في ليلة صبغ الظلام أديَمهَا ⁘ فاحلَولَكَت وغطا الوجودَ سواد
لولا الكواكب في وميض شعاعها ⁘ لتدثرت بظلامها الأطواد
عم السكونُ فكل شيءٍ هاديءٌ ⁘ وطغي على كل الأنام رقاد
جاءَ الأمين مع البراق يقوده ⁘ برق تكوّن من سناه جواد
يجرى كأمواج الأثير بسرعة ⁘ كالفكر تقصر عنده الأبعاد
حيث النبي بنومه مستغرق ⁘ قد أعوزته حشية ووساد
ما كان بعد خديجة يحلو له ⁘ بيت يذكره بها ومهاد
فأتي إلى دار أم هاني باغيا ⁘ سلوى وهل يسلو الحبيب فؤاد
وهناك تأخذه على آلامه ⁘ سنَةٌ يطاردها العشيَّ سهاد
وإذا بجبريل الأمين يهزه ⁘ قم للقاءِ فقد دنا الميعاد
فارتاع مما قد رآه ماثلا ⁘ ملك تجنح نوره وقاد
ماذا وراءك قال باسم الله قم ⁘ لله فيما قد قضاه مراد
فعلا على متن البراق ميمما ⁘ للقدس حيث تَهَجَّدَ العبّاد
فدنت له الأبعاد من آفاقها ⁘ وتقاربت مع بُعدِها الآباد
كالبرق كالفكر السريع تصورا ⁘ تُطوَى له الأغوار والأنجاد
فتريثا في طور سينا برهة ⁘ وببيت لحم إذ جرى الميلاد
وبثالث الحرمين صلى قانتا ⁘ بالأنبياء وهم له أنداد
موسى وعيسى والخليل جميعهم ⁘ فتصافح الأحفاد والأجداد
وإلى السماء وقدسها عرجا معا ⁘ حيث الرجوم تقام والأرصاد
فتفتحت أبوابها لقدومه ⁘ سبع على غير الرسول شداد
وهناك آدم مشفق متطلع ⁘ للأرض مما يصنع الأحفاد
يأتون ألوان الفساد ببغيهم ⁘ مَن أشركوا وتنصروا أو هادوا
تجري الدماءُ كأنهر ما بينهم ⁘ يؤذي الضعيف وتُوءَدُ الأولاد
لا وازع يزع الذين تجبروا ⁘ فتألهوا بعتوهم أو كادوا
ورأى الملائك خشعا يعيا بما ⁘ يأتونه النساك والزهاد
والأنبياء والصالحون جميعهم ⁘ حيّوه والشهداءُ والعباد
فأراه جل جلاله آياته ال ⁘ كبرى وليس لما رآه نفاد
ودنا إلى الملأ العليّ وقبله ⁘ لم يأت هذاك المقام عِباد
فوعى يقين الكائنات بلحظة ⁘ ما ليس تدرك حصره الآماد
هي حكمة المعراج عن كثب وعي ⁘ ما لا يعيه الدرس والتعداد
وكما بدا قد عاد قبل صباحه ⁘ لم يضنه الإسراءُ والإجهاد
قد عاد أعلمَ مَن عليها حاملا ⁘ سر الهدى وسبيلُهُ الإرشاد
لكنهم قد كذبوه لجهلهم ⁘ واستهزأ الإشراك والالحاد
قاسوه يا لضلالهم بنفوسهم ⁘ كالنمل حين تظلها الاطواد
وتفلسفوا بزمانهم ومكانهم ⁘ وحدودهم مما عليه اعتادوا
وتجبروا والله بالغ أمره ⁘ كادوا فردَّ بنحرهم ما كادوا
وبرغمهم عم الهدى وتقاطرت ⁘ تترى له الأفواج والأفراد
وأضاءَ هذا الكونَ نورُ سنائه ⁘ متألقا يهدي الجميع رشاد