الكويت سنة 1904: أول مقالة عربية تُنشر عن الكويت
الكويت سنة 1904: أول مقالة عربية تُنشر عن الكويت
د. سيد علي إسماعيل
من منّا لا يعرف المؤرخ الكويتي الكبير الشيخ عبد العزيز الرشيد (1887-1938م)، الذي لُقب بمؤرخ الكويت الأول؟! فهذا اللقب اكتسبه بناءً على كتاباته التاريخية عن الكويت، ولا سيما كتابه الشهير (تاريخ الكويت) الذي صدر في جزئين عام 1926م، والذي يُعتبر في نظر الجميع أول تاريخ يُنشر بالعربية عن الكويت.
ومنذ صدور كتاب (تاريخ الكويت) عام 1926م، أصبح المرجع الأول لكل مؤرخ أراد أن يكتب عن الكويت وتاريخها، وأصبح الشيخ عبد العزيز الرشيد الرائد والمؤرخ الأول للكويت. وهذه الحقيقة التاريخية ربما تهتز قليلاً بعد قراءة هذه المقالة، وكذلك مسألة الريادة ربما يُعاد النظر فيها!
مجلة المشرق
في عام 1898م أصدر الأب لويس شيخو العدد الأول من مجلته (المشرق)، وهي مجلة كاثوليكية كانت تصدر مرتين في الشهر، تحتوي على موضوعات وبحوث علمية وأدبية ولغوية وفنية، تحت إدارة آباء كلية القديس يوسف، وكانت تُطبع في بيروت بالمطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين. ومنذ صدورها أحدثت ضجة هائلة في الأوساط الأدبية، وانتشرت انتشاراً كبيراً في العالم العربي.
أنستاس ماري الكِرْمِلِي
كانت مفاجأة عندما تصفحت مجلة المشرق في سنتها السابعة عام 1904م، لأجد مقالة - في شكل بحث رصين - بعنوان (الكويت)، نُشرت على جزئين لضخامتها!! وكُتب أسفل العنوان اسم كاتبها (لحضرة الكاتب الفاضل الأب أنستاس الكرملي).
كاتب المقالة هو بطرس جبرائيل يوسف عواد المشهور بين العلماء والأدباء باسم (أنستاس ماري الكرملي)، وُلد في بغداد عام 1846م، من أسرة لبنانية الأصل. تلقى تعليمه الأولي بمدرسة الآباء الكرمليين ثم بمدرسة الآباء اليسوعيين ببيروت، وترهب في بلجيكا، وتعلم اللاهوت في فرنسا، ومن ثم أصبح كاهناً عام 1893م. عاد إلى بغداد مديراً لمدرسة الكرمليين، وعلّم فيها العربية والفرنسية، ونشر مقالات ودراسات كثيرة في مجلات مصر والشام والعراق. تعلم لغات عديدة مثل: اللاتينية واليونانية والآرامية والعبرية والحبشية والفارسية والتركية، من أجل دراسة علاقاتها باللغة العربية. وفي عام 1911م أصدر مجلة (لغة العرب). مات الأب أنستاس عام 1947م وله كتب كثيرة مطبوعة ومخطوطة.
تمهيد مقالة الكويت
نشر الأب أنستاس الكرملي مقالته عن الكويت بمجلة المشرق في جزئين ابتداء من العدد العاشر للسنة السابعة في 15/5/1904. وقد قسم مقالته إلى اثني عشر عنواناً. يعترف كاتب المقالة في تمهيده بأن قدمه لم تطأ أرض الكويت، ورغم ذلك أراد الكتابة عنها، فلم يجد كتابات سابقة منشورة يستنير بها، لذلك لم يجد مناصاً من مراسلة أهل الكويت من الأدباء والعلماء دون أن يذكر أسماءهم! وبناءً على ذلك نستطيع القول بأن علماء الكويت وأدباءها أسهموا بمعارفهم ومعلوماتهم في نشر أول مقالة تُكتب عن الكويت!
الأصل اللغوي لكلمة الكويت
كان من الطبيعي أن يبدأ أنستاس الكرملي مقالته بتعريف لفظة (الكويت)، باعتباره أحد أعلام علم اللغة. وهذا التعريف لا يخرج عن كون كلمة الكويت تصغير كوت وجمعها أكوات، وتُطلق على البيت المربع المبني كالحصن والقلعة بقرب الماء. ولكن الجديد الذي جاء به أنستاس الكرملي ولم يُذكر في كتابات الآخرين حتى الآن عن هذه اللفظة، أن كلمة (كوت) جاء ذكرها في آيتين بسفر الملوك في الترجمة اليسوعية. ثم عقد مقاربة بين لفظة كوث وبين لفظة (كوثي) التي وردت في معجم البلدان لياقوت الحموي على أنها مدينة بأرض بابل. ويختتم أنستاس الكرملي تفسيره لكلمة (الكويت) بأنها تصحيف لكلمة (الكوفة).
الموقع والحدود والمناخ
يصف كاتب المقال هذه الأمور سنة 1904م، بأن الكويت تشرف على البحر ولذلك سُميت قديماً بالقُرين، أما الكويت فاسم حديث لا يتجاوز القرنين ولم يكن لها شهرة في السابق. وهي قضاء من أقضية ولاية البصرة إحدى الولايات الشاهانية، يحدها شمالاً قضاء البصرة وجنوباً سنجق نجد وشرقاً خليج فارس وغرباً البادية الشامية، وقائمقامها الآن الشيخ مبارك الصباح. أما أرضها فوخيمة وهواؤها رطب حار في الصيف أما في الشتاء فالهواء بارد جاف مفيد للصحة.
الماء
تحدث الكاتب عن الماء في الكويت بصورة لم ترد في كُتب التاريخ، فقد ذكر الكرملي أن الشيوخ والأكابر والتجار كانوا يستجلبون الماء العذب من جزيرة فيلكة (فيلجة). وأهل الكويت في عام 1904 كانوا يجمعون ماء المطر في خزائن بمنازلهم تُتخذ من الخشب. وجاء الكرملي بوصف دقيق لهذا التخزين لم يرد في أي كتاب قائلاً: "يمدون سرادقاً رقيقاً مشتبك الخصاص على صحن البيت ويجعل أطرافه المتدلية حجارة أو نحوها لتسهيل تحدُّر الماء، ويسوي له فُم واحد لكي يقذف ماءه في الخزانة المتخذة من الخشب الثخين المتين. وهذه الخزانة تسع طنّاً أو أكثر، وربما بقي عندهم هذا الماء طول السنة بدون أن يفسد".
سكان الكويت وأعمالهم
يُحدد كاتب المقالة عدد سكان الكويت سنة 1904 بـ 20075 نسمة، معظمهم من المسلمين السُّنة البالغ عددهم 20000، أما المسلمين من الشيعة فيبلغ عددهم 13، واليهود 60، والنصارى 2. ويبلغ عدد البيوت المبنية بالحجارة أربعة آلاف بيت أغلبها مبنيّ من طبقة واحدة، بالإضافة إلى 500 صريفة. وأغلب أهل الكويت يعملون في الزراعة ورعاية المواشي والتجارة والصرافة والملاحة والغياصة (الغوص).
أما التجارة فهي بيد جميع الأغنياء من أهالي الكويت، فعندما يحين موسم التمر يشتري التجار كميات وافرة منه ويحملونها على سفن شراعية إلى الهند فيقايضونها بأموال أخرى. وكانت صادرات الكويت في هذا الوقت الجصّ المشهور الذي كان يُصدر إلى المحمَّرة والبصرة، والجياد النجدية الكريمة الأصيلة التي كانت تُرسل إلى الهند عن طريق الكويت ويُبعث منها سنوياً من 500 إلى 800 رأس. أما صناعة أهل الكويت الوحيدة فكانت بناية السفن بأنواعها الثلاثة: الأبوام والبغال والسنابك.
مهنة الصرافة
يُعتبر أنستاس الكرملي أول من ذكر عدد سكان الكويت من اليهود وحددهم بستين نسمة، وتحدث عن مهنتهم في الصرافة: "وأما الصرافة فلا توجد بغير أيدي اليهود. وهم يكسبون من ورائها أموالاً طائلة. وهم في ذلك يجرون على الصورة الآتية: إن قيمة كل نقدٍ من النقود تتبع اتفاق الصيارفة اليهود. فقد يكون النقد الواحد اليوم في سعر وفي الغد بسعر آخر".
صيد اللؤلؤ
يُعتبر كتاب (تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي) لسيف مرزوق الشملان أهم كتاب كُتب في هذا المجال. ورغم ذلك لم تكن مقالة أنستاس الكرملي من بين مراجعه! أفرد الأب أنستاس في مقالته عدة صفحات تحت عنوان (صيد اللؤلؤ في الكويت) يشرح فيها شرحاً تفصيلياً دقيقاً لعملية الغوص والبحث عن اللؤلؤ.
يخبرنا الكرملي بأن أحد الأغنياء يبني سفينة غوص ويستأجر له أُجراء قبل أوان الصيد بأربعة أشهر، فيتخذ له مثلاً 30 أجيراً مع النوخذة ويدفع لهم عربوناً يُضاف إليه 20% كفائدة ربوية. وعندما يأتي موسم الغوص من منتصف إبريل إلى منتصف أكتوبر ركب النوتية السفينة.
أما طريقة الغوص فيصفها الكرملي بقوله: "يشدون في رجل الغواص حجراً ثقيلاً ويسدون منخريه بسداد من القرن وأذنيه بشيء من الشمع فيهوى على هذه الصورة البسيطة إلى عمق 10 أمتار أو 20 أو 30 متراً. ومن بعد أن يبقى في الماء يحرك الحبل فيصعد إلى فوق. وبعد أن يستريح يعود إلى عمله هذا المحفوف بالأخطار من 8 إلى 10 مرات وربما 12 مرة".
وبعد انتهاء الموسم يجتمع الجميع فيأخذ التاجر خُمس اللؤلؤ أجرة لسفينته، ثم يُقسم الباقي قسمين: يأخذ التاجر نصفاً استيفاءً للعربون وفائدته الربوية، والنصف الآخر يقسم: الناخذاة حصتين والغواص حصة واحدة والسيب نصف حصة. ويُعلق الكرملي: "فترى من هذا كله أن الغواصين لا يربحون شيئاً أو يربحون شيئاً لا يُذكر مع أنهم هم الذين يتعبون أكثر من سواهم".
رائد التاريخ الكويتي
ذكرنا أن الشيخ عبد العزيز الرشيد هو صاحب لقب (مؤرخ الكويت الأول)، وهذا اللقب يصح في حالة كون المؤرخ المقصود كويتياً، ويصح أيضاً في حالة أن يكون المؤرخ صاحب كُتب تاريخية منشورة عن الكويت. ولكن ما هو موقفنا الآن أمام اكتشاف مقالة الكويت لمؤلفها الأب أنستاس الكرملي؟! أنستطيع تجاهل كاتبها وهو علم من أعلام اللغة والأدب والتاريخ؟! أنستطيع أن نتجاهل ما جاء في المقالة من أمور شتى عن الكويت وسكانها واقتصادها؟! أنستطيع تجاهل تاريخ نشرها سنة 1904، قبل أن يكتب أي مؤرخ كويتي أو غير كويتي عن الكويت باللغة العربية؟!
يجب أن ننظر إلى هذه الحقائق بصورة موضوعية، وألا نحجب ضوء الشمس بأيدينا. وكما اعترفنا بأن الشيخ عبد العزيز الرشيد هو مؤرخ الكويت الأول، فيجب أن نفكر في الاعتراف بأن الأب أنستاس الكرملي هو رائد التاريخ الكويتي!! على اعتبار أنه أول من نشر مقالة عن الكويت باللغة العربية. وأرى أن يظل هذا اللقب ملتصقاً باسم الرجل، إلى أن يثبت العكس.
المصدر: مقالة نشرت في مجلة تراث الإماراتية - عدد 105 - مايو 2008 - ص(38-41).
المصدر: منتدى تاريخ الكويت - قسم البحوث والمؤلفات
https://www.kuwait-history.net/vb/showthread.php?t=7920
