وقف الشيخ إبراهيم بن سيف العتيقي لكتاب التنقيح المشبع 1802م
وقف الشيخ إبراهيم بن سيف العتيقي لكتاب التنقيح المشبع (1802م)
من رسائل موقع أسرة العتيقي البريدية - الوثيقة رقم (34)
بقلم: أ.د. عماد بن محمد العتيقي
تمهيد
إنَّ المذهب الحنبلي في الكويت تواجد منذ عصر النشأة باختيار الشيخ محمد بن عبدالله ابن فيروز الحنبلي لمنصب أول قاض معروف (ت 1135-م1723). ولكن النشاط العلمي للحنابلة في الكويت لم يوثق لعدة عقود تالية من القرن الثاني عشر وحتى انتقال الشيخ سيف العتيقي بعائلته إلى الكويت سنة 1189/1775م. وبذلك بدأت بها نهضة جديدة للفقه الحنبلي أسسها علماء الأسرة وغيرهم من المترجم لهم في عدة مصادر.
وهذه الوثيقة التي بين يدينا ربما تكون أول وثيقة كويتية منشورة تتناول كتب الفقه الحنبلي؛ وهي توضح جانباً من النشاط العلمي في وقت مبكر من حكم آل صباح وهو زمن الحاكم الثاني عبدالله بن صباح (ت 1229/1814م). وتحتوي الوثيقة على ثلاثة نصوص مخطوطة على غلاف كتاب التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع للإمام العلامة قاضي القضاة علاء الدين علي بن سليمان السعدي المرداوي، والكتاب كان وما زال يعتبر من مصادر التعلم الرئيسية لأحكام الفقه الحنبلي حيث نقح مصنفه كتاب المقنع لموفق الدين ابن قدامه (توفي سنة 622) والذي يعتبر عمدة الفقه الحنبلي في وقته.
النص الأول
"الحمدلله سبحانه. أما بعد فقد وقف وحبس وسبل وأبد الرجل المكرم إبراهيم ابن المرحوم سيف العتيقي هذا الكتاب على طلبة العلم الحنابلة وهو كتاب التنقيح ابتغاء وجه الله تعالى وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من إحدى ثلاث صدقة جارية أو علمٌ عمله أو ولد صالحٌ يدعو له. فبمجرد ذلك صار وقفاً حبيساً لا يباع ولا يشترى فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميعٌ عليم. وشرط النظر له مدة حياته ثم لابنه عبدالحميد ثم لإخوان الموقف وذلك في اليوم الثالث من ذي الحجة الحرام عام 1216 ستة عشر ومائتين وألف من هجرته عليه السلام. شهد على ذلك عبدالرحمن المطوع، شهد عثمان الحويدر وعبدالله الجميلي. وشهد به وكتبه الفقير إلى الله سبحانه على بن عبدالله بن شارخ الحنبلي عفى الله عنه"
النص الثاني
"أسأل الله المولى اللطيف الحقيقي بأن يعفو عن مالكه ابراهيم ابن سيف العتيقي. في ربيع آخر سنة 1240"
النص الثالث
"في نوبة الفقير عبدالله ابن خلف الحنبلي لطف الله به وعفى عنه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً"
الوصف
الوثيقة تصدرت غلاف كتاب التنقيح المشبع للعلامة علي بن سليمان السعدي المرداوي الحنبلي [885هـ] رحمه الله؛ اشتملت هذه الورقة على توثيق وقف الكتاب؛ يستفاد من خلال نصوص التوثيقات وما ورد فيها من الأسماء والتواريخ والبيانات الكثير من الفوائد التاريخية، يتضمن النص الأول إثبات وقف إبراهيم العتيقي للكتاب وبيان الغرض من الوقف وتعيين الموقوف عليهم؛ ويحتوي النص الثاني على دعاء للعتيقي مالك الكتاب. ويتضمن النص الثالث إثبات حيازة الشيخ عبدالله بن خلف الحنبلي للكتاب بعد انتقاله من سلسلة عدة منتفعين من أعيان وعلماء آل عتيقي وفق شرط الواقف.
التاريخ
هذه النصوص تتفاوت في تواريخها وهي على هذا التفصيل: النص الأول مؤرخ في 16 ذي الحجة سنة 1216 الموافق 19/4/1802م، والنص الثاني كُتب في ربيع الآخر 1240 الموافق 12/1824م. والنص الثالث: انتقال الكتاب إلى عبدالله ابن خلف غير مؤرخ ولكنه كان بعد قرن من تاريخ وقف الكتاب تقريباً.
المكان
من المناسب تحقيق مكان توثيق العقد حيث أنه لم يذكر في النص. وقد حققنا في مقال سابق أن الشيخ علي بن عبدالله ابن شارخ كان قاضياً في الكويت (القرين) سنة 1216 وهي نفس السنة التي وثق فيها هذا النص. ونزيد على ذلك أن هذا النص موثق في ذي الحجة من السنة، وهناك حكم قضائي للشيخ ابن شارخ بصفته قاضياً في القرين أو الكويت مؤرخ في 12 ذي القعدة سنة 1216 أي قبل شهر من تاريخ وثيقتنا.
وإبراهيم العتيقي هو من أصغر أبناء الشيخ سيف العتيقي وقد حضر مع أبيه سيف وأمه فاطمة بنت إبراهيم بن عبدالرحمن إلى الكويت في 21 محرم سنة 1189 الموافق 23 مارس 1775م. وبالتالي فإن عقد الوقف كان في الكويت محل قضاء الشيخ علي ابن شارخ، وربما كان ذلك في مسجد السوق القريب من بيت العتيقي حيث أن مؤسسه محمد بن حسين بن رزق الحنبلي.
الشهود
شهد على الوقف عبدالرحمن المطوع وعثمان الحويدر وعبدالله الجميلي. وشهد به القاضي علي بن عبدالله بن شارخ.
الكاتب الموثق
وثق عقد الوقف الشيخ علي ابن شارخ. وكتب النص الثاني الشيخ إبراهيم العتيقي ذاته؛ وخطه مميز من وثائق أخرى بخطه. وكتب النص الثالث الشيخ عبدالله بن خلف الحنبلي.
الأختام
1- ختم الشيخ علي بن عبدالله ابن شارخ؛ ونقشه "علي بن عبدالله بن شارخ".
2- ختم الشيخ إبراهيم العتيقي؛ ونقشه "الواثق بالله الرحيم عبده إبراهيم".
وفي كليهما يتصدر لفظ الجلالة الختم في أعلاه بما يدل على حس العبودية المرهف لدى أصحاب الأختام.
قيود أخرى
ختم وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - مكتبة الموسوعة الفقهية بالكويت؛ برقم خ 283.
المصدر: مكتبة إدارة المكتبات والمخطوطات بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت برقم: (خ 283). والوثيقة سبق نشرها في كتاب "دليل إنشاء وتحقيق سلاسل الأنساب".
الفوائد المستخلصة
1- إثبات عناية الكويت بالمصادر العلمية والكتب الفقهية على المذهب الحنبلي، حيث قد تملك إبراهيم العتيقي كتاب "التنقيح" في السنة السابقة للوقف وهي 1215. وكانت الكتب قديماً من الثروات العزيزة والمقتنيات العلمية النفيسة؛ في فترة خلت مجتمعاتها من المطابع ودور النشر. وكان التعويل على وجود النسخ الجيدة من الكتب قليلة التحريف والسقط وتحصيلها بالشراء وإعادة استنساخها. وهذه النسخة من "التنقيح" عليها تملكات ترجع إلى سنة 963 ثم 1060؛ فهي نسخة نفيسة وعتيقة لأن الكتاب صنف في 872. واهتمام الموثق ابن شارخ بصياغة الوقف صياغة مفصلة وتبيين فوائد وقف العلم وأركان وصية الوقف يؤكد القيمة العلمية لنسخة كتاب "التنقيح" وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية.
2- ومن فوائد الوثيقة أن (مدرسة الحنابلة) قد نجحت في تأهيل مجموعة من العلماء وطلبة العلم الذين ارتحلوا إلى الكويت طلباً للعلم الشرعي والتفقه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل أمثال الشيخ إبراهيم العتيقي الواقف وآخرين وردت أسماء بعضهم كشهود على وقف الكتاب.
3- إثبات تواجد شخصيات تنتمي إلى بعض الأسر العريقة في الكويت. فمنهم عبدالرحمن آل مطوع المعروفون قديماً في الكويت، ومنهم عثمان آل حويدر المعروفون في الأحساء، ومنهم عبدالله آل جميلي (الجميلات) وهي قبيلة معروفة. وتواجد شخصيات من هذه الأسر أو القبائل في الكويت في ذلك الوقت بينها روابط علمية له دلالات كثيرة أوضحها امتداد آثار المدرسة الحنبلية في الأحساء إلى الكويت.
4- وتواجد الشيخ عبدالرحمن المطوع في الكويت وشهادته على حجة وقف الكتاب دليل آخر على نهضة المدرسة الفقهية الحنبلية فيها واتصالها بالمدارس الأخرى المجاورة، فالمطوع كان من أصحاب الوجيه أحمد بن محمد ابن رزق وكان معه في الزبارة واستفاد من مكتبة الأخير العامرة. وكان علماء العتيقي الآخرون مثل عبدالله بن حمد بن سيف وأخيه عبدالعزيز وأقاربهم مثل عبدالرحمن بن عبدالله بن سيف وعبدالله بن صالح بن سيف مشاركون في هذه النهضة واقتناء أمهات الكتب العلمية النادرة. وهنا يمكن أن نضع الكويت في مصاف المدارس الحنبلية الأخرى في ذلك الوقت والتي أشهرها مدرسة الأحساء ومدارس الزبارة والزبير؛ بالإضافة إلى المدرسة النجدية الكبيرة التي توزعت في مدن عديدة.
5- وانتقال هذا الكتاب النفيس إلى الشيخ عبدالله بن خلف يدل على استمرار الانتفاع به قرناً من الزمان أو يزيد. فقد وثق هذا العالم ذلك بلفظ دقيق يدل على التداول المستمر بقوله "في نوبة". بمعنى أن أجيالاً من طلبة العلم قد انتفعوا من هذا الكتاب. ويمكن استيعاب ذلك إذا عرفنا أن سند الشيخ عبدالله بن خلف متصل إلى الشيخ عبدالعزيز بن حمد العتيقي في الكويت عن طريق الشيخ محمد بن عبدالله ابن فارس.
6- ومنها الأثر العلمي لمدرسة الكويت العلمية في تنمية وتكوين وتغذية ما حولها من المدارس العلمية، ومثال ذلك أن الواقف إبراهيم العتيقي انتقل لاحقاً إلى بلد الزبير ثم المجمعة وكان يوثق بهما المكاتبات الشرعية، وحمل معه الكتاب بما يستدل منه على تداوله من مدينة الكويت إلى الزبير ثم رجوعه إليها من جديد. ثم إن انتقال الكتاب من ورثة الشيخ عبدالله بن خلف إلى مكتبة وزارة الأوقاف أتاح لنا تصحيح فترة قضاء الشيخ علي بن شارخ في الكويت.
7- يلاحظ اختلاف وتطور كتابة الأرقام ما بين علي بن شارخ سنة 1216 وإبراهيم العتيقي سنة 1240. ونقش كتابة رقمي (4) و(2) في النص الثاني يدل على تأثر العتيقي بمدرسة الزبير الحديثة في الخط. بينما استمر علي بن شارخ وبعض القضاة العداسنة من بعده على الخط النجدي القديم.
الهوامش
(1) الشيخ علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد السعدي المرداوي ثم الدمشقي الحنبلي. ولد سنة 817 ببلدة مردا ونزل دمشق حيث نبغ في الفقه الحنبلي وباشر القضاء دهراً طويلاً.
(2) الشيخ علي بن عبدالله بن شارخ الحنبلي نشأ في بلد الزبير، ودرس على علماء المذهب حيث كانت الزبير في ذلك الوقت مركزاً علمياً رائداً. وتولى القضاء فترة وجيزة في مدينة الكويت تخللت فترة قضاء الشيخ محمد صالح بن محمد العدساني.
(3) نشأ إبراهيم بن سيف بن حمد العتيقي في بيت الأسرة في حي الوسط بالكويت ودرس بها على علمائها، ولكنه كان شخصاً متحركاً واطلعنا على وثائق تدل على سكناه الزبير والمجمعة بنجد.
(4) الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في الكويت. درس في الزبير والكويت وتولى القضاء بها وتوفي في 25 رمضان 1349 الموافق 13 فبراير 1931م.
