أودّ بأني لا أفارق مجلساً ⁘ أراه لسيفِ المجد منك اغتدى جَفْنا
وما ليَ لا أهوى دنُوِّي إلى الذي ⁘ دنوّي إليه مُكسِبي الفضلَ والمنَّا
ولكنْ عَمَى العينين ما زال مُلزِماً ⁘ أخاه - وإنْ لم يرضَ - من بيته سِجنا
أعُدُّ ازدياري هالةً أنت بدرها ⁘ مراقي تعلِّيني إلى الشرف الأسنى
فما كان من رأيي فراقُ محلَّةٍ ⁘ تُعيد فِصاحاً لُسْنَ مَفخريَ اللُّكنا
ولكنه رأيُ العَماء وأهله ⁘ إلى رأيه بالكُرْه آراؤهم تُثنى
ولولا عمى شيخ المعرّةِ لم يكن ⁘ لمسكنه حتى قضى نَحْبَه رَهْنا
سَميِّي أقلُّ الطير لُبْثاً بوكْنِهِ ⁘ ولو ذهبتْ عيناه ما فارق الوكنا
يَغُلُّ عماه ما له من عزائمٍ ⁘ ويملأ بعد اليأس أحشاءه جُبنا
تعيث الحبارى في حماه مُهينةً ⁘ كأنْ لم تكن تخشى مخالبه الحُجْنا
ولولا عماه لم يَفُتْه افتراسُها ⁘ وإن هي لم تقرب له مرةً مَغْنى
تذلّ له قبل العمى الطيرُ كلها ⁘ وبعد العمى ليست تُقيم له وزنا
فيمكث حول الوكر حتى تناله ⁘ يدُ الموت يشكو الذلّ والجوع والغَبْنا
وإن أدركَتْهُ رحمة الله قيَّضتْ ⁘ له راحماً من نوعه يفعل الحسنى
فتلقاه يغدو أو يروح تعطّفاً ⁘ يشاطره عَجْفَى المآكل والسَّمْنى
وقد يُؤثِر الصقرُ الرحيم بقوتِه ⁘ إذا كان لا يكفيهما - ذلك الخِدْنا
يهون عليه أن يجوع إذا رأى ⁘ صُويحبَه المنكوب قد ملأ البطنا
ما زلت أسمع لحنَ ذا اللَّحَّانِ ⁘ حتى لكدتُ أذوب من أشجاني
لم يُلْقِ من بيتٍ على طلابه ⁘ إلا وشان البيتَ بالألحان
تدريسه الفصحى العزيزة جانباً ⁘ مما يُعرِّض عِزّها لهوان
خَدَعتْ بني قومي شهادتُه التي ⁘ شهدتْ له بالعلم والعرفان
وإذا بإصغائي إلى تدريسه ⁘ يعزو شهادته إلى البطلان
إن لم يكن نال الشهادة ذا الفتى ⁘ زوراً فآفتُه من النسيان
وعلى كِلا الأمرين ليس بصالحٍ ⁘ لسوى تتلمذه الجديد الثاني
فلينصرفْ من حيث جاء فلم يزل ⁘ منه التعلّمُ بعدُ في الإمكان
إنْ تعْلُ صبيانَ المدارس سنُّهُ ⁘ فالجهلُ يدنيه من الصبيان
لهفي على الفصحى يدرِّسها امرؤٌ ⁘ تدريسه ضربٌ من الهذيان
وعلى تلاميذٍ نُحِبّ ثباتَها ⁘ منهم مدى الأعمار في الأذهان
يا قومِ إن لم تُبْدِلوه بمحسنٍ ⁘ تعليمَه الأبناءَ ذي إتقان
عظُمَتْ ندامتكم على تفريطكم ⁘ وعلى التساهل مُعْقِبِ الخُسران
إنا لنأمل في بنينا أن يُرَوا ⁘ وهُمُ من الفصحى بخير مكان
كي يُظهروا من حسنها وجمالها ⁘ ما أضمرَتْهُ حوادثُ الأزمان
ويقومَ كلٌّ منهُمُ بنصيبهِ ⁘ من بثّها ما اسطاع في الإخوان
حتى يَتِمَّ ظهورها فظهورها ⁘ صِلَةٌ لقاصي قومنا بالدَّاني
الوحدةُ الكبرى التي تحقيقها ⁘ ما زال حتى اليومِ وهْو أماني
لغةُ الجدود أهمُّ ما يدنو به ⁘ ويُرَدُّ غائب وجهه لعيان
فعلامَ نتركها لذي جهلٍ غدت ⁘ منه تُكابد شِقْوةً وتعاني؟
أَوَ ما علمتم أنها ما بيننا ⁘ تُمسي وتضحي وهْي خير لسان
لم ندرِ لو لم نسعَ نحو حديثها ⁘ ما مَجدُ يعربَ أو عُلا عدنان؟
يضرُّ النصحُ في هذا الزمانِ ⁘ فيا ليتي خُلِقْتُ بلا لسانِ
إذا ما قُمْتُ أنصَحُ بينَ قومي ⁘ لقوني بالأذيّةِ والهوانِ
أصيحُ بِهِمْ إلى العلياءِ سيروا ⁘ وجِدّوا فالعلا ليست لواني
وأحسن ما يؤديكم إليها ⁘ من الأسباب ما العرفان باني
ولولا العلم لم ينتج رجالاً ⁘ تسود المشرقين المغربانِ
وخلوا في الديانات افتراقاً ⁘ يؤول بكم إلى الحرب العوانِ
ودينوا من تكاتفكم بدينٍ ⁘ لكم يلقى التقدم بالعنانِ
فما غير التفرُّق من حسام ⁘ تبيد به الشعوب ولا سنانِ
فتسلقني بألسنة حداد ⁘ كأني يا عباد الله جاني
يرون بأنني قد جئت أمراً ⁘ به تخلو من الدين المغاني
فهل يقضي صحيح الدين أن لا ⁘ نكون من التخلف في أمانِ؟
إذاً فالدين إعدام وإلا ⁘ فإن الدين للإعدام ثاني
يكاد اليأس يقعد بي ويقضي ⁘ لما منهم أراه على بيانِ
فأعرض عن نصائحهم الى أن ⁘ أسير من الحمام على حصانِ
ولكني أقول لعل قومي ⁘ جمودهم - وإن قد طال - فاني
وإن يعقم بحاضرهم رجائي ⁘ ففي الآتي ستنتج لي الأماني