بقلم: عبدالله النيباري في العقد الثاني من القرن الماضي خاض المجتمع الكويتي أبرز وأكبر معارك المحافظة على الكيان، وهي معركة الجهراء، في مواجهة جحافل غزو التزمت التي شنت حرباً على الكويتيين، لانحرافهم - حسب ادعائها - عن الدين القويم وقيم الإسلام، ولبُعد أخلاقهم وسلوكهم عن التمسُّك بالفضيلة، وقد صد الكويتيون تلك الحملة، حماية لمجتمعهم وقيمهم وأخلاقهم وسلوكهم وعاداتهم، التي لم تكن مخالفة لصحيح الشرع ولا مجافية لقيم الفضيلة. واليوم، يخرج علينا فريق يتبنى فكر التزمت، الذي واجهته الكويت قبل تسعين سنة، حاملاً أجندته بوجه تماسك تكتل الـ35، والخشية من التفكك، لنصبح في وضع نرى فيه حصان الأقلية المتطرِّفة المتزمتة يجر عربة الأغلبية!
ولإعطاء مثال يوضح لنا ذلك، لنأخذ ما يحصل في دولة العدو الإسرائيلي، حيث كان الجناح المتطرِّف في حكوماتها الائتلافية هو الذي يفرض أجندة الحكومة الائتلافية، فكانت أجندة بيغن ثم أجندة شارون ثم أجندة نتنياهو. كلهم متطرفون، وكلهم يريدون اقتطاع أكبر مساحة من أرض فلسطين، ولكن كل واحد منهم أشد تطرفاً من الذي قبله، والآن جاء ليبرمان الذي كان يشتغل نادلاً، وتزعم حزب إسرائيل بيتنا، ليزايد على تطرف نتنياهو، ويريد الاستعجال في اغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية، وعلى الأخص مدينة القدس القديمة عاصمة إسرائيل الأبدية، والاستيلاء على المسجد الأقصى وهدمه لإقامة معبد سليمان، ومحاصرة الفلسطينيين والتضييق عليهم في سياسة ترمي إلى التهجير القسري، لابتلاع فلسطين كل فلسطين.. وطمعاً في البقاء في الحكم يقبل نتنياهو الخضوع لأجندة ليبرمان، محافظة على الائتلاف الحاكم.
الآن في تكتل الـ35 هنالك فئات تتفاوت في تطرفها في تبني ما يعتقدونه تطبيق الشريعة الإسلامية.. الإخوان (حدس) والسلف موجودون في المجلس منذ ثلاثين سنة، واقتصرت طروحاتهم على موضوع عدم الاختلاط في الجامعة وقانون الزكاة وبعض التعديلات الشكلية في قوانين أخرى، وهذه الإنجازات إذا أمكن اعتبارها إنجازات، هي أقرب إلى الشعارات السياسية، فعدم الاختلاط انحصر فقط في صفوف المحاضرات، وهو المكان الوحيد المضمون فيه عدم الخروج على قواعد السلوك السليم، وبقي الاختلاط شائعاً خارج فصول الدراسة.. وبطبيعة الحال خارج الجامعة، أما قانون الزكاة، فهو في الحقيقة قانون هجين، لا هو زكاة ولا هو ضريبة، فلا تأثير له في تحقيق أي أهداف اقتصادية، ولا تحقيق العدالة الاجتماعية، وهما ما يفترض أن تنشدهما الزكاة والضريبة!
الخطر إذن هو أن ينصاع تكتل الأغلبية المعارضة لمسايرة أجندة التطرف، ويستكين ليسمح أن يجر عربته حصان التطرُّف بأجندة التزمت.
أجندة التزمت هذه لا علاقة لها بالإسلام ولا بشرع الله ولا بتقاليد الكويت وقيمها وعاداتها وتاريخها. هي أجندة تعبِّر عن رؤيتهم الخاصة وأمزجتهم التي حولتها إلى شعارات سياسية وأجندة متطرِّفة غير قابلة للتطبيق. الكويتيون تعايشوا متسامحين في ما بينهم على اختلاف مذاهبهم، وخالطوا الأديان الأخرى، وتعاملوا معها، وافسحوا لها في المجال في التواجد بينهم وممارسة عباداتهم وطقوسهم وإقامة دور عبادتهم. واليوم، يشكِّل الوافدون الضيوف أكثر من 70 في المائة من السكان، جاءوا وأقاموا لتوفير احتياجات أهل الكويت والقيام بخدمات تؤمِّن راحتهم ورفاهيتهم، فلماذا يريد فريق التزمت حرمان غير المسلمين منهم من إيجاد دور لأداء عباداتهم؟ وما الضرر في ذلك؟ ألسنا نطالب بحق المسلمين في الدول الغربية في إيجاد المساجد التي شيِّدت في أرقى أحياء لندن وباريس وفي مانهاتن، الحي التجاري الأرقى والأغلى في مدينة نيويورك؟ ثم لماذا يريد فريق التزمت المزايدة على أهل الكويت في موضوع البنوك، وفرض تفسيرهم للفائدة والربا التي هي محل اختلاف المجتهدين، فهل هم أكثر تمسكاً بالدين من مؤسسي بنك الكويت الوطني قبل أكثر من 60 عاما؟ وهل هم أكثر تمسكاً بالشرع من نظام المملكة العربية السعودية، الذي تتواجد فيه البنوك التقليدية الوطنية والأجنبية؟ فهل يريدون المزايدة على السعودية، أرض الحرمين ومهبط الوحي ومقر النبوة ومركز انطلاق الدعوة الوهابية الأكثر تشدداً بين الفرق الإسلامية؟ النظام الاقتصادي العصري في كل العالم يعتمد على استخدام النقود، واقتصاد النقود بحكم الضرورة فيه إيداع واقتراض ولا يوجد اقتراض من دون تكلفة، سواء من بنك تقليدي، أو بنك إسلامي، فإذا اقترضت مائة ألف دينار، فعليك أن تسدد أصل الدين، زائداً مبلغاً بنسبة من الدين، وهذه النسبة هي نفسها، سواء كانت من بنك إسلامي، أو من بنك تقليدي.. والخلاف في التسمية فقط!
أما بالنسبة لفرض الحشمة والحجاب ومنع عمليات التجميل بقوة القانون، فهو أمر في غاية الغرابة والشذوذ، فبالإضافة إلى كونه تدخلاً في خصوصيات الأفراد وحرياتهم المحمية بنص الدستور، فبالله عليكم كيف سيجري تطبيق ذلك عملياً؟! هل نضع شُرطياً لكل عشرة أفراد، للتفتيش على ما يلبسون وما يستخدمون من عطور ووشم وما إذا كان أجرى أحدهم عملية تجميل؟ ثم لماذا هذه النظرة الدونية للمرأة التي يصورونها كاسية عارية تستثير الغرائز وتستدعي الوحوش البشرية لافتراسها، ألا يوجد قانون لردع تصرفات هذه الوحوش؟ فلنطبقه إذن بصرامة بدلاً من لوم الفريسة.
هذا ما يدعو إليه المؤتمر الإسلامي لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.. لذلك، فإن أجندة فريق التزمت في تكتل الأغلبية المعارضة هي نقيض لكل الثوابت وكل المعطيات والمنطلقات والقيم الأصيلة الراسخة. فلماذا يُصر هؤلاء على إثارة معارك جانبية عبثية تعمِّق الانقسام وتعزز ثقافة التمييز والإقصاء، وبعيدة كل البعد عن ترسيخ مبادئ العدل والمساواة واحترام الآخرين وتحقيق الحكم الرشيد في توسيع المشاركة السياسية وتكريس سيادة القانون وصيانة حقوق الإنسان وبسط العدالة الاجتماعية والمساءلة والشفافية ومحاربة الفساد وبناء مؤسسات المجتمع المدني، وهي ركائز لا تتحقق إلا في الدولة الديمقراطية المدنية العصرية لا في دولة دينية يحكمها رجال دين متزمتون متعصبون. والسؤال يبقى في انتظار ما سيحدث، هل سينصاع تجمُّع الـ35 ويسمح أن يجر عربته حصان التزمت بأجندته؟
المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية