي الهجري [93] ، وزياد بن سلمان العبدي، المعروف بالهجري، وقد كان مولى لعبد القيس [94] ، وكان من العلماء البارزين في الحكمة والتاريخ والأدب، يحفظ الحديث، كثير الموعظة. وقد روى عن أبي موسى الأشعري، وعبدالله بن عمرو وغيرهم، وكانت له لقاءات مع الخليفة عمر بن عبدالعزيز، جرت خلالها محاورات في الحكم والمواعظ، ومعظم تلك اللقاءات كانت ذات طابع روحي [95] .
ومن المحدثين زيد بن علي أبو القلوص العبدي، روى عن طلعة بن عبداللَّه، وابن عباس، وروى عن عبداللَّه بن مسعود، وروى عنه عوف بن أبي جميلة. خرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومن وراة الحديث، عثمان بن الجهم الهجرين روى عن زر بن حبيش، وروى عنه وكيع بن الجراح، وقال عنه ابن حيان أنه ثقة. كذلك من الرواة التابعين من البحرين الزبير بن جنادة الهجري، روى عنه جرمي بن عمارة، وزيد بن الحباب، وقال عنه ابن حيان [96] : أنه ثقة. ومن المحدثين مهدي بن حرب الهجري العبدي، روى عنه حوشب بن عقيل [97] ثم الفقيه والمحدث والعالم رشيد الهجري، كان من أصحاب الخليفة علي بن أبي طالب ومن خوّاصه المقربين، وحافظ سرّه، وهو من التابعين المشهود لهم بسعة العلم في الدين [98] .
على أن المعارف والعلوم التي توصل إليها علماء البحرين لم تقتصر على العلوم الشرعية فحسب، بل وأيضاً كان من بينهم من له دراية ومعرفة بالعلوم العقلية، مثل علم الفلك وغيره. وقد ذاعت شهرتهم في أنحاء جزيرة العرب. منهم: أبو الجلد، أحد علماء هجر. ولم نتمكن من التعرف على باقي اسمه، وهو متخصص في علم الأنواء ومهاب الريح والأمطار والبرق. بعث إليه عبداللَّه بن عباس يساله عن البرق الذي ورد ذكره في الآية: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [99] .. فأجاب أبو الجلد: "تسألني عن البرق؟ وأنه من الماء". وقد أثبت العلم الحديث أن مصدر البرق من الماء، لأن البرق ينشأ من تصادم كتل ركامية كبيرة من السحب المحملة ببخار الماء، فتتولد عن ذلك التصادم شحنة كهربائية ذات قوة حرارية عالية ينشأ عنها البرق [100] .
كذلك ظهر من البحرين تابعون وصفوا بالزهد والتصوّف، مثل: عامر بن عبدالقيس بن ثابت التميمي، وكان من الزهاد المعروفين، حتى أنهم قالوا: "انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن عبدقيس، وهرم بن حيان، والحسن، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن خيثم، ومسروق، والأسود بن يزيد". انتقل عامر إلى البصرة والتقى بعلمائها، ودرس علوم القرآن على أبي موسى الأشعري، تعلم على يديه الكثيرون، وكان فصيحاً حكيماً [101] .
من المحدثين في العهدين الأموي والعباسي، نصر بن نصير البحراني، توفي في حدود سنة 150هـ، كان من رواة الحديث، روى عن أبيه عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري [102] . ومن العلماء المشهود لهم بالثقة محمد بن معمر البحراني، شيخ البخاري الذي نقل عنه كثيراً من الروايات والأخبار [103] ومنهم العباس بن يزيد بن أبي حبيب، وأبو الفضل البحراني، ويعرف بعباسويه. ذهب إلى بغداد وكانت في منتصف القرن الثالث الهجري مركز إشعاع فكري، وكان يحدث عن محمد بن جعفر غندور، وسفيان بن عيينة، وخالد بن الحارث، ويزيد بن زريع وغيرهم [104] ، ثم ذهب إلى همدان وحدث بها، وله مؤلفات كثيرة في الحديث وغيره، وتوفي سنة 258 [105] . ومن الذين رووا عن العباس إسماعيل بن العباس الوراق، والمحاملي، ومحمد بن مخلد [106] .
ومن رجال هذه الطبقة من المحدثين من علماء البحرين، زكريا بن عطية البحراني، الذي كان يروي عن سلام، أبي المنذر. ومنهم يعقوب بن يوسف بن أبي عيسى البحراني، وكان شيخ ابن أبي داوود. ومنهم هارون بن أحمد بن داوود البحراني، شيخ ابن شاهين، وداود بن غسان بن عيسى البحراني [107] .
ومن رجال الحديث من عبدالقيس ممن استوطن البصرة، يموت بن المزرع بن يموت، وكان على مذهب سفيان الثوري، رحل إلى بغداد وحدث بها عن أبي عثمان المازني وابن حاتم السجستاني، أبي الفضل الرياضي. ولم يقتصر علمه على الحديث، بل كان ملماً بالتاريخ والأدب، وكان اسمه موضع تشاؤم، فسبّب له كثيراً من الحرج، فاضطر إلى استبداله بمحمد، إلا أن الاسم الأول غلب عليه فصار لا يُعرف إلا به [108] .
ومن الرافقة، وهي من قرى البحرين، التي ينتمي إليها كثير من العلماء، محمد بن خالد الرافقين وقد اشتهر الرافقي برواية الحديث، روى عنه عبداللَّه بن موسى [109] .
المصدر الأصلي: مجلة الواحة (alwahamag.com) — نسخة أرشيفية