فقيه الكويت وفرضيّها الشيخ محمد بن سليمان الجراح السلفي (1902-1997م)

فقيه الكويت وفرضيّها الشيخ محمد بن سليمان الجراح السلفي - رحمه الله تعالى -

شيخ جليل وعالم كبير أكرم الله عزوجل به أهل الكويت وتشرفوا بانتسابه لهم ولوطنهم، تواضع لله فرفعه... وأنزل محبته على قلوب خلقه، جد واجتهد في طلب العلم إلى أن وصل مرتبة من العلم أهلته ليكون عالم الكويت وفقيهها وفرضيها، اتخذ من أحد أركان مسجده (مسجد السهول) بضاحية عبدالله السالم مكانا يستقبل فيه طلبة العلم لينهلوا من علمه الغزير.

قال قبل وفاته بأيام قليلة: «إني طالب علم مقصر محب للعلم ولست بفقيه الكويت ولا فرضيها، وما قيل في من الإطراء فأنا بريء منه، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون».

اسمه ونسبه ومولده

هو العلاّمة الكريم الفاضل والشيخ الجليل العامل محمد بن سليمان بن عبدالله الجراح الحنبلي السلفي، وآل جراح هم من آل فضل، بطن من بطون بني لام، وبنو لام من طيء، وطيء من قحطان. ولد الشيخ الفاضل في الكويت سنة 1322هـ / 1902م أي بعد هجرة جده عبدالله بنحو أربعين سنة.

هاجر جده عبدالله مع أسرته من بلدة (حرمه) إحدى قرى سدير في نجد إلى الكويت ثم الزبير وذلك في السنة التي هاجر فيها أهل حرمه إلى الزبير بسبب الجدب والجفاف عام 1282هـ.

دراسته وشيوخه في العلم

ابتدأ الشيخ الفاضل حياته العلمية وهو في سن العاشرة حيث تعلم القرآن الكريم في مدرسة ملا أحمد الحرمي الفارسي، ثم أكمل القرآن الكريم في مدرسة ملا محمد المهيني، وتعلم الكتابة والحساب وقسمة المواريث في مدرسة السيد هاشم الحنيان.

كان شديد الحرص على تحصيل أكبر قدر ممكن من العلم فحفظ في أول شبابه (الرحبية) في المواريث و(منظومة الآداب) و(الدرة المضية) للسفاريني و(متن دليل الطالب) في الفقه للشيخ مرعى الحنبلي، وكان الشيخ الجليل يذهب بعد صلاة الفجر إلى ساحل البحر متخليا عن الناس ليكرر دروسه.

أخذ الشيخ محمد الجراح مبادئ الفقه من قاضي الكويت العلاّمة الشيخ عبدالله الخلف الدحيان تلميذ عالم الكويت الأول وفقيهها الشيخ محمد عبدالله الفارس. وبعد وفاة الشيخ عبدالله سنة 1349هـ لازم شيخنا الجليل محمد الجراح العلاّمة الشيخ عبدالوهاب عبدالله الفارس، فقرأ عليه (متن دليل الطالب) ثم (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) ثم (الروض المربع بشرح زاد المستنقع) ثم (شرح المنتهى).

وأخذ الشيخ محمد الجراح علوم اللغة العربية من الشيخ أحمد عطية الأثري والشيخ أحمد الحرمي والشيخ عبدالعزيز حمادة والشيخ عبدالرحمن الفارسي وغيرهم.

حياته العملية

تولى الشيخ الفاضل وظيفة الإمامة في مسجد العثمان في حي القبلة بعدما توفي الشيخ يوسف بن حمود سنة 1365هـ باستخلاف منه، كما عمل في الخطابة في مسجد البدر في حي القبلة، وبعد ذلك قام بالإمامة في مسجد السهول بضاحية عبدالله السالم والخطابة في مسجد المطير في نفس المنطقة.

عرض عليه الشيخ عبدالله الجابر الصباح رئيس دائرة المحاكم آنذاك أن يتولى القضاء، واستشار صديقه وشيخه الشيخ عبدالوهاب عبدالله الفارس فقال له: «من تولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين»، فرفض الشيخ محمد هذا المنصب بأدب ولباقة.

ذهابه إلى الحج

حج الشيخ الفاضل خمس حجات كانت أولاهن فرضه بصحبة والده سليمان في سنة 1365هـ، والثانية عام 1367هـ نيابة عن أمه وأقام بمكة 3 شهور، والثالثة كانت سنة 1371هـ نيابة عن جدته. وكان من بين العلماء الذين يلتقي بهم في الحج: الشيخ محمد بن مانع المدير العام للمعارف، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ محمد عبدالرزاق حمزة إمام الحرم المكي، والشيخ عبدالله بن حميد.

خصاله الحميدة وأخلاقه

تولى الشيخ الإمامة والخطابة من عام 1365هـ أي أنه عمل طوال 51 عاما من حياته في هذه الوظيفة العظيمة. كان يحرص على أداء الصلاة إماما مهما بلغ منه العذر من مرض أو وجع، وكانت صلاته في الناس وسطا، فلا هي طويلة مملة ولا هي قصيرة مخلة.

كان الشيخ الجليل يخطب من خطب الشيخ عبدالله الخلف وكانت خطبته قصيرة وتمتاز بالبلاغة وجمال السبك وترابط المعاني وحسن الاستشهاد.

كان الشيخ الكريم محبا لقراءة الكتب، ولم يكن رحمه الله يترك قراءة الكتب إلا في شهر رمضان حيث كان ينكب على قراءة القرآن الكريم، وكان يحدّث الناس في هذا الشهر العظيم من كتاب (مجالس رمضان) للشيخ عبدالله الخلف الدحيان.

ورغم أن الشيخ محمد سليمان الجراح ميسور الحال بل يعد من الأغنياء إلا أن الشيخ الفاضل كان يميل إلى الزهد وكان يبغض الشهرة، وكان رحمه الله أعزب لم يتزوج، وليس له خادم أو معاون وكان يتولى شؤون نفسه بنفسه.

مواقفه في الصبر

مرّ الشيخ الفاضل بالكثير من الابتلاءات في حياته إلا أنه كان صابرا محتسبا. وقد تجلى صبره أثناء الغزو العراقي فلم يخرج ولم يغادر مسجده واستمر في الإمامة والخطابة حتى صرف الله الغزاة المحتلين، وكان يشجع الناس ويحثهم على الصبر والثبات وعدم الخروج من غير عذر شرعي ويبشرهم بقرب الفرج.

مراسلاته العلمية

كانت لدى الشيخ الفاضل الكثير من المراسلات العلمية القيّمة مع العديد من العلماء والفقهاء، أبرزهم: الشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ عبدالله بن حميد، والشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ مفتي السعودية، والشيخ عبدالعزيز بن باز.

رسائله العلمية

كان الشيخ محمد الجراح حريصا على نشر علمه، ومن رسائله العلمية التي علقها على جدران مسجده: رسالة في الانتفاع بالوقت، رسالة في مضار النوم بعد صلاة الفجر، رسالة في الترغيب في طلب العلم، رسالة في حكم تصوير ذوات الأرواح، رسالة في مسألة الخضر عليه السلام وأثره الموجود في جزيرة فيلكا، رسالة في تفسير كلمات التشهد، رسالة في كيفية الصلاة على الميت.

مؤلفاته

منسك مختصر للحج، منسك مطول يشتمل على: سلاح الناسك في أدعية المناسك وكفاية الناسك لأداء المناسك، ورد مختصر من كلام الله تعالى وكلام سيد البشر صلى الله عليه وسلم.

مرضه ووفاته

استمر الشيخ الفاضل في سعيه الدؤوب في تحصيل العلم وتوصيله حتى مشارف سنة 1416هـ، ومنذ تلك السنة تتابعت أعراض المرض عليه، وتوفي رحمه الله في فجر الخميس 13 جمادي الأولى سنة 1417هـ وأسكنه الله فسيح جناته. وكان يوم دفنه يوما مشهودا حضره كثير من الناس.


بقلم: فارس الفارس - جريدة الوطن. المصدر: منتدى تاريخ الكويت