٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ·٢ دقائق للقراءة

سيكانانين: على القوى الإسلامية إدراك أن الدولة ليست مسجداً

أجرى اللقاء: مصطفى البيلي ليونيد سيكانانين، هو البروفيسور والمستشرق والمستعرب الروسي وأستاذ القانون المقارن في الجامعة البحثية العليا للاقتصاد في موسكو، درس اللغة العربية في المرحلة الجامعية، ليرتبط بعدها بالعرب وبحضارتهم بشكل كامل، شارك في العديد من اللقاءات والمؤتمرات البحثية في الكويت، يرى أن الشعوب العربية لن تعود كما كانت، بعدما انكسر جدار الخوف، وهزمت بأدواتها السلمية دكتاتوريات عديدة أبت أن تغيِّر سياساتها، بعدما دأبت على استنساخ نفسها بوجوه مختلفة. وهو يعتقد أن مجلس الأمة مسرح كبير، فيه من الممثلين والممولين والمخرجين ما يكفي لإقناع المواطن الكويتي بعدم الخروج من منزله لمشاهدة الأكشن والدراما التي تتخلل الجلسات أحيانا، وفي الوقت نفسه ثمَّن الحرية التي يتمتع بها الإعلام الكويتي،

● كيف تصف وضع ما بعد الربيع العربي؟ ــ الأوطان العربية تمر بمرحلة حساسة للغاية، لكونها في مفترق طرق، وتواجه تحديات عدة، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك التحديات محصلة لتراكمات سنوات مضت، فالشباب العربي ملَّ الأنظمة المتجمِّدة التي كانت تستنسخ نفسها بوجوه مختلفة لعشرات السنين، من دون أي تغيير، ولا سيما من دون أن تدرك أن المشكلة ليست في الوجوه المستنسخة، ولكنها تكمن في الانغلاق الذي تمارسه تلك الأنظمة، وترفض الانفتاح على العالم الخارجي وتلبية المطالب المشروعة، في الوقت الذي برع فيه الشباب العربي في تطويع التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال لخدمة مشروعه السياسي. فالواضح أن الهوة كانت كبيرة بين الواقع الشبابي بأفكاره ومطالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبين الحاكم، وفشله في معالجة تلك القضايا، وتوقف الزمن لدى بعض الحكام عند حاجز زمني أدَّى في النهاية إلى تراكمات عديدة تفاقمت في ما بعد، ولم تفلح الإصلاحات المحدودة جدا في كبح جماح طموح المواطن العربي الذي يتطلع إلى حياة أفضل وحرية كاملة.

العرب والديمقراطية

الثورات والإسلاميون

● هل سيطرة الإسلاميين على الثورات العربية تقلق الغرب؟ ــ كل التصورات التي تدور حول تلك الإشكالية سابقة لأوانها، فيجب علينا كمتابعين أن ننتظر ونرى حتى يكون الحُكم على النتائج بشكل صحيح. ولكن أعتقد أن أمر استحواذ الإسلاميين على الأغلبية والأغلبية المطلقة في بعض البرلمانات العربية يحمِّلهم مسؤولية كبرى، ولا سيما لو أخذنا في الاعتبار أن تلك التيارات أو أغلبها لا تمتلك الخلفية السياسية الكافية - باسثناء الإخوان المسلمين - وعليهم أن يعوا تماما أن الدولة ليست بمسجد، وأن يتغلبوا على إشكالية الانتماء والتمسك بالقيم والمعتقدات لتلك القوى، وبين رغبات الشعوب وتطلعهم للحرية وأوضاعهم الاجتماعية الحالية. ● هل يمكن التوفيق بين تلك الأيديولوجيات والديمقراطية؟ ــ نظرياً من الممكن ذلك، فلا يوجد قيود تمنعه، ولكن عمليا هناك تجربة فاشلة لسلطة متطرِّفة في أفغانستان، وإلى حد ما في السودان، وهذا لا يؤكد احتمالية فشل التجارب الأخرى المعتدلة الحالية، وفي المقابل نتمنى أن تكون تلك القوى على مستوى المسؤولية، وأعتقد أن الشارع سيظل مراقبا لها، وسيحاسبها على أي انحراف في أدائها، فالشعوب العربية ستكون لها الكلمة الفصل في مثل تلك الأمور. ويجب أن نأخذ في الاعتبار فشل محاولات القوى المتطرِّفة في إسقاط الأنظمة عن طريق العنف ونجاح هؤلاء الشباب في إسقاطها في وقت قياسي، فرغبة الشعوب المسالمة كانت أقوى من أساليب العنف التي استخدمتها بعض القوى المتطرِّفة. ● هل تعتقد أن علاقة العرب بروسيا على المحك، بعد مساندتها انظمة قمعية؟ ــ في ما بتعلق بالعلاقات العربية – الروسية، فهي علاقات تاريخية، وتحتاج إلى لقاءات عدة لشرحها، والصورة حاليا بدت مختلفة تماما، فالظروف الدولية تغيَّرت بعد سقوط المعسكر الشرقي، ولم تعد هناك حروب باردة، الأمر الذي يتطلَّب إدخال تغييرات شاملة على منظومة علاقة العرب بالغرب، ولا سيما روسيا.

روسيا لا تدعم الأنظمة

● لماذا فضلت روسيا مساندة الحكام على حساب الشعوب؟ ــ يجب أن نفهم هذه النقطة وندركها تماما، روسيا لا تدعم الأنظمة العربية القمعية، ولكنها تدعم سياستها الخارجية، انطلاقا من بعض المبادئ الرئيسة، وبالنظر إلى الأمور بسطحية سيرى المتابع أن روسيا تدعم النظام السوري، ولكن لو نظرنا بعمق سيتضح لنا أن روسيا تبحث عن مخرج لتلك الأزمة، وتراهن قبل كل شيء على الطرق السلمية، وتعتقد أنه مقدِّمة لحوار سيؤدي إلى حلول للقضية السورية، وعندما تقول روسيا الحوار والتفاوض، فهي لا تحدد ماهية ذلك التفاوض والحوار الذي قد يصل إلى حد تنحي بشار الأسد. ● كيف ترى المستقبل السوري؟ ــ أتوقع أن تظل سوريا قوية محورية، لكونها ذات تاريخ، وتشغل مكانا مميزا في الوطن العربي، وستبقى، وأتمنى أن تعبر المحنة. ● هل عبور المحنة بإسقاط نظام الأسد؟ ــ أنا قانوني، وإسقاط النظام كلمة غير قانونية، لذا لا أحبذها. ● هل قتل المواطنين أمر قانوني؟ ــ بالطبع لا. ● إذاً أنت تتحدَّث عن معادلة غير قانونية؟ ــ أيهما الأفضل، إسقاط أي مؤسسة بالعنف وبالضحايا، أم إعطاء المجال للمفاوضات، حتى لو كان ذلك سيأخذ وقتا؟ علينا أن نعطي الفرصة للنقاط الخمس التي اتفقت عليها روسيا والجامعة العربية، والتي تبدأ بوقف إطلاق النار من جميع الأطراف، علما بأن روسيا مؤمنة بأن ازدياد الضغط على النظام من دون المعارضة، سيدفعه إلى مزيد من العنف والقمع.

نشوب حرب احتمال واقعي

● هل تعتقد أن هناك حربا ستشن على إيران قريبا؟ ــ هذا الاحتمال كان واردا قبل سنوات، وقد قلَّ في آخر سنتين وخفَّت اللهجة لمصلحة أحداث أخرى، أما الآن وبسبب الأوضاع في سوريا وتعقد الملف النووي الإيراني، فقد أصبح نشوب الحرب احتمالا واقعيا، ولو حدث ذلك ستكون هناك نتائج غير متوقعة.

● أدهشتنا عبقرية مكسيم غوركي وتولستوي وديستوفسكي..، ولكن الأدب الروسي تراجع ولم يعد لروسيا ذاك البريق، ما الأسباب؟ ــ الثقافة لها قوانينها الخاصة، فالظروف الحالية تختلف عن ظروف الاتحاد السوفييتي في السابق، ولا توجد قاعدة علمية لمعرفة أسباب ظهور العباقرة والمبدعين بين الأجيال المختلفة، فالأدب ليس كيمياء. فبعد حالة الركود التي شهدتها روسيا في التسعينات تغيَّرت الظروف، وظهرت نخبة من الشباب المبدعين في الأدب والشعر، رغم أن إبداعهم قد يبدو غريبا، ولكن ستظل تلك النظرة موجودة، كنوع من أنواع الصراع بين الأجيال والأيديولوجيات. لقد أصبحت روسيا حاليا أكثر نشاطا، والجيش الروسي بدأ يتطوَّر، وظهر النمو الاقتصادي في مجالات عدة، حتى معدل الأعمار ارتفع من 55 عاما في التسعينات إلى 70 حاليا. ● أيعني هذا أنه لا مشاكل في روسيا؟ ــ طبعا هناك مشاكل عديدة، وللعلم فالتحديات والمشاكل الروسية هى نفسها المشاكل التي يعانيها العرب، وأهمها الفساد الذي ترك أثره الشديد على جميع مناحي الحياة هناك، فهو قادر على تخريب العقول والاقتصاد والثقافة، وهو سبب التراجع المرحلي الذي شهدته روسيا في فترات مختلفة. ● هل نجح العرب في تصدير ربيعهم إلى روسيا؟ ــ وهل طمح العرب من خلال ثوراتهم إلى ذلك؟ بالطبع لا، ليست هناك علاقة بين ثورات العرب والوضع في روسيا، وإذا فضل البعض الربط بينهما، فعلينا أن نقول له إن الثورة البرتقالية - الأوكرانية - أقدم من الربيع العربي، ومن الممكن أن يكون الربيع العربي امتدادا لها. ● ما الوضع حاليا في روسيا، ولا سيما بعدما قيل عن تزوير الانتخابات؟ ــ لا أؤمن بوجود تزوير للانتخابات، قد يكون هناك بعض التجاوزات، ولكنها تجاوزات لم تؤثر في النتائج بشكل عام، سواء المتعلقة بالانتخابات الرئاسية أو البرلمانية. ● ما مطالب المحتجين في الميادين الروسية؟ ــ شهدت روسيا عدة موجات من الاحتجاجات، ووحدت تلك الاحتجاجات التيارات السياسية المختلفة - من أقصى اليمين لأقصى اليسار- ورفعت شعارات مكافحة الفساد، ورفع يد الدولة عن الإعلام، وتوسيع مبادئ المشاركة السياسية، وأتوقع أن تحدث تغيرات جذرية في التشكيلة الحكومية الجديدة، فالسلطة من مصلحتها الاستفادة من مطالب المعارضة وإدخال التعديلات اللازمة في برامجها المختلفة.

الصحافة الكويتية حرة

● ما قراءتك للساحة الكويتية بشكل عام؟ ــ الحياة الكويتية تزخر بالحراك السياسي المرتفع السقف، يسانده إعلام حُر ومستقل، ويتمتع بميزات عديدة، أهمها طرح الأمور من وجهة نظر ليبرالية، على الرغم من الأغلبية التي يسيطر عليها الإسلاميون في المجلس، وأنا شخصيا استمتعت كثيرا بتلك الصحافة الحُرة والمقالات المتعددة وصور الكاريكاتير، ولدي انطباعات رائعة عن حرية الرأي والتعبير في الكويت، والصحف تناقش كل الأمور والقضايا محل الخلاف وتطرحها، كأسلمة القوانين والتجنيس والبدون.

التيارات السياسية ومجلس الأمة

المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية

شارك المقال