الشيخ عبد الرحمن الدوسري (1913 - 1979)
بقلم: فرحان الفرحان - جريدة الوطن
في أول القرن الماضي القرن العشرين، ومع مطلع إنشاء المدرسة المباركية، كان العلم ضئيلاً قليلاً. كان من أبرز المتعلمين النابهين الشيخ عبد العزيز الرشيد. كان في تلك الحقبة وذلك في أوائل إنشاء هذه المدرسة المباركية مجموعة من الطلبة، أغلبهم التفت إلى التجارة ومسك الدفاتر كما يقولون. كان من بين هؤلاء الطلبة طالب بدلاً من أن يمسك الدفاتر التفت إلى العلم والتفقه، التفت إلى أن يمسك الدين والتجارة، ذلك هو الشيخ عبد الرحمن الدوسري.
هذا الشيخ الذي أظن أن القليلين يعرفون أو يتذكرون هذا الرجل الفاضل الذي لمع كنجم في السماء ثم أفل، هذا الرجل الذي يجب علينا أن نعيد ذكراه للقراء الكرام علهم يتذكرون بعضاً من رجالات الكويت الأوفياء الذين ظهروا وبرزوا في فترة الناس تقريباً كلها ملتفتة إلى لقمة العيش.
كان الفاضل أحمد عبد العزيز الحصين قد سجل نبذة عن حياة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ولهذا حفظ لنا نتفاً من حياة هذا الإنسان الفاضل فجزاه الله خيراً.
سيرته
عبد الرحمن الدوسري ولد في نجد وتوفي في نجد، ولد سنة 1330/1913 وتوفي سنة 1399/1979، وهو عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله الفهد آل نادر الدوسري. وكانوا يوماً ما أمراء بلدة السليل المشهورة من قبيلة الوداعين، والسليل قريبة من قرية الهدار المنطقة التي انحدر منها آل الصباح قبل أربعة قرون إلى شرقي الجزيرة العربية ثم الكويت.
انتقلت أسرة الشيخ الدوسري إلى بلدة بريدة، وكان محمد الدوسري والد الشيخ هو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة حيث توفي جميع إخوته الذين سبقوه من الأمراض التي تأتي على المنطقة. غادر محمد الدوسري والد الشيخ عبد الرحمن إلى الكويت مع زوجته وطفله عبد الرحمن. في الكويت عمل في التجارة، وعندما بلغ عبد الرحمن ست سنوات، وكانت المدرسة المباركية لتوها قد افتتحت للتدريس، فأدخله والده بها.
وكان من حسن حظه أن يكون بعض من أساتذته بعضاً من العقول التي استفاد منها، منهم الشيخ عبد العزيز، الشهير الشيخ يوسف بن عيسى، سيد عمر عاصم. وكانت تربطه بالشيخ يوسف علاقة وثيقة، وكان قد لفت نظر الشيخ يوسف لحفظه غير العادي، فكان يحفظ المقطوعة التي يأمر بها قبل زملائه، وكان قد حفظ القرآن الكريم وحفظ كثيراً من المتون. ولهذا أخذ الشيخ يوسف يدفع به إلى الأمام حتى أصبح بعد مدة وجيزة عالماً يحسب له حسابه في الرأي والتوجيه.
نشاطه العلمي
أخذ زمام المبادرة وأخذ يتوجه كل فجر في مسجد غير الذي سبقه ليلقي درساً قصيراً عن التفسير وقراءة القرآن والتجويد، وكل أمسية في مسجد آخر يلقي درساً في الفقه أو الحديث. وظل على هذه الحال فترة طويلة من الزمن.
كان بينه وبين أستاذه الشيخ يوسف بن عيسى مبادلات بالرسائل إذا لم يتم اللقاء. وقد أرسل الشيخ يوسف في أحد الأيام للشيخ عبد الرحمن الأبيات التالية حول أوضاع مصر أيام الملك فاروق وأيام عبد الناصر يقول:
لقد كان في مصر القديمة كافر يسمى بفرعون وكان له موسى
وفي هذه الأزمان من سوء حظنا نرى ألف فرعون وليس لهم موسى
فرد الشيخ عبد الرحمن على أستاذه الشيخ يوسف يقول:
نعم موسى الإسلام إن قام حامل له بعصا التكبير حقاً هو الموسى
فيبطل مكر القوم يدمر كيدهم ولا يبقى ظلماً وانحراف ولا بؤسا
كان الشيخ عبد الرحمن حال أستاذه الشيخ يوسف عمل في التجارة في أول حياته، فأخذ يتاجر ويتعامل مع ديار الشام. ولكن العلم والمعرفة أخذ وقته كله.
كان له في نجد أصدقاء كثيرون وطلبوا منه أن يزورهم في نجد، وقد لبى دعوتهم. وعندما آنس الألفة في تلك البلاد آثر أن يستمر معهم، فنقل زوجته وولده إبراهيم هناك إلى أن توفاه الله في تلك البلاد التي ولد فيها.
وكان الشيخ عبد الرحمن قد رسم ملحمة شعرية تصور حرب سنة 1967 بين العرب وإسرائيل في قصيدة مائة بيت كلها عبر وتاريخ مسجل للمستقبل.
وأخيراً فهذا هو عبد الرحمن الدوسري، الشيخ الأستاذ الداعية التاجر، النجم الذي لمع في سماء الكويت في النصف الأول من القرن العشرين. رحمه الله رحمة واسعة.
