٢٠ يوليو ٢٠٢٦ ·٢ دقائق للقراءة

العراق على مفترق طرق

بعد حوالى تسع سنوات من بداية حرب احتلال العراق، التي أثارت جدلا واسعا بين داعم لها ورافض لمبرراتها، غادر آخر الجنود الأميركيين العراق، تاركين خلفهم بلدا يعيش على وقع ازمات تتقاطع فيها الابعاد الجيوسياسية والأمنية بالطائفية والمناطقية. فقد رحل موكب جنود آخر لواء مجتازا الحدود العراقية الكويتية ليسدل الستار على اكثر الحروب الاميركية اثارة للجدل منذ حرب فيتنام قبل نحو نصف قرن، لكن الإدارة الأميركية أبقت على 157 جنديا اميركيا تحت اشراف السفارة الاميركية للمساعدة على تدريب القوات العراقية، اضافة الى فرقة من المارينز لحماية الدبلوماسيين.

ويأتي هذا الانسحاب الاميركي تطبيقا للاتفاقية الامنية الموقعة عام 2008 بين بغداد وواشنطن، بعد تأكيد الانسحاب الكامل من قبل الادارة الاميركية في اكتوبر الماضي، إثر رفض العراق منح آلاف الجنود الأميركيين حصانة قانونية. وبلغ عدد الجنود الاميركيين أقصاه عام 2007 بانتشار 170 الف جندي وجه عدده الأكبر لمحاربة المجموعات المسلحة الني تناهض الاحتلال الأميركي، ليبقي حوالى 50 ألفا منهم لدى انتهاء العمليات القتالية في اغسطس 2010 انشغلوا في تدريب القوات العراقية.

أزمة الكتل السياسية

اتهامات بالإرهاب

ومما زاد في تصاعد الأزمة السياسية طلب رئيس الحكومة نوري المالكي من البرلمان سحب الثقة من نائبه صالح المطلك، القيادي في القائمة العراقية، لأنه لم يعد أهلا لمنصبه على حد قوله. وهو ما أكده النائب ياسين مجيد عن كتلة دولة القانون أيضا. يذكر أن المطلك وصف المالكي، في مقابلة أجرتها معه شبكة سي.أن.أن الأميركية الأسبوع الماضي، بالدكتاتور. كما تتزامن هذه التطورات مع قرار مجلس القضاء الأعلى في العراق تأجيل الكشف عن دلائل تثبت تورط مسؤول كبير بالدولة في الإرهاب. فقد أعلن ممثل عن المجلس خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المتحدث باسم قيادة عمليات بغداد السبت الماضي، أنه نظرا لعدم اكتمال الإجراءات التحقيقية حول ما سماه الشبكة الإرهابية تقرر إرجاء إعلان هذه الاعترافات. وكانت وكالة يونايتد برس إنترناشيونال قد نقلت عن النائب حسين الأسدي من ائتلاف دولة القانون، قوله إن مكتب طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية متورط في الإشراف على عمليات إرهابية، وقد تقرر التحقيق معه في هذا الشأن. واعتبر الأسدي أن تعليق نواب القائمة العراقية مشاركتهم في جلسات المجلس النواب وتقديم استقالات وزرائها، خطوة استباقية بعد الكشف عن تورط مكتب الهاشمي في الإرهاب، مرجحا صدور مذكرة اعتقال بحق الهاشمي إذا ثبت تورطه. لكن مصدرا من مكتب رئيس الجمهورية نفى صدور أي مذكرة من هذا النوع في حق الهاشمي. موقف العراقية يزيد من تصعيد أزمة المشهد السياسي العراقي الراهنة داخل النخبة الحاكمة وفي الاقاليم، حيث تطالب محافظات غالبيتها من الطائفة السنية بالتحول الى اقاليم مستقلة. وهو ما يضاعف التجاذبات والانقسامات بين النخب السياسية العراقية ومكونات الشعب العراقي الاجتماعية والطائفية. كما يبدو ان هذا السعي الى انشاء اقاليم مستقلة على شاكلة الاقليم الكردي في الشمال، ينذر باحتمال انزلاق البلاد الى حرب طائفية جديدة، على نحو الفوضى التي حدثت عامي 2006 و2007.

والى جانب الازمات السياسية المستمرة التي ابقت العراق العام الماضي من دون حكومة، رغم مرور أكثر من ستة اشهر على الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس 2010، يلوح تحد امني خطير امام بلاد لا تزال تشهد اعمال عنف شبه يومية منذ حوالى تسعة اعوام. وبخاصة في ظل تشكيك مسؤولين عراقيين واميركيين في قدرة الجهاز الامني والعسكري على حماية الحدود العراقية، علاوة على المناطق الداخلية. وما يضاعف التحديات الأمنية إمكانية تدهور الوضع الأمني في الجارة سوريا التي تشهد احتجاجات لا تبدو نهايتها قريبة. ولعل ما يزيد في تفاقم هذه الأوضاع عجز الدولة عن تأمين الخدمات الاساسية كالكهرباء والمياه الصالحة، في ظل تفشي الفساد في المؤسسات الحكومية. رغم تصدير العراق أكثر من مليوني برميل نفط يوميا محققا عائدات شهرية بقيمة سبعة مليارات دولار. هكذا يغلق العراق ملف الاحتلال رغم كلفته البشرية والمادية والسياسية الباهظة ليجد في طريقه عقبات أخرى قد تؤخر امكانات تجاوز مشاكله الداخلية والخارجية.

المصدر الأصلي: جريدة الطليعة (taleea.com) — نسخة أرشيفية

شارك المقال