مع النجمة والهلال - وصف الكويت في القرن التاسع عشر للرحّالة الأمريكي لوشر

مع النجمة والهلال - وصف لكويت القرن الثامن عشر

للرحالة الأمريكي لوشر - طبعة 1891م

لوشر رحالة أمريكي زار عدداً من بلدان الشرق، ودون جميع مذكراته وملاحظاته في كتابه المسمى "مع النجمة والهلال" with star and crescent والمطبوع في فيلادلفيا سنة 1891 من قبل شركة إيتنا للطباعة والنشر. وفيما يخص مشاهداته ومذكراته عن الكويت، قام بترجمتها الأستاذ الفاضل عبدالله بن ناصر الصانع رحمة الله عليه وطبعها في كتيب صغير سماه "الكويت عام 1868م" في سنة 1959م في مطبعة الطلبة بالكويت.

وصف طريق الباخرة

يقول لوشر: غادرنا مدينة "بومبي" الهندية في 3 مارس سنة 1868م/1286هـ، أنا والسنيور الإيطالي "بطرس" المرسل من قبل إمبراطور فرنسا "نابليون الثالث" إلى نجد والعراق لإتمام الدراسات العلمية والتاريخية. وفي طريقنا مررنا بجزيرة فيلكا وهي جزيرة عالية الموج بسبب كثرة الرياح فيها وقد بدت لنا هذه الجزيرة كأنها حقل من حقول الأعشاب البرية الخضراء. وكانت المدن والقرى والمزارع التي تقع على ضفتي الشاطئ تلوح واضحة لنا أثناء مرورنا بها.

الوصول إلى الكويت

عندما شاهد ملاح السفينة "الشويخ" وهو الميناء القريب من مدينة الكويت، أطلقت مدافعها ثلاث طلقات تحية لميناء الكويت، فانتبه سكان الميناء لصوت هذه الطلقات فجاءوا إلى الساحل متدافعين وملوحين لنا بأيديهم. ثم وصلنا إلى ميناء الكويت ورست باخرتنا على بعد ميل ونصف من ساحل البحر، وسفينتنا أول سفينة بخارية تزور ميناء الكويت وزيارتها هذه تمت بسبب أحد المسافرين من أهل الكويت، وهو تاجر عربي غني جداً جاء معنا من الهند وحمل سطح السفينة بمئات من البالات لمختلف البضائع التي اشتراها من مدينة بومبي الهندية.

حاكم الكويت في أيام زيارة هذه السفينة هو: الشيخ عبدالله الثاني (ت 1309هـ/1892م) بن صباح بن جابر بن عبدالله بن صباح، وهو الحاكم الخامس للكويت من أسرة آل صباح. والتاجر العربي الغني جداً قريب حاكم الكويت الذي يشير له لوشر هو: الشيخ يوسف (ت 1324هـ/1907م) بن عبدالله آل إبراهيم "خال آل صباح".

زيارة شيخ الكويت للسفينة

يقول لوشر: عندما رست السفينة في ميناء الكويت، بعث شيخ الكويت بابنه مع أربعة من أفراد الحرس لكي يصحبونا إلى قصره لتناول طعام الغداء، ولكن بينما كنا في طريقنا إلى الساحل لاحظنا بمنظارنا عدداً من الزوارق الصغيرة المعلقة بها أعلام كبيرة مقبلة نحونا، ففاجأنا شيخ الكويت بزيارته الشخصية لسفينتنا ليتفحصها ويتعرف على ملاحيها ويعاين محتوياتها وآلياتها.

وصف حاكم الكويت

كان حاكم الكويت طويلاً مفتول العضلات ملامحه لطيفة، له لحية بيضاء طويلة، عمره يقارب الثمانين سنة، تبدو على وجهه ملامح الذكاء والفطنة، وعندما يتكلم مع الآخرين فإن كلامه في غاية الأدب ويتميز بعاداته العربية. ويلبس ملابس عربية من الحرير الفاخر، ويرتدي عباءة أرجوانية موشاة بالذهب، ويداه تشعان بالألماس، ويلف على وسطه وشاحاً حريرياً أبيض غرس فيه خنجراً ذات مقبض من الذهب المطعم باللؤلؤ والفيروز والياقوت والزمرد.

خلال تجوال الشيخ داخل السفينة شاهد غرفة المكائن فانشرح صدره وأعجب برؤية هذه المكائن التي تحرك وتسير السفينة على الماء لأن سفينتنا هي أول سفينة بخارية تزور ميناء مدينة الكويت. وعندما مر الشيخ بين جموع المسافرين على هذه السفينة كان يستقبل من الجميع استقبالاً راقياً محترماً حسب العادات الشرقية.

الضيافة في قصر الشيخ

وجه شيخ الكويت الدعوة لجميع المسافرين الأوروبيين لتناول طعام الغداء معه في قصره وتمضية المساء في ضيافته. ولما وصلنا إلى قصر الشيخ وجدنا أن بناء القصر بسيط جداً وهو أشبه بالحصن منه إلى القصر. استقبلنا شيخ الكويت وأجلسنا في أرحب مكان في القصر، وهو مجلس كبير أنيق مفروش بالسجاد الإيراني الفاخر، وبه عدد من الوسائد والمتكآت المصنوعة من الحرير.

جلس شيخ الكويت في صدر المجلس متكئاً على وسادة مطرزة بالذهب، وإلى جانبه قريبه التاجر المعروف يوسف الإبراهيم، وخلف الشيخ وقف عبد يمسك سيفاً طويلاً، وبجانب الشيخ جلس عبد آخر يقوم بتحريك مراوح كبيرة من ريش النعام لتلطيف الجو. ثم قدم لنا العبيد القهوة العربية الفاخرة المركزة جداً بفناجين صغيرة من الذهب، ثم بعد ذلك قدمت لنا أقداح مملوءة بشربت الورد الشراب الفارسي الفاخر، وقدموا لنا الحلوى المسقطية. أما شراب النبيذ والكحوليات فهي محرمة عند المسلمين.

التجوال في مدينة الكويت

لما عزمنا على التجول في مدينة الكويت أمر الشيخ ثمانية من الحرس ليرافقونا. وقد وجدنا المدينة تشبه إلى حد كبير مدينة مسقط، ولكن الفرق بينهما هو النظافة الملحوظة، فمدينة الكويت تظهر كمدينة عربية فائقة النظافة وهي ميناء، ويبلغ سكان المدينة بين خمسة عشر إلى عشرين ألفاً أغلبهم عرب خلص.

والمدينة محاطة من الشمال والجنوب والغرب بصحراء مقفرة، وجوها حار لدرجة مخيفة، وأغلب بيوت المدينة البعيدة عن ساحل البحر تطمرها الرمال السافية، ويوجد بها بعض الواحات الصغيرة والجميلة من النخيل والفاكهة التي تنمو في أراضي الكويت.

أسواق المدينة

أسواق المدينة التجارية نظيفة مرتبة ترتيباً منظماً جداً، حيث تتراص الدكاكين مع بعضها في صف واحد. وتتوفر في أسواق المدينة أنواع مختلفة من السلع والبضائع المستوردة من أقطار كثيرة، وتتواجد فيها المنسوجات والملبوسات الإنكليزية والحلي المشغولة بالذهب والفضة والمجوهرات المطعمة بأنواع الأحجار الكريمة.

من أهم صادرات الكويت التمور والأخشاب الثمينة والجلود والخيول العربية الأصيلة، أما وارداتها فهي المنسوجات والمصنوعات الأوروبية والأسلحة النارية والأرز والتوابل والشاي.

وليمة الغداء

في وقت الغداء أرسل شيخ الكويت أحد عبيده ليبلغنا بأن الشيخ ينتظرنا. فوصلنا إلى القصر ودخلنا إلى قاعة كبيرة أعدت فيها مائدة طعام على الطراز الشرقي، افترشت على الأرض ووضعت عليها أواني الطعام وتضمنت الوليمة: خروفاً مشوياً كاملاً محشواً بالأرز المطيب بالزعفران والتوابل، وصحوناً كثيرة من أنواع مختلفة من اللحوم المشوية والمسلوقة والمحمرة والمقلية، ومقادير من الأرز المطبوخ المنكه بالتوابل الشرقية، وصحوناً من اللحم الشهي وأطعمة شرقية أخرى، ومقادير كبيرة من الفاكهة والتمر والحلويات.

أسطول الكويت البحري

شاهدنا في ميناء الكويت عدداً كبيراً من السفن الشراعية الضخمة التي تملكها الكويت وهي أبوام وبغال وسنابيك، وقد أخبرنا أحد أبناء الكويت بأن عدد السفن الشراعية التابعة لمواطني الكويت يبلغ حوالي ثمانمائة سفينة شراعية منها ما هو كبير ومنها ما هو صغير، وهذه السفن تعمل في مجالات النقل والتجارة بين الكويت وبين الهند وباكستان وشرق أفريقيا واليمن وعمان والبحرين والعراق وإيران.

مغادرة الكويت

وبعد مرور يومين في ضيافة شيخ الكويت الكريمة، عزمنا على المغادرة. فودعنا الشيخ وأهل الكويت ورافقنا حتى ساحل البحر مع عدد من حراسه ورجاله. وعند المغادرة قدم لنا الشيخ هدايا ثمينة، وطلب منا أن نذكره بخير أينما ذهبنا وأن نحكي للعالم عن كرم ضيافته وحسن معاملته.

وبعد أن ركبنا الباخرة ونحن في طريقنا إلى البصرة كنا نردد فيما بيننا: إن الكويت مدينة جميلة نظيفة وأهلها طيبون كرماء وحاكمها رجل ذكي فطن يتميز بالأدب والكياسة والحكمة، وإن ما شاهدناه في الكويت يجعلنا نقدر هذا البلد الصغير حق قدره.


ملاحظة: ترجمة الأستاذ الفاضل عبدالله بن ناصر الصانع رحمه الله.


المصدر: منتدى تاريخ الكويت - قسم البحوث والمؤلفات
https://www.kuwait-history.net/vb/showthread.php?t=9226