٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ·٢ دقائق للقراءة

الدبلوماسية الخليجية بعيداً عن التبعية

بقلم: محمد العجيري مشاركة سمو أمير البلاد في قمة بغداد الأخيرة تعد بلا شك خطوة حكيمة، وذات مغزى سياسي بالغ الأهمية. وبغض النظر عمَّا أدت إليه هذه القمة من نتائج بالنسبة للشأن العربي، وما وجِّه إليها من نقد، إلا أنها خطوة دبلوماسية كويتية مهمة ومتميِّزة. فالمتابع لتفاصيل الأمور يعرف مدى صعوبة اتخاذ مثل هذا القرار، في ظل صراعات وتشابك مصالح وضغوط حاولت منع مشاركة الكويت في هذه القمة. وهذا نموذج من تميُّز الكويت واستقلاليتها في مواقفها السياسية، وتقديرها لما تعنيه هذه الزيارة التاريخية لسمو الأمير لبغداد بعد الغزو الصدامي للكويت، وما يمكن أن تعكسه من إيجابيات على العلاقات الكويتية – العراقية التي ظلت متوترة إلى وقت قريب. ولعل ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للكويت التي سبقت عقد القمة بأيام يظهر بأن الدبلوماسية دواء ناجع لكثير من أمراض العلاقات بين الدول. إننا نعيش في إقليم تعصف به الصراعات منذ أمد بعيد، وتعرَّضت الكويت، وعلى مدى سنوات، بسبب مواقفها ،إلى كثير من الأذى، ودفعت جراء ذلك ثمنا باهظاً، حيث أبى البعض، ممن لم تعجبهم مواقف الكويت المتميِّزة والمستقلة، إلا أن يسعى إلى تطويعها وإدخالها في فلك هيمنته، بغض النظر عن مصلحة الكويت أو سيادتها ووجودها. إن الإبحار في مياه الخليج الهائجة والملتهبة يحتاج إلى حكمة وبصيرة وتأنٍ في صياغة القرارات ورسم خريطة المواقف، فالتجارب أثبتت أن الارتجال في تحديد الاتجاه يقودنا إلى قلب العاصفة، ولسنا في وارد خلق عداءات أو خوض صراعات ليس لنا ناقة فيها ولا جمل. ولذلك، أرى أن مبادئ الدبلوماسية الكويتية وأهدافها يجب أن تكون واضحة وراسخة ومتفقا عليها من الجميع، وأقصد كل من لديه علاقة، إن كان دبلوماسيا أو مسؤولا أو مشرّعا، ويجب ألا يترك المجال لأي كان لكي يخلط بين ما يعتقده شخصياً وما هو معتمد كسياسة خارجية للدولة. الكويت عضو مؤسس وفاعل داخل منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، ولها مصلحة حيوية وبالغة الأهمية للمحافظة على كيان هذه المنظمة وتعزيز دورها، فالعالم يقوم على التحالفات والمنظمات، ولا توجد دولة إلا وهي عضو في تحالف أو أكثر. ولكن أود لفت الانتباه إلى بعض المواقف والممارسات التي قد تنجم عنها بعض النتائج التي قد تضر بمصلحة الكويت وباقي دول المجلس. الكل يعلم مدى احتدام الصراع الأميركي - الإيراني، إن كان بسبب المشروع النووي الإيراني، أو الوضع في العراق، ومحاولة إيران بسط نفوذها على هذا البلد، بمساعدة حلفائها بعد الانسحاب الأميركي، وكذلك بوادر الصراع الطائفي في منطقة الخليج، ومحاولة البعض زيادة أوار نار الفتنة بين مكونات مجتمعات الخليج وبشتى الوسائل. وما شاهدناه من أحداث وممارسات في العراق والبحرين وبعض دول الخليج، وكيف تم فرز المجتمع إلى طوائف وملل، يؤكد أن الشحن الطائفي يمكن أن يؤدي إلى تمزيق المجتمع، وضياع البلد في بحر من ظلمات الحقد والكراهية. إن المحاولات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية لخلق جبهة خليجية تتصدَّى لما يُسمى بخطر التوسع الإيراني، خطوة لا أعتقد أنها تصب في مصلحة دول الخليج العربي، حيث إنها تدفع هذه الدول قسراً لتكون أداة لتنفيذ أجندتها لمواجهة هذا الخطر المفترض. وما زاد الطين بلة، أن إيران، ومنذ الثورة وإنشاء الجمهورية الإسلامية، لم تعمل على طمأنة دول الساحل الغربي للخليج حول نواياها، فلاتزال الكثير من الملفات العالقة بين إيران ودول الخليج حبيسة الأدراج، ولم تسعَ بجد واضح لتهيئة الأرضية لخلق الثقة المطلوبة لحلها أو لتطوير العلاقات، على الرغم من وجود عوامل كثيرة مساعدة لفعل ذلك، لعل أهمها المصالح الاقتصادية، والقرب الجغرافي، والعلاقات بين الشعوب، وعامل الدين.. وغيرها من الأمور التي تمثل وسيلة مفيدة وفاعلة لتطوير هذه العلاقات. لذلك، نجد أن أنظمة دول الخليج تعيش في دوامة من الريبة والقلق من النوايا الإيرانية، وهي على وشك أن تصبح أداة طيعة لتنفيذ الخطة الأميركية، بغض النظر عن النتائج. فالسؤال هل تستمر دول الخليج في هذا الاتجاه المحفوف بالمخاطر أم ان هناك سُبلاً ووسائل أخرى لجلب إيران إلى مساحة مريحة للطرفين، للعمل على بناء قاعدة من الثقة يكون أساسها المصالح المشتركة والعيش في بيئة مسالمة تهيئ الظروف والأدوات لتحويل إقليم الخليج إلى منطقة سلام لا تخضع لأجندات ومصالح خارجية تفرض من الولايات المتحدة أو غيرها؟ إن ما ورد في المقدِّمة عن خطوة سمو الأمير المتميِّزة في زيارته التاريخية لبغداد، لمثال على أن القضايا المهمة تحتاج إلى رجال يتخذون قرارات مهمة مبنية على رؤى وبصيرة وحكمة، بعيداً عن التمترس خلف الولايات المتحدة أو غيرها، لأننا لا نستطيع أن نغيِّر المنطقة جغرافياً، ولكن نستطيع أن نختار وسائل أفضل للتعامل مع إيران، مهما كانت مواقفها لا تتفق مع مواقفنا.

المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية

شارك المقال