الشيخ علي عبداللطيف الجسار - الواعظ والمربي الكويتي (1922-2009م)

بقلم: عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ودعت الكويت أحد رجالاتها المخلصين الشيخ علي عبداللطيف الجسار الذي ولد عام 1922م في المرقاب في أسرة كريمة حافلة بمشايخ الدين، ويعود انتماؤها الى الروقة من عشيرة الأساعدة من قبيلة عتيبة، وتلتقي هذه العائلة الكريمة في جدها الحادي عشر أسعد مع عائلة كويتية أخرى منها الشايع والحمد والبداح والجارالله (الخرافي) والعساكر والمجحم والفضل والعمر والذكير والراشد والطاحوس والحسن والملحم.

تلقى تعليمه الأول في الكتاب وخرج من التعليم النظامي بعد دراسة الابتدائية لثلاث سنوات في المدرستين المباركية والأحمدية لمقارعة خطوب الزمن التي ألجأته الى ألا يكمل الدراسة النظامية فيلج ميدان العمل لينفق على نفسه وأسرته، فلبس الخشن في الشتاء وكابد حرارة الصيف في عصامية تحلى بها رجالات الكويت عند نشأتهم حتى كوّن نفسه واسمه، وحاز ثقة المسؤولين فكلّفوه بالعمل مختاراً في منطقة النقرة ورئاسة لجنة المناقصات المركزية، والى جانب ذلك تم تكليفه بعضوية لجنة رقابة الكتب لفترة طويلة، كما كان حضوره الاعلامي شاملاً وسائل الإعلام الثلاث: المقروءة والمسموعة والمرئية، بثّ من خلالها مواعظه وتوجيهاته.

التحيز للكويت

كانت الكويت حزبه السياسي وانتماءه العرقي، وطائفته المذهبية، فكان يحب في الكويت ويبغض، ويعادي فيها ويصادق، وكان يفرق بتصنيفه الطريف الذي لا أفتأ استخدمه في المواضع نفسها حين يصنف الكويتيين بين كويتي "بودي" أو كويتي "مكينة" أو كويتي "بودي ومكينة" في إشارة الى الانتماءات الخارجية المختلفة التي يراها مع الأسف تنخر في كيان المجتمع الكويتي.

التميز المبكر

يشهد أهل المرقاب أنه كان قبل بلوغ الثامنة عشرة من عمره وبعد فتوته مباشرة لا يمشي إلا ومعه كتابه الذي يقرأ فيه، ويحدث أهل محلته بعد الصلاة في مسجد المطران (مسجد العتيقي) وقد اشتهر باسم مسجد المطران لتواجدهم فيه وحوله، حتى أنه كان إذا غاب الخطيب تصدّر للخطابة دون تحضير مسبق رغم صغر سنه.

الاهتمام بالأدب

كان حديثه لا يخلو في أي مسألة من الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح القوي الموزون، فإن كان ولابد من استخدام الشعر الشعبي فهو كذلك حافظ لأقوى ما نظمه فحل شعراء الكويت في زمانه الشاعر الملهم زيد الحرب. وزيد الحرب هو من هو في الشعر الكويتي الجزل الذي يغطي حاجة مجتمعه، فلا يتكلم كلمتين إلا وثالثتهما أبيات شعر يستشهد بها في صحة هاتين الكلمتين.

ومن ألطف ما حفظته عنه استشهاده ببيت شعر عظيم المعنى متكرر الحدوث:

ملأى السنابل تنحني بتواضع *** والفارغات رؤوسهن شوامخ

وكم في هذا البيت من عبرة وعظة وحكمة! وتساعده في ذلك ملكة حفظ وسرعة بداهة.

كان يسافر، رحمه الله، في الأربعينات الى العراق برفقة صديقه المرحوم داود الجراح ليستورد منه الساعات، بينما يستورد الجراح الأحذية، ولكنهما كانا ينتهزان الفرصة لزيارة الأدباء وأبرزهم معروف الرصافي، ليستفيدا في المجال الأدبي فضلاً عن التجاري، وقد التقيا به ثلاث مرات.

قوة الشخصية

لا تجد المرحوم الشيخ علي الجسار في مجلس إلا واستحوذ على اهتمام جلسائه، وفرض شخصيته من خلال النقاش. وكان لهذه الشخصية القوية أكبر الأثر في تربية أولاده وبناته وجمعهم حوله بكل اهتمام حتى آخر أيام حياته. وقد كان يلزمهم بما ألزم نفسه من إجراءات صحية معتادة أيام صغرهم في الأربعينات والخمسينات حتى اعتادوا نظافة البدن والثوب مظهراً معتاداً.

وكان، رحمه الله، منذ بدايات حياته العملية لا يكتسب رزقاً صغيراً كان أو كبيراً إلا واحتجز منه أوله ليشتري به الطيب الذي يدخل به المسجد والديوان والعمل والبيت برائحة زكية.

ومن مظاهر قوة شخصيته الممتزجة بذكائه أنه تعامل بلباقة وذكاء حين اعتزم ابنه البكر أحمد أن يدرس في دار المعلمين بعد المتوسطة لا لشيء سوى أن يصاحب زملاءه في المدرسة والحي الذين لم يسمح معدلهم الدراسي أو رغباتهم باستكمال دراسة المرحلة الثانوية، فما كان منه إلا أن أظهر له القبول في البداية وامتدح له سلك التدريس ثم اصطحبه معه ليزورا وكيل وزارة التربية آنذاك المربي الفاضل الأستاذ فيصل الصالح عام 1965 الذي أحسن استقباله وشجّعه ثم ما لبث أن فاتحه - بإيعاز من والده طبعاً - بأن يسلك سلك التعليم لكن بعد الدراسة الثانوية، ففهم أحمد الموقف وقبل الاقتراح واحترم رغبة والده الذي احترم رغبته، ولكنه نصحه بالحسنى ومن خلال أهل الاختصاص، فكان هذا التحول منعطفاً في الحياة الدراسية ومن ثمّ الحياة الوظيفية لابنه الدكتور أحمد الذي غدا أستاذاً جامعياً في جامعة الكويت، ثم وزيراً للتخطيط فضلاً عن مهام ومناصب كثيرة.

كان هذا حديثاً عاماً لانطباعي عن المرحوم الشيخ علي الجسار. أما نصيبي الشخصي فقد كان دائم التشجيع لما يسمع لي من برامج إذاعية توثيقية ولما يقرأ لي من إصدارات توثيقية، دائم التواصل والنقاش والاتصال الهاتفي رغم أنه كان هو الأكبر سناً ومقاماً. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

بقلم: أحمد أبوسيدو - جريدة النهار الكويتية

تربية الأبناء.. أفضل من استثمار الأموال

التقيت المرحوم الشيخ علي الجسار في عدة لقاءات أو مناسبات، وكنت أنشر له العديد من المقالات ضمن الصفحات الدينية الأسبوعية في صحيفته الرأي العام أو في الصفحات الإسلامية في شهر رمضان المبارك. وكان يستدعيني أحياناً لمرافقته في تسجيل بعض الحلقات الإذاعية والتلفزيونية في برامجه الدينية.

كما استدعاني ذات يوم لسماع خطبة الجمعة في مسجده في منطقة النزهة، ودار نقاش بيني وبينه حول الخطبة، وكنت أزوره في بيته وكان أبناؤه يحضرون للسلام علي وهم شباب وقد كنت سعيداً وأنا أراهم يسلمون عليه بتقبيل يده ورأسه.

وكان يشارك في لقاءات وحوار بما معه من كلمات طيبة وكان واسع الصدر يتعامل مع الجميع صغاراً وكباراً وكانت له قاعدة واسعة وإذا جلست معه كان يتحدث عن النوادر الأدبية وكان يحفظ من الأبيات الشعرية الكثير ويدلو بدلوه في جميع الأمور الدينية والتربوية والاجتماعية، فهو بحق رجل دين وإيمان وتربية وهو من المشايخ الذين بنوا أساس العمل الديني والإيماني والتربوي وكان له دور في الإعلام والمساجد والمناسبات العامة والخاصة وستبقى بصماته الخيّرة والطيبة نموذجاً ومنارة.

ويعد الشيخ علي الجسار من أبناء الكويت الأوفياء لوطنهم، ووصل برسالته الى قلوب الجميع وقد كان واعظاً تربوياً ومصلحاً اجتماعياً وعالماً فاضلاً وشيخاً جليلاً.

يذكر الجميع الشيخ علي الجسار رحمه الله عندما كان يعظ الأسرة الكويتية دينياً وتربوياً واجتماعياً من خلال شاشة التلفزيون ببرنامجه اليومي، فكان رحمه الله قدوة للمواطن الصالح. وقد عُرف الشيخ بأنه جريء بالحق وبشخصيته الاجتماعية لدى كل من شاهده وقدّم العديد من النصائح المأثورة، واستفاد الكثير منه فكان جريئاً بكلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم وقد ربّى أبناءه على دماثة الأخلاق.

يعتبر الشيخ علي الجسار رحمه الله من رجال الدين الذين يواظبون باستمرار على تقديم النصح والإرشاد وخدمة المسلمين بشتى الطرق سواء في خطب الجمعة أو من خلال برامجه المتعددة في الإذاعة والتلفزيون. ولم يتهاون الشيخ علي الجسار في أمر من الأمور التي توجّه إليه عبر أسئلة المواطنين والمقيمين في شتى المجالات الدنيوية والتجارية والأخلاقية. ولم يكن رحمه الله يستخدم أسلوب القسوة في الحديث بل يعبّر بأسلوب هادئ ومنطقي ومقنع.

وحول موقف المسلم تجاه دينه في هذه الأيام كان ردّه رحمه الله: "لا... لا... مازال الناس بخير، وألف خير، والدليل على ذلك امتلأت المساجد بالشباب والفتيان والحمدلله. وترى الجميع متمسكين بأصول الدين أما من يخالف ذلك فهو موجود في كل زمان ومكان، وهناك حالات شاذة خارجة عن هذا الإجماع، نتمنى لهم الهداية."

تربية الجيل

قال الشيخ علي رحمه الله إن تربية الأبناء في عصرنا الحالي وحمايتهم من مغرياته ونتائجه السلبية أفضل بكثير من استثمار الأموال والانشغال عن الأبناء والأسرة طوال اليوم والليل، ما يؤدي الى عواقب وخيمة لا تُحمد نتائجها على الشباب والفتيات والزوجات.

ازدياد الطلاق

وحول ازدياد حالات الطلاق قال الشيخ الجسار: "هذا شرع الله يجب ألا يُؤدى بتهاون فإن الله سبحانه وتعالى سيحاسبني يوم القيامة بكل ما أقول. وأعتقد أن الرجل الكريم الفاضل لا يمكن أن يتخذ من غضبه أو من ردة فعله وسيلة للطلاق، فالرجل الشهم الكريم الذي يعتز برجولته لا يعرض الحياة الزوجية للاهتزاز. والذين يهدمون حياتهم الزوجية هم بمثابة أطفال وليسوا بمراكز الرجال. فالمرأة يجب أن تتعلم أصول الحياة والمبادئ التي يسير عليها ديننا الإسلامي الحنيف وشريعته السمحاء." كما أن على المرأة دوراً هاماً وفعالاً في بناء الأسرة والمحافظة عليها ورعاية الزوج والأبناء، ودفع مسيرة الحياة الزوجية للأفضل.

مشكلات العصر

قال الشيخ الجسار: "إن مشكلات العصر ناجمة عن عدم التقيد بأوامر الله والابتعاد عمّا نهى عنه. فقد وضع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوانين تصلح لكل زمان ومكان ولحل كافة المشكلات التي تواجه المسلم منذ بداية الدعوة الإسلامية وحتى قيام الساعة، فلو تمسكنا بهذه القواعد وهذه التوجهات فلن نجد هذه المشكلات ولن نقع فريسة لهذه الهموم."