فقيه الكويت وفرضيّها الشيخ محمد بن سليمان الجراح السلفي (1902-1996م)

بقلم: فارس الفارس - جريدة الوطن

شيخ جليل وعالم كبير أكرم الله عزوجل به أهل الكويت وتشرفوا بانتسابه لهم ولوطنهم، تواضع لله فرفعه وأنزل محبته على قلوب خلقه، جدّ واجتهد في طلب العلم إلى أن وصل مرتبة من العلم أهّلته ليكون عالم الكويت وفقيهها وفرضيّها، اتخذ من أحد أركان مسجده (مسجد السهول) بضاحية عبدالله السالم مكاناً يستقبل فيه طلبة العلم لينهلوا من علمه الغزير إلى أن أصبح ذلك الركن منارةً من منارات العلم والتحصيل الشرعي.

قال قبل وفاته بأيام قليلة: "إني طالب علم مقصر محب للعلم ولست بفقيه الكويت ولا فرضيها، وما قيل فيّ من الإطراء فأنا بريء منه، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيراً مما يظنون."

اسمه ونسبه ومولده

هو العلاّمة الكريم الفاضل والشيخ الجليل العامل محمد بن سليمان بن عبدالله الجراح الحنبلي السلفي، وآل جراح هم من آل فضل، بطن من بطون بني لام، وبنو لام من طيء، وطيء من قحطان بن نبي الله هود عليه السلام. ولد الشيخ الفاضل في الكويت سنة 1322هـ / 1902م بعد هجرة جده عبدالله من بلدة (حرمه) إحدى قرى سدير في نجد إلى الكويت بنحو أربعين سنة.

دراسته وشيوخه في العلم

ابتدأ الشيخ الفاضل حياته العلمية وهو في سن العاشرة حيث تعلّم القرآن الكريم في مدرسة ملا أحمد الحرمي الفارسي، ثم أكمل القرآن الكريم في مدرسة ملا محمد المهيني، وتعلّم الكتابة والحساب وقسمة المواريث في مدرسة السيد هاشم الحنيان.

كان شديد الحرص على تحصيل أكبر قدر ممكن من العلم فحفظ في أول شبابه (الرحبية) في المواريث و(منظومة الآداب) و(الدرة المضية) للسفاريني و(متن دليل الطالب) في الفقه للشيخ مرعى الحنبلي، وكان يذهب بعد صلاة الفجر إلى ساحل البحر متخلياً عن الناس ليكرر دروسه، ومن شدة حرصه على التعلم فقد حفظ (الدرة المضية) في العقيدة وتبلغ 220 بيتاً في ثلاثة أيام.

أخذ الشيخ محمد الجراح مبادئ الفقه من قاضي الكويت العلاّمة الشيخ عبدالله الخلف الدحيان تلميذ عالم الكويت الأول وفقيهها الشيخ محمد عبدالله الفارس، حيث كان الشيخ عبدالله الخلف يقرأ في مجلسه بعد طلوع الشمس تفسير ابن كثير وفتح الباري. وبعد وفاة الشيخ عبدالله سنة 1349هـ لازم شيخنا الجليل العلاّمة الشيخ عبدالوهاب عبدالله الفارس فقرأ عليه متن دليل الطالب حتى أكمله، ثم نيل المآرب، ثم الروض المربع، ثم شرح المنتهى، وكشاف القناع. ثم لازم صديقه العلاّمة الشيخ عبدالوهاب عبدالرحمن الفارس وقرأ عليه الروض المربع وكشف المخدرات.

وأخذ علوم اللغة العربية من الشيخ أحمد عطية الأثري والشيخ أحمد الحرمي والشيخ عبدالعزيز حمادة والشيخ عبدالرحمن الفارسي وغيرهم.

ذهابه إلى الحج

حج الشيخ الفاضل خمس حجات؛ كانت أولاهن فرضه بصحبة والده سليمان سنة 1365هـ، والثانية عام 1367هـ نيابة عن أمه وأقام بمكة ثلاثة أشهر يلتقي خلالها العلماء وطلبة العلم، وكانت جميع هذه الرحلات الأولى على ظهور الإبل. وكان من بين العلماء الذين يلتقي بهم: الشيخ محمد بن مانع المدير العام للمعارف بالمملكة العربية السعودية آنذاك، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ محمد عبدالرزاق حمزة إمام الحرم المكي، والشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة، والشيخ عبدالله بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء، وكانت له مع الشيخ محمد الجراح مراسلات علمية نافعة.

حياته العملية

تولى الشيخ الفاضل وظيفة الإمامة في مسجد العثمان في حي القبلة بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمود سنة 1365هـ، ثم الخطابة في مسجد البدر، ثم في مسجد الساير القبلي، وبعد ذلك قام بالإمامة والخطابة في مسجد السهول بضاحية عبدالله السالم. وعرض عليه الشيخ عبدالله الجابر الصباح رئيس دائرة المحاكم أن يتولى القضاء فرفض الشيخ هذا المنصب بأدب ولباقة اقتداءً بقول شيخه: "من تولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين."

خصاله الحميدة

تولى الشيخ الإمامة والخطابة من عام 1365هـ، أي أنه عمل طوال 51 عاماً في هذه الوظيفة العظيمة، وكان يحرص على أداء الصلاة إماماً مهما بلغ منه العذر من مرض أو وجع. كانت صلاته في الناس وسطاً، فلا هي طويلة مملة ولا هي قصيرة مخلة، وكان يكثر في صلاته من قراءة آخر سورة البقرة وسورة الإنسان وآخر الكهف وقصار السور.

كانت خطبته قصيرة تمتاز بالبلاغة وجمال السبك وترابط المعاني وحسن الاستشهاد. ومن خصاله وصفاته الحميدة كثرة ملازمته للمسجد طوال يومه وليلته حيث كان يباشر كافة أنشطته الخيرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدريس العلم والإفتاء وقراءة الكتب وعقد الزواج. كان يدرّس بعد العصر النحو وبعد المغرب الفقه، بالإضافة إلى اللغة العربية والمواريث والعقيدة.

كان الشيخ محمد يعلم طلبته الصبر على طلب العلم وعدم الاستعجال، وكيفية الاعتناء بالكتاب والمحافظة عليه وحسن قراءة كتب العلم. وقد تتلمذ على يده الكثير من طلبة العلم كباراً وصغاراً، تبوأ بعضهم مناصب كبيرة في دولة الكويت.

أخلاقه الكريمة

كان من أخلاقه توقيره للعلماء وتبجيلهم، فكان إذا دخل عليه أحدهم في زيارة قام له وأحسن استقباله وجلس أمامه كجلوس الطالب أمام شيخه، ولا يفتح معه مسائل خلافية. كان يحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل الطرق والوسائل الممكنة والمشروعة. كان يطبّق السنة ويأخذ بها في أقواله وأفعاله وهيئته. ورغم أن الشيخ ميسور الحال إلا أنه كان يميل إلى الزهد ويبغض الشهرة، وكان رحمه الله أعزب لم يتزوج، وليس له خادم أو معاون وكان يتولى شؤون نفسه بنفسه.

مواقفه في الصبر

مرّ الشيخ الفاضل بالكثير من الابتلاءات في حياته إلا أنه كان صابراً محتسباً ولم يكن يشتكي لأحد إلا لله عز وجل. وقد تجلى صبره أثناء الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت، فلم يخرج ولم يغادر مسجده واستمر في الإمامة والخطابة حتى صرف الله الغزاة المحتلين، وكان يشجع الناس ويحثهم على الصبر والثبات ويبشرهم بقرب الفرج.

مراسلاته العلمية

كانت لدى الشيخ الفاضل مراسلات علمية قيّمة مع الشيخ عبدالرحمن السعدي تضمنت مسائل في رواتب موظفي الدولة، وأوقاف المساجد، وإمامة الفاسق، ومسائل في الحج والزواج وسواها، وقد أجاب الشيخ السعدي بإجابات وافية. كما كانت له مراسلات مع الشيخ عبدالله بن حميد في مسائل مصارف بيت المال وتعدد الجمع وغيرها. فضلاً عن مراسلات مع الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية، والشيخ عبدالعزيز بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية السابق.

رسائله العلمية

كان الشيخ محمد الجراح حريصاً على نشر علمه، وكانت جميع رسائله العلمية مدعّمة بالحجة والدليل. من رسائله: رسالة في الانتفاع بالوقت، ورسالة في مضار النوم بعد صلاة الفجر وبعد العصر وبعد صلاة المغرب، ورسالة في الترغيب في طلب العلم والترهيب من الجهل، ورسالة في حكم تصوير ذوات الأرواح، ورسالة في حكم تزيين القبور ورشها ورفعها، ورسالة في مسألة الخضر عليه السلام وأثره الموجود في جزيرة فيلكا، ورسالة في تفسير كلمات التشهد، ورسالة في كيفية الصلاة على الميت، ورسالة في حكم كشف وجه المرأة وكفيها للأجانب، ورسالة في حكم التعليم المختلط، وغيرها من الرسائل والفتاوى.

مؤلفاته

من مؤلفاته: منسك مختصر للحج، ومنسك مطول يشتمل على (سلاح الناسك في أدعية المناسك) و(كفاية الناسك لأداء المناسك)، وورد مختصر من كلام الله تعالى وكلام سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

مرضه ووفاته

استمر الشيخ الفاضل في سعيه الدؤوب حتى مشارف سنة 1416هـ حين تتابعت أعراض المرض عليه وبلغ عمره خمسة وتسعين عاماً، غير أنه ظل متماسكاً محافظاً على إمامة المصلين والخطابة. وفي فجر الخميس 13 جمادي الأولى سنة 1417هـ توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وكان وقع وفاته عظيماً على أهل الكويت وكان يوم دفنه يوماً مشهوداً. ورثاه عدد من شعراء الكويت وأدبائها.