١٩ يوليو ٢٠٢٦ ·٢ دقائق للقراءة

وضع الأحساء والقطيف وقطر العمراني والاقتصادي

الصحافة أو الجرائد تعني صناعة الصحف والصحف جمع صحيفة وهي قرطاس مكتوب. والصحافيون اليوم ينتسبون إليها ويشتغلون فيها. والمراد بالصحف أو الجرائد أوراق مطبوعة تنشر الأنباء والعلوم على اختلاف مواضيعها بين الناس في أوقات معينة فإن فيها من تواريخ الأوائل واخبار الدول وفكهات الروايات وغرائب الإكتشافات وأسعار التجارة وفنون الصناعة وضروب الإنتقاد وشئون الإقتصاد وأخلاق الغرباء وعوائد البعداء ما يفي عن التوجه إلى بلادهم ومخالطة شعوبهم والوقوف على أحوالهم.

والزوراء واحدة من تلك الصحف التي كشفت النقاب عن الكثير من الأحداث التاريخية في شرق الجزيرة العربية في وقت تكاد القاعدة المعلوماتية شبه منعدمة، رغم إنها كانت تعبر عن الوجهة الرسمية في استعراضها لتلك الأحداث.

فهي أول جريدة رسمية صدرت في العراق أسسها الوالي العثماني مدحت باشا عام 1869م [1] وقد جلب إليها مدحت باشا مطبعة من باريس سميت بمطبعة الولاية. وتعتبر هذه المطبعة أول مطبعة بخارية دخلت إلى العراق [2] .

وكانت هذه الجريدة تصدر باللغتين العربية والعثمانية بالحجم الوسط ثم أخذت فيما بعد تصدر بأربع صفحات؛ اثنتان باللغة العربية؛ واثنتان باللغة العثمانية، ولما صدر الدستور العثماني 1326هـ/ 1908م، وصدرت في بغداد جرائد باللغة العربية طوى قسمها العربي وأخذت تكتب باللغة العثمانية فقط ولكن هذا لم يدم طويلاً حتى عادت تنشر باللغتين المذكورتين سنة 1331هـ/ 1913م [3] .

وصدر العدد الأول منها في يوم الثلاثاء 5 ربيع الأول 1286هـ وجاء على صدر عددها الأول "إن هذه الجريدة تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء وهي حاوية لكل نوع من الأخبار والحوادث الداخلية والخارجية..." [4] وفي بداية السنة الثانية من اصدارها أخذت تصدر مرتين في الأسبوع يوم السبت والثلاثاء [5] . وظلت الزوراء تتوالى في صدورها حتى اختفت عن أعين القراء مع آخر عدد لها المرقم 2606 من عام 1336هـ/ 1917م [6] .

وسميت بالزوراء نسبة إلى مدينة بغداد التي صدرت فيها والتي كان أحد اسمائها الزوراء [7] وكان اسلوبها الأدبي هو اسلوب العصر الذي عاشت فيه، اتسم بالركاكة والإبتعاد عن المقاييس الأدبية [8] .

وساهم في تحرير هذه الجريدة جمهرة من أدباء وعلماء وكتاب عصرها، وكان من بين من اشترك في تحريرها أُناس بعيدون كل البعد عن أمور الصحافة. ومن أهمهم: أحمد مدحت وهو أول رئيس تحرير بجريدة الزوراء [9] ، وأحمد عزت الفاروقي وهو أول رئيس تحرير للجريدة من العراقيين [10] ، وأحمد الشاوي البغدادي وهو عالم وشاعر وأديب [11] ، ومحمود شكري الألوسي تولى رئاسة تحرير القسم العربي من جريدة الزوراء 1307هـ/ 1889م [12] ، وفهمي المدرسي الذي تولى إدارة مطبعة الولاية في بغداد مع رئاسة تحرير القسم التركي والعربي للجريدة [13] .

لقد تزامن صدور جريدة الزوراء والاستيلاء العثماني على الأحساء [14] ، وكانت اللسان الناطق للسلطة العثمانية في بغداد، التي لعبت الدور البارز وخططت لذلك الاستيلاء، ورصدت الزوراء التحرك العثماني ومخططاته في المنطقة فأولت تلك المسألة اهتماماتها فأبرزته في صفحاتها الأولى، ولنستقرأ ما دونته الزوراء في بعض أعدادها عن الأحساء بمدلولها التاريخي والجغرافي.

إن الأعداد التي تم اختيارها والتي سنلقي الضوء عليها تتضمن مجمل محتوياتها الناحية العمرانية في منطقة الأحساء:

ما إن تمت موافقة السلطان العثماني عبدالعزيز (1277-1293هـ/1861-1876م) بناءً على توجيهات مجلس الوزراء في محرم 1288هـ/1871م [15] بخصوص تسيير حملة عسكرية إلى الأحساء والاستيلاء عليها، وكذا تحويل والي بغداد مدحت باشا (1286-1289هـ/1869-1872م) لتنفيذ ذلك، حتى اتخذ الأخير كافة التدبيرات اللازمة للقيام بالحملة العسكرية على الأحساء.

ركز مدحت باشا على الجانب الإعلامي لاعتقاده بأن ماينشر في الصحف قد يكون له تأثير في عقول المتتبعين للأحداث من رعايا الدولة فقبيل تسيير الحملة العسكرية أوعز إلى القائمين على جريدة الزوراء بتسليط الضوء على أوضاع المنطقة السياسية والإقتصادية والاجتماعية. حيث نجد في العدد (129) [16] في الصفحة الأولى، تستعرض الزوراء الصراع الدائر بين ابني الإمام فيصل بن تركي (عبدالله، وسعود) معتبرة بأن تحركات سعود الفيصل ضد أخيه يمس كيان الدولة لكون عبدالله الفيصل، في نظر السلطات العثمانية، أحد ممثليها في المنطقة وأنه يشغل رتبة قائمقام "لما كان عبدالله الفيصل قد حاز عنوان القائمقامية من طرف الدولة العلية في منطقة نجد وإن الحسا والقطيف وتلك السواحل حال كونها ملحقة للقائمقامية المذكورة فإن جرأة سعود وتجاسره من نفسه بنفسه لا يكون جايزاً لدى الدولة، وإن حماية الأهالي والتبعية المودعة من قبل الرب جل شأنه لدى السلطة السنية، ومحافظة حقوق الحكومة في ذمتها..." [17] .

وبجانب الاستعراض للوضع السياسي في المنطقة، سلطت الزوراء الأضواء على وضع المنطقة الإقتصادي والعمراني إذ تذكر بهذا الخصوص بأنه قد نظم دفتر شامل لمقدار القصبات والبيوت الواقعة داخل منطقة نجد، وإن هذا الدفتر تحرر بموجب إفادة أصحاب المعلومات. ولعله هنا نفهم من ذلك بأن الدولة قامت بمسح المنطقة اقتصادياً وعمرانياً قبيل تسيير الحملة العسكرية.

إن نتائج المسح كانت على النحو التالي:

1 - العدد التقديري لبيوت المناطق التابعة لقائمقامية نجد هو:

(26400) بيت موزعة كالتالي: (5000 الرياض، 1000 الدرعية، 400 جبيله، 2000 الخرج 10000 حسا، 2000 قطيف، 1000 دمام، 4000 بحرين، 1000 قطر).

2 - العدد التقديري للبساتين هو (50200) وموزعة على النحو التالي:

(2000 الرياض، 1000 درعية، 200 جبيله، 2000 خرج، 40000 حسا، 2000 قطيف، 1000 دمام، 1000 بحرين، 1000 قطر).

ولم تغفل الزوراء عن محاولة الإجابة على تساؤل قد يطرحه المتتبعون لها حول هذا المقدار من البيوت وكذا هذا المقدار الوفير من البساتين في منطقة نجد في حين أن أغلب أراضيها براري ورمال.

حيث تشير إلى أن تحرير مقدار البيوت والبساتين إنما هو مبني على تصديق "القادين" (القادمين) و"الرايحين" (المغادرين) إلى نجد وعلى إفادة بعض الشيوخ والتجار [18] .

ومنذ أن تحركت الحملة العسكرية للاستيلاء على الأحساء في ربيع الأول 1288هـ حتى أخذت الزوراء تركز على أحوال القطيف التي كانت الهدف الأول للحملة.

ففي العدد (161) [19] استعراض وافٍ عن الأحوال في القطيف إذ تذكر بأن القطيف قصبة محاطة بسور وواقعة على ساحل البحر وإن عدد الدور الموجودة داخل السور يبلغ ثلاثة آلاف دار وخارج السور بنفس المقدار. وفيها "مقدار ثمانمائة "دكان" (محل تجاري) وخمسة "خانات" (فنادق). وفي القطيف عدد من منابع المياه الساخنة، شيد عليها أهل القطيف القبب وبسطت أراضيها بالرخام واتخذت كمسابح".

وأما البساتين الموجودة خارج البلدة فإنها كثيرة إذ تقدر بعدد أربعة آلاف بستان. والمحصول الرئيسي هو التمر إضافة إلى محاصيل أُخرى كالتين والمشمش والسفرجل والعرنوط والتفاح والبطيخ الأصفر والأخضر وإنه "كثيراً ما شوهد رأي العين أن بطيختين من البطيخ الأخضر تحمل على بعير لكبر حجمهما".

وأهالي القطيف كانوا ذوي معرفة في كافة الصناعات إلا أن الصناعة التي اشتهروا بها هي نسج الأزر الحريرية الملونة التي تلبسها النساء وأنواع العبي الصيفية والشتوية والكفافي القطنية التي يلبسها الرجال على رؤوسهم. إضافة إلى عملهم الرئيسي وهو صناعة البحر وحرفة البستنة.

ولقد لعب الإنتاج الزراعي والصناعي الدور البارز في ايجاد حركة تجارية في القطيف إذ يقوم الأهالي ببيع تلك المنتجات داخل القطيف وفي اطرافها من القرى والبادية التي ترد إلى تلك الأطراف.

ويتبع القطيف قلعتا عنك والدمام. فقلعة عنك تبعد عن القطيف بمسافة ساعة ونصف وبنيت لهدف حماية طريق الساحل المحاذي للقطيف، وفيها أربعة بروج في كل برج مقدار من المدافع. وفي القلعة أربعون منزلاً كسكن لأبناء الجنود. وبجوارها بعض الأبنية المشيدة من الجص والأجر وكذلك عدد من الخيام لإقامة أهالي البادية [20] .

أما قلعة الدمام فهي تبعد عن قلعة عنك بمسافة ساعتين أو ثلاث. وهي محاطة بأسوار ثلاثة في غاية المتانة وعرض كل سور حوالي مترين. ويوجد بها حوالي مائتي منزل لعوائل الجنود المقيمين فيها [21] .

وخلال تغطية الزوراء الصحفية لسير الحملة العسكرية العثمانية من القطيف إلى الأحساء، دونت ملاحظاتها الجغرافية عن الطريق حيث تذكر بأن الطريق عبارة عن رمال كثيرة حتى أنه قد تكون فيها تلال رملية ويفتقر الطريق إلى وجود أي مياه جارية فيه. والمسافة بين القطيف والأحساء تقدر بستة وثلاثين ساعة.

استعرضت الزوراء مشاهداتها في الأحساء عشية وصول الحملة العسكرية إليها حيث تشير إلى أن الأحساء تشتمل على قرى كثيرة وقصبات وفيرة وإن أكبر القصبات هي الهفوف والمبرز.

قصبة الهفوف تشتمل على مايزيد على ستة آلاف وخمسمائة دار وعدد سكانها حوالي أربعين ألف نسمة. والبلدة محاطة بسور وفي داخل البلدة قلعتان مقابلة إحداهما للأخرى تسمى احداها (كوت إبراهيم) والثانية (كوت الحصار) ويوجد في تلك القلاع حوالي 21 مدفعاً [22] .

أما قصبة المبرز فهي تبعد عن الهفوف مسافة ساعة تقريباً ويوجد خارجها قلعة تسمى (صاهود) وبيوتها تقدر بثلاثة آلاف وخمسمائة منزل وعدد سكانها حوالي خمسة وعشرين ألف نسمة. وقلعة صاهود بنيت بغاية المتانة والرصانة وبها خندق وعدة بروج وفيها خمسة مدافع [23] .

والأحساء منطقة زراعية تشتهر ببساتينها الوفيرة حيث تقدر عدد الأشجار فيها بمليون ونصف ومحصولها الرئيسي هو التمر والليمون والترنج والخوخ والبطيخ الأصفر والأخضر والتين وبعض من أشجار القطن وأشجار فاكهة “لا يوجد لها نظير”، حسب تعبير الزوراء، يعرف باللوز. كما أنه يزرع الأرز والحنطة [24] .

وعن المياه في الأحساء فتشير الزوراء بأن كافة المياه التي يشربها الأهالي ويسقون زروعاتهم تخرج من عدة ينابيع تقدر بإثني عشر ينبوعاً كبيراً وخمسة وأربعين ينبوعاً صغيراً. وإن بعض تلك الينابيع يشبه النهر ومياه تلك الينابيع خفيف وعذب [25] .

وعن الوضع الاقتصادي للأهالي في الأحساء تذكر الزوراء بأن أكثر الأهالي هم أصحاب أملاك والبعض منهم يشتغل بالتجارة والزراعة وممارسة الحرف المتعددة كالحدادة والصياغة وخياطة العبي (البشوت)-التي امتازت عن العبي النجفية المشهورة في المنطقة آنذاك- الأمر الذي لا يوجد من بينهم من هو عاطل عن العمل [26] .

إن تلك الأعمال التي يقوم بها الأهالي لا شك أنها كانت تغذي النشاط التجاري المحلي والخارجي فهناك عدة اسواق اسبوعية في المنطقة يرتادها الأهالي والقادمون إلى الأحساء من المناطق المجاورة حاضرة وبادية [27] .

وتعطي الزوراء تفصيلاً أكثر لوصف الأحسـاء العمرانــي والاقتصـادري في عددهـا (184) حيث تشير إلى أن الأحساء تطلق على أراضي قابلة للزراعة واقعة في وسط بادية من الرمل وتشتمل على بلدين الهفوف والمبرز، وعدد من القرى المعمورة تقدر باثنتين وخمسين وعلى بساتين من النخيل وسائر الفواكه المتلاصقة بعضها ببعض الممتدة من (العيون) شمالاً إلى أن تصل إلى قرية (الجفر) في الطرف الشرقي الجنوبي

وفي منطقة الأحساء حوالي ثلاثة جوامع سلطانية وأربعة وتسعين مسجداً [28] والأهالي لا يميلون إلى قتل النفوس ونهب الأموال، بل هم تابعو (الشريعة المطهرة الأحمدية) مع كامل الانقياد وأنهم معتادون على عدم الكذب والنفاق ومتجانسون فيما بينهم ولديهم استعداد فطري وقابلية للتعلم لكافة الصناعات [29] .

والأهالي يمتازون بأنهم "أهل غيرة وشجاعة وقوة بدنية وملكة بأصول الزراعة. وهم سمر الألوان (حلوين) السمات ولحاهم "كوس" ومتوسطوا القامة وليس فيهم الرجل القصير ولا الأحدب" [30] .

وعن قطر أشارت الزوراء في عدد 208 بأن البلدة المسمى (قطر) التي هي من ملحقات منطقة الأحساء والواقعة في الجهة الشرقية منها والكائنة بين عمان والبحرين والتي يحكمها الشيخ قاسم بن ثاني معظم أراضيها محجرة لا ماء فيها ولا زرع لذا فإن عموم السكان يشتغلون في تجارة صيد اللؤلؤ والأسماك حيث يمتلكون ما يقارب ثلاثة آلاف سفينة كبيرة وصغيرة [31] .

وتعطي الزوراء تفصيلاً أكبر عن قطر في عددها 215 إذ تشير أن قضاء قطر من ملحقات متصرفية الأحساء وقصبة البدع هي مقر الحكومة وتشتمل على ما يقارب من ألف دار وعدد سكانها حوالي أربعة آلاف نسمة. وإن أراضيها غير قابلة للزراعة الأمر الذي جعل الأهالي ينخرطون في أعمال صيد اللؤلؤ والأسماك وتجارتهما.

ويتبع البدع عدد من القرى من أبرزها (الوكرة) التي تبعد عن البدع مسافة ثلاث ساعات يوجد بها حوالي مائتي دار وعدد سكانها لا يتجاوز الأربعمائة نسمة والأهالي في الوكرة يمتلكون حوالي مائة وخمسين سفينة لغرض صيد اللؤلؤ والأسماك.

ومن القرى أيضاً (الخور) التي تقع في الجهة الشمالية وتبعد مسافة أربع ساعات تحتوي على ما يقارب خمسمائة دار ويمتلك أهلها حوالي مائتي سفينة [32] .

وعلى أية حال فبجانب هذه الفائدة التاريخية من تلك التغطية الصحفية التي سطرتها الزوراء في صفحاتها الرئيسة عن وضع الأحساء والقطيف وقطر العمراني والاقتصادي وكشفها النقاب عن أحداث مهمة في تاريخ المنطقة، فإنها من جانب آخر ساعدت السلطة العثمانية العليا في وضع تصوراتها للطبيعة التي يجب أن تكون عليها الإدارة العثمانية في كامل منطقة الأحساء خلال فترة الوجود العثماني فيها. حيث نجد ذلك في التقارير الصادرة من رموز السلطة العثمانية [33] .

المصدر الأصلي: مجلة الواحة (alwahamag.com) — نسخة أرشيفية

شارك المقال