الأديب خالد سعود الزيد - حياته ومسيرته الأدبية

خالد سعود الزيد

الأديب خالد سعود الزيد (1937-2001م)

لقد أسهم الأستاذ الشاعر الأديب المؤرخ الكويتي خالد سعود الزيد (1937-2001م) في وضع لبنة حقيقية في العالم العربي. فحين أنكر جيل أدباء ما بعد الاستقلال وجود أدب وأدباء في الكويت، وراحوا يكتبون ذلك في الصحف والمجلات انبرى الزيد للتأريخ لأدباءهذا الوطن وعكف على تأليف كتابه "أدباء الكويت في قرنين" الذي صدر في ثلاثة أجزاء في الفترة (1966-1982م) وقد أرخ فيه لبدايات الحركة الأدبية والفكرية والثقافية في الكويت من خلال أدباء لم يحفل أحد من أبنائهم بجمع إنتاجهم الأدبي، ولم يلتفت أحد من الأدباء قبله للترجمة لهم على هذا النحو الواعي بأهمية دورهم الأدبي في تاريخ الكويت.

ولم يتوقف الزيد عند هذا الجهد التأسيسي فحسب بل راح يجمع كل ما من شأنه التأكيد على وجود أدب وأدباء في الكويت، فجمع من ما يطوق المجلات القديمة البالية التي أهملها الناس القصص اليتيمة التي سطرها أدباء كويتيون في كتابه "قصص يتيمة في المجلات الكويتية" ووضع لهم مقدمة لم تسبق عن تاريخ القصة في الكويت بل كانت عماد لكل من جاء بعده يدرس القصة الكويتية من أمثال الدكتورة هيفاء السنعوسي التي أشارت في مقدمة كتابها عن القصة القصيرة في الكويت أنه لولا كتاب الزيد عن القصة وجمعه لهذه القصص لما تمكنت من إنجاز بحثها عن القصة القصيرة في الكويت. وكذلك الأستاذ الدكتور سليمان الشطي الذي وضع كتاباً عن القصة القصيرة في الكويت معتمداً على ما أنجزه الزيد وسطره في هذا السفر المهم.

وللزيد الريادة في معظم مؤلفاته وأنشطته الثقافية والأدبية، إذ أنه أول من وضع كتاباً عن الأمثال العامية في الكويت في العام 1961م جمع فيه ما تناثر من أمثال كويتية كانت متداولة على لسان الرجال والنساء في حينها واعياً لأهمية جمعها وتأصيلها بوضع المقابل العربي بها. كذلك فإنه أول من أخرج مادة الكويت من السفر الكبير "دليل الخليج" لمؤلفه الإنجليزي لوريمر وهذا السفر يقع في أربعة عشر مجلداً سبعة منها تاريخي ومثلها جغرافي. وقد أحس الزيد بأهمية تلك المادة التاريخية والجغرافية عن الكويت، فعكف على إخراج المادة الخاصة بدولة الكويت والتعليق عليها وضبطها وتصحيح ما ورد في الكتاب من انحراف حتى يتمكن القارئ من الوصول إلى صورة حقيقية عن دولة الكويت من خلال أحد الرحالة الإنجليز. وقد صدر كتابه في جزأين الأول عنوانه: "الكويت في دليل الخليج" "السفر التاريخي" والثاني عنوانه "الكويت في دليل الخليج "السفر الجغرافي" (العام 1982م).

كما كان الزيد أول من وضع كتاباً مستقلاً عن الأديب الشاعر خالد الفرج (1898-1954م) وكذلك كتاباً عن شيخ القصاصين في الكويت الأديب الأستاذ فهد الدويري ترجم فيه لسيرة حياته ومسيرته الأدبية وجمع فيه كل ما سطره الدويري من قصص.

وفي العام 1990م أقام الزيد معرضاً للمخطوطات العربية والمطبوعات الكويتية النادرة التي يمتلكها في الفترة ما بين (13-20 فبراير) في رابطة الأدباء، وقد احتوى هذا المعرض على أكثر من ثلاثمائة مخطوط عربي، فضلاً عن مخطوطات ومطبوعات كويتية تمثل النواة الحقيقية لنشأة الأدب في الكويت. وقد أهدى الزيد هذا المعرض إلى سمو أمير البلاد رحمه الله الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح ليكون نواة لمكتبة وطنية في الكويت. وقد نهب هذا المعرض كاملاً أثناء فترة الغزو العراقي على الكويت.

ونظراً لهذه الجهود الأدبية والفكرية والثقافية التي حققها الزيد للكويت فإنه يعد الأديب الوحيد الذي حاز على جائزة الدولة التقديرية مرتين: الأولى في الآداب والفنون لعام 1983م من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في حقل الأدب العربي الحديث. والثانية في الثقافة في العام 2001م. كما حصل على وسام المؤرخين العرب في عام 1990م.

السيرة الذاتية

ولد في الكويت في 27 من يناير 1937، وتوفي يوم الجمعة 12 من أكتوبر 2001م. بدأ الدراسة في المدرسة القبلية عام 1943م ثم المدرسة المباركية عام 1951م. ترك الدراسة للعمل عام 1957 وظل يعمل حتى أحيل على التقاعد عام 1986م.

اللبنة الأولى في التأليف

1- أول من وضع موسوعة تاريخية أدبية لأدباء الكويت في قرنين

2- أول من وضع كتاباً عن تاريخ المسرح في الكويت موثقا تاريخه ومسيرته ثم جمع مسرحياته اليتيمة التي نشرت في المجلات والصحف

3- أول من وضع مقدمة عن تاريخ القصة في الكويت وجمع بدايات فن القصة في الكويت من الصحف والمجلات منذ بدأ الصحافة في الكويت

4- أول من وضع كتاباً عن أدب الرحلات في الكويت

5- أول من اكتشف آثارا تاريخية لمدينة قديمة بمنطقة الصبية في الكويت أوائل الثمانينيات من القرن العشرين

المناصب الثقافية التي تقلدها

1- رئيس لجنة تشجيع المؤلفات في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ عام 1991 حتى وفاته

2- عين عضواً في المجلس الاستشاري للإعلام منذ عام 1991م حتى عام 1993م

3- عضو في لجنة الاستماع للأغاني المسجلة في وزارة الإعلام التي شكلت في عام 1993م

4- منذ عام 1973م حتى يونيو من عام 1981م، كان أمين سر مجلس إدارة الرابطة حتى استقال من أمانة السر وبقي عضواً في الهيئة الإدارية حتى عام 1983م

5- من مؤسسي رابطة الأدباء في الكويت، وفي عام 1967م انتخب أمينا عاما للرابطة حتى عام 1973

6- رئيساً لجمعية الفنانين الكويتية عام 1967م ولمدة عام واحد

7- من مؤسسي مجلة البيان التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت. وأحد أعضاء هيئة تحريرها منذ صدور عددها الأول في أبريل عام 1966م، كما تولى سكرتارية تحرير المجلة وعين رئيسا لتحريرها عدة مرات

8- عضو في جمعية مكتشفي حضارة الأنديز في الولايات المتحدة الأمريكية

الجوائز وشهادات التقدير

1- بعد وفاته حصل على شخصية العام الثقافية في إمارة الشارقة دولة الإمارات العربية، في نوفمبر عام 2001

2- حصل على جائزة الدولة التقديرية في الثقافة لعام 2001

3- قامت عمادة شؤون الطلبة في جامعة الكويت بتكريمه ضمن فعاليات مهرجان (في حب الكويت) باعتباره علماً من أعلام حب الكويت وذلك في 18 فبراير 2001

4- كرمه قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الكويت يوم الأربعاء 16 فبراير 2000 باعتباره رائدا من رواد الفكر والأدب والشعر في الكويت

5- اختير شخصية العام في الاستفتاء الذي قامت به مجلة الديرة لعام 1994م

6- رشح لجائزة الملك فيصل من قبل جامعة الكويت عام 1994م

7- حصل على وسام المؤرخين العرب عام 1990م

8- حصل على شهادة تقدير من مهرجان جرش للثقافة والفنون الذي أقيم في الفترة ما بين 11 – 26 يوليو 1985 بالمملكة الأردنية الهاشمية

9- فاز كتابه "شيخ القصاصين الكويتيين فهد الدويري" بالمعرض الأول لرابطة الأدباء في الكويت الذي أقيم عام 1984م

10- حصل على جائزة الكويت التقديرية في الآداب والفنون لعام 1983م من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في حقل الأدب العربي الحديث

11- فاز كتابه أدباء الكويت في قرنين بجائزة المعرض الدولي الذي يقيمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت كل عام وذلك سنة 1982م

المؤلفات الأدبية والشعرية

1- من الأمثال العامية. صدر عام 1961م، وأعيدت طباعته عام 1977م.

2- (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الأول صدر عام 1967م وأعيدت طباعته في نفس العام. والطبعة الثانية عام 1976م، وهو كتاب قيّم وأشهر ما عرف لخالد سعود الزيد من آثار؛ ويعتبر وثيقة أدبية تؤرخ لأكثر من جيل من أدباء الكويت.

3- خالد الفرج حياته وآثاره طبع عام 1969م، والطبعة الثانية عام 1980م.

4- (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الثاني، صدر عام 1981م.

5- عبد الله سنان، دراسة ومختارات بالاشتراك مع الدكتور عبدالله العتيبي صدر عام 1981م.

6- (صلوات في معبد مهجور) ديوان شعر صدر عام 1970م، وأعيدت طباعته عام 1983م.

7- (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الثالث صدر عام 1982م.

8- الكويت في دليل الخليج (السفر التاريخي) صدر عام 1981م.

9- الكويت في دليل الخليج (السفر الجغرافي) صدر عام 1981م.

10- قصص يتيمة في المجلات الكويتية صدر عام 1982م.

11- مسرحيات يتيمة في المجلات الكويتية صدر عام 1982م.

12- مقالات ووثائق عن المسرح في الكويت صدر عام 1983م.

13- سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية صدر عام 1983م.

14- شيخ القصاصين الكويتيين فهد الدويري حياته وآثاره صدر عام 1984م.

15- كلمات من ألواح، ديوان شعر صدر عام 1985م.

16- الشاعر محمد ملا حسين، حياته وشعره صدر عام 1987م.

17- ديوان خالد الفرج، الجزء الأول والثاني، تقديم وتحقيق، صدر عام 1989م.

18- فهرس المخطوطات العربية الأصلية في مكتبة خالد سعود الزيد صدر عام 1990م. بالاشتراك مع الأستاذ عباس يوسف الحداد.

19- (بين واديك والقرى) ديوان شعر صدر عام 1992م.

20- الشجرة المحمدية تأليف محمد بن أسعد الجوّابي (تقديم وتعليق).

21- أدب الرحلات في المجلات الكويتية.

22- عمانيات.

23- إطلالة على سيف كاظمة (تجميع لمذكرات ومحاضرات ومقالات منشورة وغير منشورة للأديب بعد وفاته 2003 من إعداد الدكتور عباس الحداد)

24- الأعمال الشعرية الكاملة لخالد سعود الزيد 2006 تجميع الدكتور علي عاشور والدكتور عباس الحداد.


خالد سعود الزيد

الباحث المؤرخ والأديب والشاعر خالد سعود الزيد

من الرواد الذين قدموا عصارة عقولهم وتجاربهم لملاحقة نمو الأدب الكويتي ومازال يتابع هذا النمو الذي هو جزء منه.

ولد خالد سعود الزيد في حي قبلة بالكويت عام 1937م.

تلقى تعليمه في المدرسة القبلية عام 1943م وفي الثانوية المباركية عام 1951م. ظهرت مواهبه الشعرية منذ عام 1953م – 1954م.

في عام 1966م صار عضواً في مجلس إدارة رابطة الأدباء في الكويت.

تولى سكرتارية تحرير مجلة (البيان) وعين رئيساً لتحريرها عدة مرات.

في نهاية عام 1966م انتخبته الجمعية العمومية لرابطة الأدباء أميناً عاماً للرابطة، واستمر في موقعه هذا حتى عام 1972م.

ومنذ عام 1973م حتى شهر يونيو عام 1981م بقي أميناً للسر، ثم عضواً في مجلس الإدارة للرابطة حتى عام 1983م.

شارك في معظم الأسابيع الثقافية والندوات مشاركة فعالة، وألقى عدداً من المحاضرات في جامعات عربية وأجنبية.

عضو لجنة نصوص الأغاني في وزارة الإعلام، وكان رئيساً لها عام 1977م.

عضو في المجلس الاستشاري للإعلام منذ عام 1991م وحتى 1993م.

يملك ثروة من الكتب الأدبية والتراثية القديمة إلى جانب الكتب الصوفية التي تحتل المكانة الكبيرة في مكتبته، والمكتبة، كما ذكر صاحبها في الجزء الأول من كتابه (أدباء الكويت في قرنين) 1967م، مفتوحة الأبواب لمن شاء أن يستزيد البحث، ويستقصي في الدراسة، وهي تحتوي على اثني عشر ألف كتاب في شتى علوم الثقافة والفكر والآداب وتفسير القرآن.

كان يملك أكبر عدد من المخطوطات القديمة، تمّ الاستيلاء عليها عند غزو دولة الكويت. كتب وقدّم للإذاعة الكويتية برنامجاً ثقافياً أدبياً بعنوان (قبسات أدبية).

خالد سعود الزيد عاش المعاناة مع الحرف والكلمة، مضحياً بوقته وراحته ليقدم الوقائع والحقائق التي عاشها وتقلب في أوساطها، وألف مناخها ومهد سبلها إلى الباحثين وعشاق الأدب، ليتيح لهم فرصة الاستزادة، ويغنيهم من عناء البحث في المراجع.

إذا أراد باحث أن يغوص في سيرة الأدب الكويتي الحديث، ويتفحص ملامحه الشعرية والأدبية فلا بدّ أن يلجأ للأديب خالد سعود الزيد الذي يعتبر رمزاً وسجلاً لتاريخ الحركة الأدبية والفكرية في الكويت.

هو أول أديب كويتي يحصل على جائزة الكويت في الآداب لجهوده، ودوره الكبير في التأليف والتأريخ للأدب في الكويت.

في عام 1982م حصل على جائزة معرض الكويت الثامن للكتاب العربي عن كتابه (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الثالث.

في عام 1984م فاز كتابه (فهد الدويري) شيخ القصاصين الكويتيين كأحسن كتاب في معرض رابطة الأدباء الأول للكتاب العربي.

في الثالث والعشرين من شهر أكتوبر عام 1984م، نال شهادة التقدير من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، نظراً لجهوده الكبيرة في التأليف والتأريخ للأدب الكويتي.

صدرت له العديد من المؤلفات التي تعتبر مراجع أساسية ومهمة لخدمة الحركة الفكرية في الكويت والخليج، والوطن العربي.

المؤلفات (إعادة سرد):

من الأمثال العامية. صدر عام 1961م، وأعيدت طباعته عام 1977م. (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الأول صدر عام 1967م وأعيدت طباعته في نفس العام. والطبعة الثانية عام 1976م، وهو كتاب قيّم وأشهر ما عرف لخالد سعود الزيد من آثار؛ ويعتبر وثيقة أدبية تؤرخ لأكثر من جيل من أدباء الكويت. خالد الفرج حياته وآثاره طبع عام 1969م، والطبعة الثانية عام 1980م. (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الثاني، صدر عام 1981م. عبد الله سنان، دراسة ومختارات بالاشتراك مع الدكتور عبدالله العتيبي صدر عام 1981م. (صلوات في معبد مهجور) ديوان شعر صدر عام 1970م، وأعيدت طباعته عام 1983م. (أدباء الكويت في قرنين) الجزء الثالث صدر عام 1982م. الكويت في دليل الخليج (السفر التاريخي والسفر الجغرافي) صدر عام 1981م. قصص يتيمة في المجلات الكويتية، مسرحيات يتيمة في المجلات الكويتية، مقالات ووثائق عن المسرح في الكويت، سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية، شيخ القصاصين الكويتيين فهد الدويري حياته وآثاره، كلمات من ألواح ديوان شعر، الشاعر محمد ملا حسين حياته وشعره، ديوان خالد الفرج تقديم وتحقيق، فهرس المخطوطات العربية الأصلية في مكتبته، (بين واديك والقرى) ديوان شعر.


إلى خالد سعود الزيد في ذكراه السادسة - د. علي عاشور

ما أحسب أن ما يجري يخفى عليك وأنت في جوار ربك الكريم؛ ففلسطين شَطرها أهلها إلى فلسطينين، ولبنان مقسوم بين المعارضة والموالاة، ونواب الأمة في بلدنا يقذف بعضهم بعضاً بشر التهم وأسوأ النعوت.

تحل ذكراك السادسة يا معلمي ورمضان في خواتيمه، والعيد على الأبواب، ولست أدري لمَ يُلحّ عليّ خاطر الكتابة عنك في اليوم الخامس عشر من رمضان... هل لأنه ذكرى ميلاد الحسن بن علي عليهما السلام اللذين عشقتهما، وامتلأ قلبك الكبير بحبهما؟ أم لشوق نَزَع بي إلى قراءة كتاب «الشجرة المحمدية»؛ ذلك الكتاب الذي قدّمت له وقمت بتحقيقه وأهديته إلى الإمام الحسن هدية المفتقر إلى عطاء الله الأسنى؟... لست أدري.

كل ما أدريه أنني طالعت الكتاب مرة ومرة، وعادت بي الذكرى إلى الرحلة التي قمت بها إلى مدينة فاس في المغرب الأقصى، استأذنتك يومها في نُسخ من الكتاب لأهديها إلى الأشراف الحسنيين في تلك المدينة العريقة، ولست أنسى قولك لي: أبلغ سلامي إلى سيدي عبدالعزيز الدباغ، واقرأ عنده الفاتحة عني.

وأذكر أنني تعرفت إلى أحد الأشراف العلويين وأهديته الكتاب، فما كان منه إلا أن أخذ الكتاب ووضعه على رأسه؛ تكريماً له ولشرف موضوعه، منتهى سدرة الإنسان الكامل، وملتقى الدهور والآباد، بكراً يتجدد، وحضورا أبديا لا يبلى ولا ينفد.

وأذكر أن هذا الشريف العلوي أخذ مني بعض النسخ، وطاف بها على «الأدارسة» الحسنيين، يوزعها على خدّام المقامات. قلت لصاحبي: لي عندك حاجة أوصاني بها معلمي؛ وهي زيارة مقام سيدي عبدالعزيز الدباغ. فهلّا أعنتني على قضائها؟ أجاب صاحبي: حبا وكرامة. ثم أشار إشارة العارف بدروب المدينة القديمة إلى أن هذا المقام لابد أن يكون خارج أسوارها. بَيْدَ أنه أخبرني بمكان داخل المدينة القديمة يطلق عليه «الزاوية الدباغية»؛ نسبة إلى الشيخ، ولعلنا إذا ذهبنا معا وسألنا أهل الزاوية فسنجد عندهم الخبر اليقين.

وقد تم الأمر على ما أشار به، وعَرفْنا من أحد الزهاد في تلك الزاوية أن مقام سيدي عبدالعزيز يوجد على التل المطل على المدينة، وأن أعيننا لن تخطئ المقام لبساطته وظهوره، وذهبنا وبَلَغْنا المكان، ورأى صديقي العلوي بعض الفقراء ممن يقرأون القرآن فناداهم، وشرعوا يقرأون بصوت جماعي رائع تؤوب معه الجبال والطير. كانت نفحة روحية مهداة إلى صاحب المقام تحية ممن طلب إليّ تبليغ السلام. وكم كانت فرحة أبي سعود رحمه الله حين أخبرته بعد عودتي بما كان من أمري.

تُرى لماذا أذكر هذه القصة في ذكرى رحيلك؟ أهو الحسن بن علي وذكرى ميلاده؟ أم كتاب «الشجرة المحمدية» الذي كان هديتك إلى الحسن؟ أم رحلتي إلى فاس مدينة أحفاد الحسن؟ أم رمزية الحسن بن علي رمز الوحدة وحاقن دماء المسلمين؟ ربما كان السبب يا معلمي هو كل ذلك، وما أحسب أن ما يجري يخفى عليك وأنت في جوار ربك الكريم.

ها نحن أولاء في هذا البلد الذي أسبغ الله عليه نعمة ظاهرة وباطنة، تمتلئ منا الجيوب فتفرغ منا القلوب، وتشبع الأشباح فتتضور الأرواح، وتمتد العيون وهي تنشد حاقناً جديداً للدماء مثلك؛ كما كنت تجمعنا في مجلسك المبارك الذي يضم شتى الأطياف والأحزاب، ومختلف المذاهب والعقائد، وأصناف الأديان والبلدان، لنكون في هذا المجلس إخواناً على سُرُر متقابلين.

أكتب عنك والعيد على الأبواب، وغداً بإذن الله نزور عزيزنا (سعود) ونحيي أرملتك العظيمة لنفطر على مائدتك، كما كان العهد بنا في حياتك، فو الله ما غابت «استكانة» شايك عن أعيننا، ولا ابتسامتك الأبوية التي تحتضن كل محبيك.

تلميذك - د. علي عاشور


المصدر: منتدى تاريخ الكويت - قسم التاريخ الأدبي
https://www.kuwait-history.net/vb/showthread.php?t=298