مقالة «الكويت قبل الزيت» - عبدالعزيز حمد الصقر
مقالة «الكويت قبل الزيت» - عبدالعزيز حمد الصقر
إعداد: طلال سعد الرميضي
دراسة قيمة بمجلة العربي قبل خمس وأربعين سنة استعرضت تاريخ الكويت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. «الكويت قبل الزيت» مقالة لأول رئيس برلمان كويتي العم عبدالعزيز حمد الصقر.
من أمتع الدراسات التي كتبت عن تاريخ الكويت السياسي والاقتصادي والاجتماعي مقالة تاريخية هامة سطرها رئيس مجلس الأمة الكويتي قبل خمسة وأربعين سنة السيد عبدالعزيز حمد الصقر تناول خلالها نواحي مختلفة من تاريخ دولة الكويت، وبأسلوب جميل ممتع، وقبل عرض هذه المقالة القيمة التي نشرت بمجلة العربي في عددها السابع والستين الصادر شهر يونيو من عام 1964م، نود أن نتعرف على كاتبها وشذرات من تاريخ حياته السياسية والاقتصادية الحافلة بالأحداث والمشاركات الكثيرة.
رئيس السلطة التشريعية
ولد السيد عبدالعزيز حمد عبدالله الصقر عام 1913م في مدينة الكويت بمنطقة القبلة في بيت كويتي عريق فوالده كان رئيسا لمجلس الشورى في عام 1921م ذلك المجلس الذي كان أول مجلس بتاريخ الكويت الديمقراطي. وعرف السيد عبدالعزيز الصقر من الرموز السياسية بالكويت، وله تاريخ مشرف في مشاركاته البارزة في تاريخ الكويت المعاصر، فهو رجل قدم الكثير لأبناء وطنه، واتسم رحمه الله بالحكمة والحنكة والقوة في اتخاذه للقرارات الهامة ومن أبرزها استقالته من عضوية مجلس الأمة بعد تزوير الانتخابات سنة 1967م.
وإذا أردنا أن نسلط الضوء على أهم مساهماته فقد ساهم بتأسيس بنك الكويت الوطني في عام 1952 والخطوط الجوية الكويتية في عام 1954 وشركة ناقلات نفط الكويت في عام 1957 وشركة السينما الكويتية في 1957، كما ساهم في تأسيس غرفة تجارة وصناعة الكويت في عام 1959 وترأسها لمدة 36 سنة.
كما أنه كان عضوا في المجلس البلدي في عامي 1952 و1955 وانتخب أيضا عضواً في المجلس التأسيسي في عام 1962، وكان عضواً في مجلس الأمة لدورتين سنتي 1963 و1967م وانتخب كأول رئيس لمجلس الأمة عام 63م. وعندما قامت السلطة بالكويت بحل مجلس الأمة عام 1986م يتذكر الجميع عام 1989م قيام العم عبدالعزيز الصقر بحملة شعبية مطالبة بعودة العمل بالدستور دشنها بعريضة تحمل توقيعه مع وجهاء الكويت وتجارها ويسميها الناس «عريضة عبدالعزيز الصقر» ورفعت آنذاك إلى سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت. كما تولى عام 1962م منصب وزير الصحة في أول مجلس للوزراء بتاريخ الكويت. كما كانت له أيادي بيضاء يعرفها الجميع وتبرعات سخية في مساعدة الآخرين ومنها مشاركته في دعم جمعية الهلال الكويتي.
مقالة تاريخية هامة
نشرت هذه المقالة في مجلة العربي الكويتية التي كان يترأس تحريرها الدكتور أحمد زكي، وقد كان يبذل جهودا كبيرة في اختيار المواد المنشورة بها للرقي بمستواها. ومن هذه المقالات القيمة التي نشرت في العدد السابع والستين والصادر بشهر يونيو من سنة 1964م هذه الدراسة التاريخية الهامة بقلم رئيس البرلمان الكويتي العم عبدالعزيز حمد الصقر والتي تحمل عنوان الكويت قبل الزيت وتحدث خلالها عن جوانب مختلفة من المجتمع الكويتي ما قبل النفط مستعرضا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيه، وبأسلوب أدبي رائع يستمتع به العامي قبل المثقف.
نص المقال: «الكويت قبل الزيت»
إن الحكم على أي مجتمع من أي ناحية من النواحي لا يكون صحيحا إذا لم يكن صدور هذا الحكم على ضوء ماضيه القريب بل وماضيه البعيد. فقد يكشف هذا عن أن ما قد يبدو للعين المجردة كأنه طفرة كبيرة، ليس إلا تطورا طبيعيا لماضي المجتمع، واستكمالا منطقيا لحلقات تطوره العادية المتتابعة. وقد يكشف النظر إلى الماضي عن عكس ذلك تماما. لهذا راقني وقد شغل الكثيرون بالكلام عن حاضر الكويت في عهد الزيت، أن أتكلم عن ماضي الكويت قبل الزيت.
ومثل هذا الكلام لا تكمل حلقاته إلا إذا تناولت هذا الماضي من النواحي الأساسية الثلاثة: الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. ملتزما الإيجاز الذي لا يتسع المقام لأكثر منه.
الناحية الاقتصادية
قبل أن يبرز النفط كمورد رئيسي للكويت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان لهذه البلاد اقتصاد قومي مزدهر تزايد ازدهاره بصفة خاصة خلال الفترة التي مرت من بدء الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (وذلك باستثناء فترة الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم حوالي سنة 1930، وكان لها بالطبع صدى في الاقتصاد الكويتي). ويمكن القول بأن ذلك الاقتصاد الكويتي السابق على النفط كان يقوم على ثلاثة مقومات أساسية هي: الغوص وراء اللؤلؤ، والملاحة، والتجارة.
الغوص
كان استخراج اللؤلؤ مهنة أساسية في الكويت ذات دور رئيسي في الدخل القومي، وكانت ترتبط بها وتكملها مهنة الاتجار في اللؤلؤ، وقد بلغت مهنة الغوص أوجها منذ حوالي الخمسة والأربعين عاما، حيث بلغ عدد السفن الكويتية العاملة في الغوص حينذاك حوالي الألف والمائتي سفينة، وكان يتراوح عدد أفراد السفينة بين خمسة أشخاص وخمسة وسبعين شخصا تبعا لحجمها.
وإنه لمن دواعي الأسف الشديد أن هذه المهنة التقليدية في الكويت، وفي الخليج عامة، قد أخذت بعد ذلك الازدهار تتلاشى عاما بعد عام. فإذا بعدد السفن الكويتية يتناقص حتى لم يبق منه في الوقت الحاضر إلا سفينة واحدة.
ومن أهم أسباب اندثار تلك المهنة: ظهور اللؤلؤ الذي يربيه اليابانيون في المحار اصطناعا وانتشاره على نطاق واسع، وتأثيره الكبير على سوق اللؤلؤ الطبيعي. كما أن التطورات الفكرية والاجتماعية في العالم قد طورت نظرة الإنسان إلى الكماليات. كذلك أدى ظهور مورد النفط في الكويت إلى مضاعفة هذا التحول عن مهنة الغوص.
تجارة اللؤلؤ
أما الشق المكمل لعملية استخراج اللؤلؤ فهو تجارة اللؤلؤ، فقد تخصص البعض في هذه التجارة في الكويت وسائر بلدان الخليج العربي، وكان عمل هؤلاء التجار مرتبطا بعملية الغوص يبدأ ببدئها ويساير رحلات سفن الغوص. وكان التجار ينتقلون بين هذه السفن وموانيها ويشترون محاصيلها. وعند نهاية الموسم - وكانت مدته أربعة أشهر - كان بعض تجار اللؤلؤ يبيعون بضاعتهم محليا أو في البحرين، في حين كان البعض الآخر يسافرون إلى «بمباي» باعتبارها المركز الرئيسي في الشرق لتجارة اللؤلؤ.
الملاحة
مارست الكويت النقل البحري منذ تاريخها القديم، وقد ازدهرت الملاحة في هذا البلد مع الزمن، وبخاصة بعد نشوب الحرب العالمية الأولى حيث طرأ على السفن الكويتية تطور ملموس. وقد وصل عدد هذه القطع إلى حوالي مائة وثمانين سفينة يتراوح عدد أفراد الواحدة منها بين 12 و45 شخصا، كما تراوحت حمولة السفينة الواحدة بين 90 و500 طن، وقد بلغت جملة الطاقة المقدرة لحمولات مجموع سفن الأسطول التجاري وقت ازدهاره حوالي الثلاثين ألف طن.
وكان موسم رحلات السفن يبدأ في الشهر الثامن من كل عام وينتهي بعودة جميع قطعه في أواخر الشهر الخامس من العام التالي. أما الوجهة الأساسية للرحلات فهي شط العرب بالعراق وإيران حيث يتم شحن السفن بالتمور لحساب التجار الكويتيين. وكانت هذه السفن تتجه بحمولاتها إلى الهند شاملة حينذاك دولتي الهند وباكستان الحاليتين.
أسباب تراجع الملاحة
أ- بروز النفط كمورد رئيسي للبلاد، فقد ضاعف فعالية غيره من الأسباب. ب- النقص الملموس في كمية التمور التي كانت تشحن بالسفن الشراعية إلى الهند وباكستان. ج- تناقص استيراد الأخشاب من الهند. د- المنافسة غير المتكافئة مع البواخر الحديثة.
وإنه ما لم تتطور الملاحة بالكويت لتجاري المستوى الملاحي العالمي فستصبح الملاحة بالكويت أثرا بعد عين. ولهذا أرى أن الكويت وهي بلد ساحلي اعتمد طول حياته على الملاحة من واجبها حكومة وشعبا التضافر للحفاظ على هذا المقوم الأساسي للمجتمع الكويتي. فالنفط بطبيعته مورد يستنزف مع الزمن، في حين أن الملاحة مورد متزايد غير متناقص.
التجارة
يمكنني القول أن الكويتي ليس صانعا ولا زارعا وإنما هيأته طبيعة بلاده لأن يكون تاجرا ماهرا. ولهذا برز من بينهم تجار مهرة، وكان للكويت دور تجاري مهم في هذا الجزء من العالم.
الكويت مركز تجاري لجيرانها
كانت الكويت قبل الحرب العالمية الأولى مركزا تجاريا على جانب من الأهمية، لا بالنسبة لها فقط وإنما بالنسبة لجيرانها عامة وللمملكة العربية السعودية خاصة. وكانت تعتبر حينذاك المموِّن الرئيسي للسعودية. كذلك امتدت صادرات الكويت إلى العراق وإلى إيران.
ومما لا شك فيه أنه قد ساعد على هذا الازدهار التجاري بالكويت عوامل شتى أهمها وضع الكويت الجغرافي، وأسطولها التجاري، وعدم القيود على التجارة فيها، وانخفاض الرسوم الجمركية بها، والتسهيل في الإجراءات وشرف المعاملة.
تجار الكويت وكلمة الشرف
لقد غدا معلوما للكافة أن التاجر الكويتي كان يعتمد على كلمته وشرفه التجاري، فلم يكن يوجد بالماضي أي تبادل خطي ومعظم الصفقات كانت إلى عهد قريب تتم بين التجار بدون واسطة. وقد تأصلت الأعراف التجارية على هذا النحو، حتى أن التاجر كان يأنف بل ويغضب لو سألته أن تكون الصفقة بواسطة أو أن تثبت بشيء خطي. وكان التاجر يعتبر مثل هذا الطلب إهانة له وإشعارا بعدم الثقة به.
كان من التقاليد العربية المستحبة في الكويت ما عرف باسم «البضعة»، وهو أسلوب تعاوني كريم يقدم بموجبه أحد التجار مالا أو بضاعة لفرد يسعى في استثمارها تجاريا ويقسم صافي الربح عند التصفية بينهما بنسبة الثلثين للأول والثلث للثاني. أما في حالة الخسارة فإن التاجر المالك هو الذي يتحمل هذا العبء وحده.
الناحية الاجتماعية
لقد عاشت الكويت - وبخاصة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية - في شكل أسرة كبيرة تقوم على التعاطف بين أفرادها والتكافل الاجتماعي، بكل ما في ذلك من معنى وما له من صور وتطبيقات، حتى شمل جميع ضروب الحياة في الكويت.
عندما تغرق سفينة أو تتحطم كان يسارع الأصدقاء والمعارف كافة وبدون استعطاف أو طلب إلى جمع التبرعات دون علم من أصابته الكارثة، وكانت هذه التبرعات كفيلة بتغطية الخسارة كلها بل كانت تزيد على جملة الخسارة.
وبمثل هذه الروح كان يسارع الكويتيون إلى إنقاذ السفن التي تجنح في الخليج أثناء رحلاتها، وكان تكوين هذه الحملات الإنقاذية بصورة تطوعية وسريعة وشاملة تبعث العجب، وقد يبلغ عدد أفراد الحملة الإنقاذية الواحدة أحيانا مائة شخص.
وكانت تبرز روح التعاون والأخوة كذلك في عملية إنزال السفن الجديدة إلى الماء، فكان رفع العلم الكويتي عليها إيذانا بالشروع في عملية إنزالها إلى البحر، وإيذانا بتهافت ممثلين لمختلف العائلات من أصحاب السفن ليسهموا متكاتفين في العملية.
لم تكن الأسرة الكويتية تفتقد الطمأنينة فترة غياب عائلها أثناء رحلات السفن الطويلة، بل كان كل مقيم من أهل المنطقة يشعر بأنه مسؤول أدبيا عن أسرة جاره أو صديقه المسافر.
الاشتراكية الإسلامية في توزيع حصيلة السفن
ولعل أكبر شاهد على قيام التكافل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في المجتمع الكويتي هو ذلك النظام الذي اتبعته الكويت في توزيع حصيلة السفن من رحلاتها، فقد اعتبر داخل السفينة في كل سفرة حصيلة مشتركة توزع بين الجميع بما فيهم المالك على أسس عادلة، وذلك بعد خصم المصاريف الفعلية. وكان الجميع يطعمون معا وعلى مستوى واحد دون تفريق. وكانت أسس التوزيع: 10% تقريبا لمصاريف الطعام ورسوم الموانئ، 45% تقريبا جملة ما يؤول إلى العاملين في السفينة، 35% تقريبا جملة ما يؤول لصاحب السفينة ويتحمل منها مصاريف الصيانة.
الناحية السياسية
لقد كانت الكويت من أقرب بلاد العالم العربي إلى التقاليد الإسلامية والروح العربية الأصيلة في شأن علاقة الوالي بأفراد الأمة، فقد كانت هذه العلاقة أقرب إلى روح العائلة الواحدة منها إلى مجرد الرباط السياسي.
أما الشورى كأساس إسلامي للحكم فقد كانت تتمثل في الكويت قبل الدستور في بساطة مظاهر الحكم السياسي وعدم إقامة حجاب بين الحاكم والأفراد، مع ما جبلت عليه نفوس الكويتيين من احترام للنظام والتقليد، وتوقير الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير، مما جعل الأمور العامة للدولة محل الاستشارة وتبادل النظر مع ذوي الرأي في البلاد.
ولهذا لم نشعر بأن في الأخذ بالنظام النيابي الدستوري سنة 1962 أية طفرة أو أي سبق للزمن، بل بالعكس شعرنا بأن هذا هو التطور الطبيعي السليم، وأنه هو التسجيل العادل لمنطق تطور أفكارنا وأساليبنا في الحكم والسياسة.
إن صغر هذه الدولة وقلة عدد سكانها يجعل بيئتها أكثر صلاحية لمتابعة رقابة الشعب لأعمال نوابه ورقابته لحكامه حتى إن الحكم النيابي فيها يكاد يكون في واقعه حكما مباشرا للشعب.
ولهذا أود أن أسجل تفاؤلي بالتنافس المشروع داخل مجلس الأمة وفي دوائر الحكومة لتحقيق أكبر قدر من الإصلاحات الشعبية على أحسن مستوى، وفي أسرع وقت، وبأقل ثمن.
الكويت: عبدالعزيز حمد الصقر
المصدر: جريدة عالم اليوم - الكويت العدد 655 بتاريخ 02/03/2009
المصدر: منتدى تاريخ الكويت - قسم البحوث والمؤلفات
https://www.kuwait-history.net/vb/showthread.php?t=8188
