رغم أن جماعة الإخوان المسلمين ربحت العدد الأكبر من المقاعد داخل مجلس الشعب المصري، فإنها مع ذلك لم تستطع الحصول على الأغلبية التي تمكِّنها من تمرير رؤاها السياسية، ويبدو أن الأمور لن تمر بالنسبة للجماعة هينة، كما كان متوقعاً، فحزب النور - الذي جاء في المركز الثاني بعدها في البرلمان - بات عدواً شرساً، وهو لن ينسى للجماعة تدخلها صراحة ضده في الانتخابات؛ للحد من عدد الأصوات التي سيحصل عليها، وهو ما حدث بالفعل في عدد كبير من الدوائر،
فقد ساهمت الخبرة السياسية التي يملكها الإخوان في عقد صفقات سهلة ساهمت في منع منافسهم من إكمال رحلة الصعود الصاروخية التي بدأ بها في الجولة الأولى من الانتخابات؛ لتتباطأ خطواته في عملية الإعادة بالمرحلتين الثانية والثالثة بصورة لفتت الانتباه لعمق تأثير جماعة الإخوان على الأرض. غير أن إخوان مصر لم تخرج من تلك المعارك بلا خسائر، فيكفيها خسارة حليف قوي، وهو حزب النور، الذي استطاع في أول مشاركة له في الانتخابات الفوز بـ 114 مقعداً من إجمالي 458، والفرق بينه وبين الإخوان 98 مقعداً، وهو عدد قد يبدو ضخماً، لكن عند معرفة أن حزب الوفد - صاحب التاريخ العريق - لم يحصل إلا على 38 كرسيا؛ فيمكن وقتها تخيُّل الإعصار الذي رافق دخول السلف إلى الحياة السياسية المصرية!
وربما ساهمت العداوة التي نشبت بين الإخوان والسلف، على خلفية الانتخابات، والتي وصلت إلى حد تخوين وتكفير كل منهما للآخر؛ لأن تجد الأحزاب والتيارات الأخرى مكاناً لها تحت قبة البرلمان، ولو حتى بكرسي واحد، وهذا ما حصل مع ستة أحزاب، بينها العربي الناصري، الذي بات عليه التفكير جدياً في تجديد أسلوبه وتلافي أخطائه؛ ليتمكن من الوصول إلى قواعده الانتخابية. المقاعد التي حصل عليها الإخوان ستمكنهم من الحصول على المنصب الأهم بعد رئيس الدولة، وهو رئيس مجلس الشعب، فقد بات من المتوقع أن يصبح رئيسه سعد الكتاتني، أمين حزب الحرية والعدالة؛ وذلك بعد توافق الإخوان والوفد على صفقة تتضمَّن أن يصبح منصب الوكيل لحزب الوفد. تحالف الوفد مع الإخوان لإتمام هذه الصفقة يشي بأن التعاون سيمتد في المستقبل، غير أن ذلك سيظل رهنا بالمفاوضات الأخرى، فحزب النور والإخوان دخلا في السباق بالفعل لنيل رضا التيارات الليبرالية داخل المجلس، خصوصا الكتلة المصرية (27 مقعداً)، يليها المستقلون (19 مقعداً). وفي أي حال، فإنه من الواضح أن أول مجلس شعب مصري يأتي بإرادة شعبية حقيقية منذ عقود عديدة سيشهد معارك شرسة؛ لأن الكل يدرك أنه ليس إلا ساحة اختبار وتجارب لن تدوم طويلاً (من المنتظر حل هذا المجلس بعد وضع الدستور، أو انتخابات الرئاسة)، لكنها ستكون - كذلك - ساحة حاسمة في إعادة رسم المشهد السياسي المصري، بتياراته المتباينة.
المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية