كتب عبدالله النيباري: مر أكثر من عام على ثورات الربيع العربي، ومازالت أقطار الربيع بعيدة عن جني ثمار الديمقراطية والاستقرار، وإذا استثنينا تونس، فإن الصراع مازال قائماً في مصر وليبيا واليمن، وإن كان بأشكال مختلفة. وحدها سوريا والقوى الشعبية فيها تعاني سفك الدماء بغزارة، وتتصاعد فيها وتيرة العنف بأقصى صورها، فنظام بشار الأسد بعد أن فشلت قوى الأمن والشبيحة في القضاء على التظاهرات الشعبية التي اجتاحت المدن السورية، من درعا في الجنوب إلى إدلب في أقصى الشمال، ومن حمص في الغرب إلى دير الزور، لجأ منذ أشهر إلى إنزال قوى الجيش والأسلحة الثقيلة، من دبابات وراجمات الصواريخ والمدافع المضادة للطيران والهليوكوبتر، لتدمير المدن والقرى بأحيائها السكنية ومن عليها ومن فيها من أسر، برجالها ونسائها وأطفالها،
في حملات ما يُسمى بالأرض المحروقة، مستهدفاً القضاء على قوى الثورة، وتهجير السكان، لكي يبسط سيطرته على المدن وأريافها.
كانت أعداد القتلى في الأشهر الثمانية الأولى للثورة تتراوح بين الثلاثين والخمسين يوميا، وبعد استخدام قوى الجيش ارتفع العدد إلى ما بين الخمسين والمائة.. كل ذلك تحت ذرائع وادعاءات بأنه يواجه عناصر وقوى إرهابية تنفذ خططاً وأجندات خارجية لإسقاط وإخضاع نظام الممانعة أو المقاومة لإسرائيل التي تنعم باستقرار جهتها الشمالية وتتمدد في بناء المستعمرات في الجولان منذ 31 عاما من دون أن تطلق عليها رصاصة واحدة، وتتجوَّل طائراتها في سماء دمشق من دون أن تواجه طلقة واحدة من مدفع مضاد للطيران.
استغاث الشعب السوري، طالبا التدخل من العرب أولا، ومن المجتمع الدولي، لردع نظام الأسد، لكن هذا التدخل لم ينفع في إيقاف مسلسل القتل، واستخدم أسلوب المراوغة والتسويف والاستفادة من المهل، لكسب الوقت، والمضي في استخدام المزيد من العنف، للقضاء على قوى الثورة. وافق بعد مفاوضات مطوَّلة مع وفد الجامعة العربية في نوفمبر على السماح لقوة مراقبة لإيقاف العنف ومسلسل القتل، لكنه أفشل عملها بتحديد أين تذهب وأين تراقب، وكان عدد قوة المراقبة قليلاً لا يمكنها من نشر مراقبتها، وفي النهاية اعترفت الجامعة العرية بفشل مهمتها وقررت سحبها. ثم نقلت القضية إلى مجلس الأمن، إلا أن الحماية التي وفرها الفيتو الروسي والفيتو الصيني، حالت دون اتخاذ قرار حازم لحماية المواطنين السوريين، وبعد مروره عبر الجمعية العامة المتحدة، وتمرير قرار بإدانة أعمال العنف ضد المواطنين، عاد الموضوع إلى مجلس الأمن.
أخيراً، اتخذ قرار بالإجماع بتاريخ 12/3/2012، على اعتماد كوفي عنان سكرتير الأمم المتحدة السابق كمندوب للأمم المتحدة والجامعة العربية للتفاوض مع سوريا، للتوصل لإيقاف العنف، ولم تعترض روسيا والصين على هذا القرار، بل رحبتا به. وبعد زيارة عنان لدمشق ومفاوضاته مع الأسد وضغوط من روسيا، وافق الأسد بتاريخ 27/3/2012 على مشروع عنان ذي النقاط الست لإيقاف القتال وسحب الأسلحة والمعدات الثقيلة من المدن والسماح للجان الهلال والصليب الأحمر والإغاثة الإنسانية بالوصول إلى المناطق المنكوبة، كما وافقت سوريا على الالتزام بإطلاق سراح المعتقلين وحرية تحرك الصحافيين، وتعهدت بأن تحترم الحريات وحق التجمُّع والتظاهر السلمي، وتحدد يوم أمس (الثلاثاء) 10/4/2012، لتنفيذ سحب القوات والأسلحة الثقيلة من المدن، وها قد وصلنا إلى هذا التاريخ لإيقاف القتال في تمام الساعة السادسة صباحاً، إلا أن القتال لم يتوقف حتى كتابة هذه السطور، بل العكس، فقد اشتد العنف وسفك الدماء، ووفقا لما حملته الأخبار، فقد فاق عدد القتلى يوم الإثنين المائة، وبعض الأخبار تقول إنه وصل إلى 150 شخصاً. وآخر مراوغات نظام الأسد، ما صرَّح به وزير خارجيته، بأنه لن يوقف القتال إلا بعد تسلمه تعهدا خطيا من المقاومة الشعبية وتسليمها السلاح، وتعهد بعض الدول بعدم تقديم المساعدات للمقاومة. وواضح أنه موقف للتملص من تنفيذ ما تم الالتزم به.
الاستقواء بالخارج
لكن القتال مازال مستمرا، في انتظار زيارة وزير الخارجية السورية إلى موسكو، والشكوك في التزام النظام السوري بما وافق عليه مع عنان كثيرة والثقة بتعهداته معدومة، وانه سيحاول المراوغة والالتفاف على ما وافق عليه لكسب الوقت، فالخطة التي يتبعها هي السيطرة التامة على المدن وقراها وأريافها وإسكات أي صوت للمقاومة والاحتجاج السلمي. النظام يعلم ويدرك بأن العودة للجو السلمي واحترام الحريات، بما فيها التجمُّع والتظاهر والاحتجاج، قد تؤدي إلى نهايته وسقوطه ، وهو ما لا يمكن أن يسلم به. نظام الأسد يعتمد على الدعم والسند الروسي والاستقواء بإيران، ونفوذ إيران في العراق وحكومة المالكي، الذي صرَّح رئيسها مؤخرا بأنه لا يؤيد إسقاط النظام، ولا التخلص من بشار الأسد أو إزاحته. ولا يواجه الأسد احتمالات التدخل العسكري الخارجي على نحو ما حدث في ليبيا، واحتمالات التدخل تكاد تكون معدومة، وهذا هو الموقف المعلن للولايات المتحدة وتركيا، بل حتى بعض الدول العربية التي مالت إلى تليين موقفها. والنظام يستخدم أسلوب تخويف الفئات الاجتماعية في الداخل من أن يحدث ما حدث في ليبيا ومصر، ويتذرع بأنه يواجه عصابات إرهابية تخريبية مدفوعة من الخارج. مقاومة المنشقين من الجيش السوري يتراوح عددها بين عشرة وخمسة عشر ألفا وأسلحتها خفيفة، وقد أعلنت أنها معنية بحماية السكان من عنف الجيش وقوى الأمن والشبيحة وهي لا تقاوم الجيش الذي لا قبل لها بذلك، لاختلال ميزان القوى. وهنالك تحذيرات كثيرة من قيادات المعارضة تدعو للحذر من عسكرة الثورة، وضرورة التزام عناصر المقاومة المسلحة بالانضباط، وتجنب المناوشات مع الجيش، واحترام القواعد الأخلاقية، بعدم التعرُّض للمواطنين من أي طائفة، وأكدت ضرورة إعلاء شأن المقاومة السلمية، بقولها كثير من الحراك السياسي وقليل من السلاح، وأبرز المطالبين بذلك هو الكاتب والناشط ميشيل كيلو.
والآن، ماذا سيحدث في الساعات والأيام المقبلة؟ لا تشير التوقعات ولا قراءات سلوك النظام السوري إلى أنه سينصاع للالتزام بما وافق عليه مع كوفي عنان مندوب الجامعة العربية والأمم المتحدة. ويبقى الرهان على صمود ومقاومة الشعب السوري والاستعداد لتحمُّل المزيد من التضحيات وسفك الدماء والدعم المعنوي الذي تلقاه من الخارج والضغوط السياسية والاقتصادية على النظام.
المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية