أترعي الأقداح يا حوّا ⁘ فإن الليل عسعس
وينم الورد إن شاء ⁘ إذا الصبح تنفّس
وأديري الكاس باللَه ⁘ فما أعطش قلبي
فابنةُ العنقود تحيي ⁘ كلّ ميتٍ إي وربّي
لا تخافي غفل الواشي ⁘ ونام الرقباء
فاسفري يا ربّة ⁘ الحسن وعنوان الوفاء
لأرى الطّرف الذي كم ⁘ صرع الصبّ أحوراره
وأرى الخدّ الذي كم ⁘ أخجل الورد أحمرارُه
وأرى الثغر الذي أح ⁘ لى من الخمر رضابه
وأرى الجفن الذي كم ⁘ مزّقت قلبي حرابه
وأرى الجيد الذي كم ⁘ تيّم الريم جماله
وأرى القدّ الذي كم ⁘ أدهش الغصن اعتداله
عانقيني صدق اللَه ⁘ فبعد العسر يسرا
سكرت روحي فهل ⁘ روحك يا حوّاء سكرى
لم يرق لي العيش لو ⁘ لاك فيا حوّا أفيقي
أنت أمّي وأبي ⁘ أنت خليلي وشقيقي
وارقصي فالقلب ما ⁘ بين الحنايا قد رقص
ودعينا ننتهز يا ⁘ ربّة الحسن الفرص
وضعي رأسك في أحض ⁘ ان من يخشى عليك
وأنعمي بالا ونامي ⁘ فأنا طوع يديك
وهزار الدوح غنّى ⁘ فإذا لاح الصباح
فلننم نوما هنيئا ⁘ وحمام الأيك ناح
فلنفق كي نحتسي يا ⁘ سلوة الروح الصبوح
ودعي الأزهار والأطيار ⁘ إن شاءت تبوح
من رآنا يا حياة ⁘ الروح في هذي الجنينه
خالنا قيساً وليلى ⁘ أو جميلا وبشينه
إن نمت ايتها العذراء ⁘ إن الحب خالد
يا ملاك الموت خذها ⁘ روح معبود وعابد
أنا قيس في هواها ⁘ وهي في حبي ليلى
عاشقان امتزجا ⁘ والتقيا سرّا لكيلا
أخي مطلقٌ والقلب مني مشبع ⁘ بهم تنوء الراسيات بحمله
فعطفاً على فرد شقي بعيشه ⁘ فليس شقيا في الحياد كمثله
عهدتك ندباً كاملاً ذا مكارمٍ ⁘ فتى أريحي الكف يزهو بخلقه
فديتك اسعفني بعطفك إنني ⁘ أغار علي البؤس وحدي بجيشه
فديتك فاطلق اسر فهد فإنه ⁘ مقر بفضل منك يعنو بأسره
تريث إلى أن يأتي الفرج الذي ⁘ به دينكم تشتاق نفسي لدفعه
أسفر الصبح قم نحيي الصباحا ⁘ يا منى القلب واترع الأقداحا
واصح وافتح طرفا مريضا صحيحا ⁘ إن قلبي يهوى المراض الصحاحا
وأعر طلعة الصباح ضياء ⁘ من محياك كم أعرت الصباحا
يا حبيبي كفى مناما فهيا ⁘ نتساقى على الرمال الراحا
أطفا الصحو مشعلي فاسكب ال ⁘ زيت وأشعل بربك المصباحا
وأدرها علي جهرا فإن ال ⁘ راح أمست للعاشقين مباحا
خمرة تملأ النفوس سروراً ⁘ واغتباطا وتطرد الأتراحا
زعموا أنها فساد فلولا ⁘ أترعوا جامها لشاموا الصلاحا
كذبوا فالفساد ما اقترفوه ⁘ جهرة لم يروا عليهم جناحا
يا ملاكي الصحو قص جناحي ⁘ واصطباحي منها يريش الجناحا
اسقنيها فالصحو شرد أحلام ⁘ فؤادي وما بلغت نجاحا
اسقنيها فالصحو بعثر آلامي ⁘ وأدنى العذال والنصاحا
ها هي الشمس يا حبيبي أطلت ⁘ قم نغني وننعش الأرواحا
فضياها الوهاج ذهب خديك ⁘ وأندى جبينك الوضاحا
ونسيم الصباح في الروض يسري ⁘ عطرا من شذا عبيرك فاحا
قم نغني معا نشيد هوانا ⁘ ونناجي الشويطيء الصداحا
ونناغي الطيور وهي على الشاطىء ⁘ تشدو وتعلين الأفراحا
ثم نلهو على الرمال كطفلين ⁘ ونهتز نشوة ومراحا
وإذا ما افترشت يا حلو أحضاني ⁘ وصيرت ساعدي وشاحا
نم وضع رأسك الجميل على صد ⁘ ري لأجني شقائقا وأقاحا
يا صغيرا أطل من كوة الرؤيا ⁘ على مهجتي ولاح صباحا
أنا بالصحو يا ملاكي جموح ⁘ آه ما ضر لو كبحت الجماحا
يا حبيبي والشمس في كبد الأفق ⁘ سئمت النداء والإلحاحا
أزفت ساعة الرحيل وقد ودع ⁘ مهد الصبا الظبا والملاحا
أنا أخشى عليك من أهلك ⁘ السوء فهلا جعلتني مرتاحا
يا حبيبي تغلغل الألم اللاذع ⁘ في مهجتي وأنكا الجراحا
يا حبيبي تاصل الداء بالروح ⁘ وعز الدوا فناح وباحا
يا حبيبي تمركز الشجن الصارخ ⁘ بالقلب عنوة واستباحا
قم أثر غافي المخاوف إني ⁘ أبدا أعشق الأسى والنّواحا
قم أثرها حربا عليّ عواناً ⁘ ثمّ دعني معذّبا ملتاحا
فأنا شاعرٌ خلقت لأشقى ⁘ لا لألقى سعادةً وفلاحا
خار عزمي مذ صارعتني الليالي ⁘ ثم ألقيت رغم أنفي السّلاحا
ما الذي أبقت المصائب منّي ⁘ من حياة حتى أو إلي الكفاحا
إيه رُبّان زورقي هاك قلبي ⁘ إنّني قد جعلته ملّاحا
إنّني ههنا على شاطيء الرمل ⁘ أُشاكي النوى مساء صباحا
وأنا ههنا مقيم على العهد ⁘ أناجي الأوهام والأشباحا
ما أعرنا عذل العواذل أذنا ⁘ إذ سمعنا عواءهم والنباحا
أشجى الرفاقَ تأوّهي وتوَجّعي ⁘ وتمنّعي عن شُربها في المقوعِ
وأنا الذي بالأمسِ إن هيَ شُعشعَت ⁘ كم زُفّ لي قدَحي وغَير مُشَعشعِ
احنو عليهِ باسماً طرباً ولا ⁘ عجبٌ ولا حرجٌ حنوَّ المرضِعِ
وأضُمُّهُ شَوقاً قُبيلَ ترَشّفي ⁘ منهُ إلى كبدي وقلبي المولعِ
وأقولُ للاحي به ذَرنى ولا ⁘ تنهَق فما أنا من ذواتِ الأربعِ
يادنُّ لا تنضُب ويا نَدمانُ خُذ ⁘ وعليّ يا ساقي ويا قدَحُ أصرعِ
ولكمَ شدَوتُ يوحيهِ ولكم وكم ⁘ أطرَبتُ من خلّ أديبٍ لو ذعي
العَسكريّاتُ الرقاقُ شَواهدٌ ⁘ سلها تُجِبكَ عن الهزارِ المبدعِ
واليومَ قد آليتُ لا أحسو الطلا ⁘ رغمَ الصدى إلّا وأنتِ معي معي
ليلى أأشرَبُها وكاسُكِ فارغٌ ⁘ إني إذاً صبٌّ وحقِّكِ مُدّعي
أعلى زفيرِ جهنّمٍ وجهنّمٌ ⁘ بزفيرِها وشهيقَها في أضلُعي
أم وَحشتي يا للعناء وحيرتي ⁘ وأنا المشردُ في عراءٍ بَلقَعِ
أم حرقَتي وهواجسي ووساوسي ⁘ وتذمّري وتمَلملي في مضجعي
من لي بإنسانٍ يواسيني إذا ⁘ ما هاجتِ الذكرى ويَمسَحُ أدمعي
وطني وكيفَ يعيشُ مثلي بُلبُلٌ ⁘ ما بينَ ثُعبانٍ يفُجُّ وضِفدعِ
في أسرةٍ نَقَمَت عليَّ لرأفتي ⁘ بفقيرها وصَراحتي وترَفّعي
جار الزامانُ فيا أساوِدَها الدغي ⁘ وطغى القضاءُ فيا ضفادِعها اشبَعي
ما كان مورِديَ الحميمُ لو أنّني ⁘ مَيتُ المشاعرِ لا أحِسُّ ولا أعي
غبنٌ يشفُّ الروحَ أن تتفَتَّحَ ⁘ الأورادُ بين الوحلِ والمستنقَعِ
وطني ولي حقٌّ عليكَ أضعتَهُ ⁘ وحفِظتَ حقَّ الداعر المتسَكّعِ
فلو أنّ لي طبلاً ومِزماراً لما ⁘ أقصَيتَني أو أنّ لي في المخدعِ
هذي عقوبةُ مَوطني وجنايَتي ⁘ هيَ أنّني لتيوسِهِ لم أركَعِ
فَقَبَعتُ في داري كصَقرٍ شاكياً ⁘ ولو أنّنا في غيرهِ لم نَقبَعِ
فلسَوفَ أمكثُ فيه ما شاءَ القضا ⁘ ولسَوفَ أرحَلُ عنه غيرَ مودعِ
فاطوي شباكَكِ يا هلوكُ فما أنا ⁘ بالخائنِ المتلَوّنِ المتصَنّعِ
خُلِقَ الأثيمُ مُبَرقَعاً فثوى به ⁘ وأنا خُلِقتُ وعِشتُ غيرَ مُبَرقعِ
وَطني شكَوتُ لك الصدى فملأت لي ⁘ كاسي وغيرَ الصاب لم أتجَرَّعِ
وَوَأدتُ في فجرِ الشباب مآربي ⁘ وبكيتُها يا ليتَهُ لم يطلعِ
لهفي على قلبي الجريح ولَوعَتي ⁘ ماذا جنى يا لَيتَني لم أزرَعِ
ألقردُ أضحى لاعباً في ملعَبي ⁘ وغدا ابنُ آوى راتعاً في مَرتَعي
اللَهُ أكبرُ كيفَ يُحفَظُ حقُّ مَن ⁘ ركِبَ الخنا ويُداسُ حقّ الألمعي
بل كيفَ يُمسي ذلك الباغي وقد ⁘ ثَبَتَت إدانَتُهُ ويُصبحُ مُدّعي
أمنَ العدالة ربّ أن أشقى وأن ⁘ أشكو جراحي مُكرَهاً للمِبضَعِ
وطني وللدارِ الجديدةِ جارةٌ ⁘ لولا هواها عشتُ غيرَ مُضَيّعِ
لم تَبلُغِ العشرينَ ذات وسامَةٍ ⁘ ورشاقةٍ وتدَلّلٍ وتمَنّعِ
والحبّ قهّارٌ ولولا قيدهُ ⁘ لسَمِعتَ في الفَيحاءِ ما لم تَسمَعِ
من عَندليبٍ إذ رمَيتَ أصَبتَهُ ⁘ فهوى ومَن للعَندليبِ الموجَعِ
فلعلّ ليلاهُ تريشُ جناحَهُ ⁘ ما كان أشوَقهُ لتلكَ الأربُعِ
بكرومِها وظِبائِها وجنانها ⁘ بزُهورِها وعبيرَها المتَضَوّعِ
شوقي لها أوّاهُ من شوقي لها ⁘ شوقي لليلى والليالي الأربعِ
وطني وما يوم الرحيل بشاحطٍ ⁘ عن شاعرٍ مُتَوجّع مُتَقَطّعِ
قلقٍ آذابَ الهمُّ حبَّةَ قَلبهِ ⁘ فتَرَقرَقَت في مقلَةٍ لم تهجَعِ
ناجي رؤاهُ فيا بلابلُ ردّدي ⁘ وبكى مُناهُ فيا حمائِمُ رجّعي
يَستعرضُ الماضي بطرفٍ دامعٍ ⁘ وبخافقٍ في الذكرياتِ موزّع
ما خرّ قطّ لغيرِ ليلى ساجداً ⁘ ولغير سلطانِ الهوى لم يَخضَعِ
لم يَشدُ إلّا باسعِها وجمالِها ⁘ وبغير وحيِ ضميره لم يَصدَعِ
كم باتَ ينشدُ في الدياجي طيفَها ⁘ ويبثّهُ الأشواقَ حتّى المطلَعِ
مُتدلّهٍ يَبكي ويَلثُمُ رَسمَها ⁘ ويَضُمُّهُ لفؤادهِ المتقَطّع
وعلى شذا منديلها كم سَكرةٍ ⁘ لفؤادهِ المتلَهِّفِ المتطَلّعِ
فمتى يُحلّ إسارها ليحلَّ في ⁘ تلك الرياضِ مع الطيورِ السّجعِ
أوقِديها وذَريها في حشايا ⁘ تحرقُ القلبُ وتجتاحُ الحَنايا
أوقِديها نارَ شوقٍ جامحٍ ⁘ نارَ حِرمانٍ تَلَظّى يا منايا
مرحَباً بالهمّ بالأوجاعِ في ⁘ ساعةٍ تَغمُرُها ذكرى هوايا
مرحَبا بالآهِ والالام في ⁘ صادقِ الحُبِّ وأهلاً بالرّزايا
أوقِديها لا تقولي حسبَهُ ⁘ جورُ دُنياهُ وإجحافُ بنيها
فَرَهينُ الوجدِ لا توهِنهُ ⁘ قسوةُ الدنيا وما يَلقاهُ فيها
وأذى الناسِ وأوصابُ الصدى ⁘ لا تُعيريها اهتِماماً وازدَريها
لا تقولي إنّني أخشى الردى ⁘ والتجَنّي لا تقولي أوقِديها
أوقِديها يا ابنةَ النورِ فقد ⁘ خبَتِ النيرانُ نيرانُ النوى
أسعِدي اللوامَ أشقيني فها ⁘ كان ما شاؤوا وزيديني جوى
وانكاي بي كلّ جُرحٍ ودَعي ⁘ جرحَ قلبي إن يكُن عنكِ ارعوى
أنا أهوى فيكِ موتى ناشداً ⁘ كلَّ آسٍ لي يَرى الموتَ الدوا
أوقِديها واصهري إحساسَ مَن ⁘ جمَدَ الإحساسُ في أغوارهِ
وهوَ يرجوكِ مُصِرّاً ولقَد ⁘ أشهدَ اللَهِ على إصرارهِ
لم يجد للحُبّ في فردَوسهِ ⁘ لذَةٌ إن عَبَّ من أنهارِه
لم يجد وهو الذي يشكو الصدى ⁘ نشوةً مثلَ التي في نارهِ
أو قديها إن أُفقي غائمٌ ⁘ وغُيومِ الأفقِ لا تقتُلُني
وسهامُ الموتِ طاشَت في الفَضا ⁘ وجناحي لم يعُد يحمِلُني
وابنُ جَنبي باتَ في محرابهِ ⁘ خافقاً نحوَ الردي يُعجِلُني
يطلبُ الحتفَ الذي يصبو لهُ ⁘ خاشعاً ملتَمساً يسألُني
أوقِديها علّني أهدي بها ⁘ قلبيَ الغارقَ في لجّ العُباب
علّني أرشِدُ إن أوقَدتُها ⁘ ذلكَ الضائِعَ منّي في الضباب
أو عسى تُدرِكُ فيها النفسُ ما ⁘ تَبتغيهِ من أمانٍ ورِغاب
أو عَساها تَبلغُ القصدَ الذي ⁘ عَمِيَت عنهُ وَقَد يَعمى الشَباب
أوقِديها رُبَّما تُلهِمُني ⁘ صادقَ الإلهامِ والوَحيِ الطليق
رُبَّما يَصهَرُ قيدي حرَّها ⁘ فأناجيكِ وقد يوحي الحريق
مودِعاً في كلّ لحنٍ دامعٍ ⁘ من نشيدي أنّةَ القلبِ الرفيق
أنّةً تُنسيكِ إن أرسَلتُها ⁘ زَفرةَ الصادي وغصّاتِ الغَريق
أوقِديها واترُكيني واجماً ⁘ رامياً بالنارِ أطيافَ صِبايا
واندُبي عهداً مضى كُنتُ به ⁘ حائراً أسألُ أشباحَ العَشايا
وإذا ما خَبَتِ النارُ غداً ⁘ ومن الآمالِ أدرَكتُ مُنايا
وإذا ما أسدَلَت أستارَها ⁘ وانتهى الدورُ اذكري أولى الضحايا
أي وعينيك فاض كأس غرامي ⁘ يا حبيبي وما بلغت مرامي
يا حبيبي تلك الدعايات لم ترو ⁘ وربّي صدى فؤادي الظامي
يا أسيل الخدّين باللَه هب لي ⁘ قبلةٌ من لماك واشف أوامي
بحقوق الحبّ المبرّح إرحم ⁘ وتصدّق بها على المستهام
يا حبيبي رحماك أنهكني الصحو ⁘ وفي ثغرك الجميل مدامي
أمن العدل أن تجرّعني الصاب ⁘ دهاقاً جاما على إثر جام
وأقاسي من الضنا والسقام ⁘ ما أقاسي وأنت تلهو أمامي
يا حبيبي وللفؤاد طوافٌ ⁘ فارعه حول ثغرك البسّام
يا حبيبي إليك فوّضت أمري ⁘ رغم أنف الوشاة واللوام
هاك قلبي وهاك عقلي وروحي ⁘ يا ملاكي وخذ إليك زماني
أنت ألهمتني القريض فأنصت ⁘ لنشيدي يا مصدر الإلهام
واصغ يا منيتي ومشعل روحي ⁘ بسكون الدجى إلى أنغامي
ساهراً حول شاطىء الرمل وحدي ⁘ نادبا شاكيا بجنح الظلام
وأنادي والقلب ذاب وجفّ ال ⁘ كاسُ أين الطلا وأين غلامي
وإذا ما بدا الصباح وبُحّ ⁘ الصوت منّي وسال جرحي الدامي
أدبر الليل حاملاً زفراتي ⁘ وأنيني وتاركا آلامي
يا حبيبي إليك وجّهت وجهي ⁘ أي وعينيك طيلة الأعوام
كيف لا والجمال فيك تجلّى ⁘ وبه قد عبدت ربّ الأنام
لك ثغر يفترّ عن بسمات ⁘ ضوؤها أيقظ الشعور السامي
بسمات ما افترّ مبسمك الور ⁘ ديّ عنها إلّا وطاطأت هامي
تتجلّى بها البراءة والطهر ⁘ وهذا وتلك سرّ غرامي
وحديث كم هزّ أوتار روحي ⁘ ودلال ألذّ من أحلامي
وطباع أرقّ من بسمة الفجر ⁘ وصوتٌ يزري بشدو الحمام
ومحيّا ملائكيّ جميل ⁘ في فضا الروح لاح بدر تمام
وبروحي روح أخفّ وأتقى ⁘ من رحيق الصباح بالأكمام
وقوام أين الأماليد منه ⁘ بالتثنّي أجمل به من قوام
يا حبيب الفؤاد زدني غراما ⁘ بخضوعي لديك واسترحامي
أنت تدري بأنّني بك صبٌّ ⁘ لست أعمى يا أيّها المتسامي
أصدر الحكم إنّ حكمك عدل ⁘ أنا راضٍ لو جرت بالأحكام
يا حبيبي حتّام أكتم حبّي ⁘ أي وعينيك فاض كأس غرامي
أيهذا الشاعر المغ ⁘ ترب الباكي أصيلا
حبك اللَه تجلّد ⁘ واتئد واهدأ قليلا
وأصخ لي واتخذني ⁘ يا أخا البؤس خليلا
فكلانا لم يجد إلّا ⁘ إلى الآل سبيلا
يا رفيقي يا رسول ⁘ الحب في دنيا القلوب
ما الذي أشجاك هل ⁘ سخرية الآل الكذوب
أم شحوب الشّمس أم ما ⁘ تركت بعد الغروب
أم هجوم الليل بالأشبا ⁘ ح في الشاطي الصخوب
كفكف الدمع فما ⁘ أثمن دمع البؤساء
هو عند اللَه أزكى ⁘ من دماء الشهداء
وادّخار ما تركت ⁘ منه العوادي للشتاء
عندما تهتف ذكرى الصب ⁘ ح في صمت المساء
هاك كوبى واغتبق في ⁘ مأتم الفصل الغضوب
علّ في النّهلة ما ينفي ⁘ ولو بعض الريوب
والتمس للنفس والقلب ⁘ عزاء في شحوبي
فالخطوب الغبر لم تت ⁘ رك بكفي غير كوبي
يا طريد الدهر والنح ⁘ س قرين الشعراء
سائل الليل فبي ما ⁘ بك من داء عياء
وكلا الداءين من دن ⁘ يا المآسي والعناء
فالأذى والبؤس فيها ⁘ حظّ أبناء السماء
إن تسلني فأنا ابن ⁘ الريب مذ كنت صبيا
آه ما اشقى الذي ⁘ يوهب حسّا شاعريّا
الشجي والأرق امتصّا ⁘ السّنى من مقلتيّا
كذبوا واللَه لم اطف ⁘ يء سراجي بيديّا
كم رمى الأوغادُ والأه ⁘ دافُ أقذاذ كرام
آثروا الصّمت وغب ⁘ ن ان يصابوا وحرام
وقديما قالها شاع ⁘ رنا الفحل الهمام
ما أنا منهم ولكن ⁘ معدن التبر الرغام
الأكاذيب وقد طال ⁘ سكوتي والقعود
أصبحت رائجةً لا عاشَ ⁘ في الناس الحسود
يوقد النار فيصلاها ⁘ وتخبو فيعود
والأراجيف سلاح ⁘ والنعامات جنود
آه من عاصفة هوجاء ⁘ في نفسي الشقيّه
زلزلت قلبي وأودت ⁘ برؤاه الذهبيّه
أنا في طخياء كم للهم ⁘ فيها من ضحيه
لم تغيّب شاعرا إلّا ⁘ ووافته المنيّه
إعزف على العود يا معبودي الثاني ⁘ وغنّ يا حب أنت الهادم الباني
إعزف على العود إن الشك ساورني ⁘ يا سلوة القلب وابعث ميت أشجاني
وهاتها يا غذاء الروح أغنية ⁘ تحيي الرجاء بقلب البائس العاني
يا ساجي اللحظ والأحلام شاردة ⁘ اسرع بربك وأملا كأسي الثاني
واترع لنفسكَ أخرى يا حبيبي من ⁘ خمر العراق ودع صهباء إيران
ما كان أطيبها صرفاً وأعذبها ⁘ ممزوجةً فاسقنيها وأجلُ أحزاني
إنّي لأشتمُ عطر الرافدين بها ⁘ نشر الخزامى وعبق الآس والبان
وكم رأيتُ ظباء الكرخ سارحة ⁘ بالسكر ما بين أورادٍ وغدران
قُم واسكُب الروح أنغاماً على مهل ⁘ فما لديّ سواها فهيَ قرباني
ولنصطبح بحميا زحلةٍ وإذا ⁘ فرغت عن اسلمي يا أرض لبنان
إعزف على العود ولنسكر ولا حرج ⁘ ولنحي ميت الأماني بابنة الحان
هنا الهوى وأغانيه العذاب هنا ⁘ عرائس الوحي ألقاها وتلقاني
هنا الرمال هنا الأمواج راقصة ⁘ وههنا صغتُ أشعاري وأوزاني
هنا الرحيق المصفّى والرؤى وهنا ⁘ ملهى اللآلىء من حور وولدان
هنا كؤوس الحميا كم وكم خطرت ⁘ تختال ما بين سماري وندماني
يا مهبط الوحي يا ملهى طفولتنا ⁘ أوّاهُ ليت الذي أهواهُ يهواني
علّلتُ نفسي فلا الآمال صادقة ⁘ وضقتُ ذرعاً وفرط الشوق أضناني
فالطرف جفّ وسال الروح من شجنٍ ⁘ دمعا وفاضت به ويلاهُ عينان
يا مرتع الروح والأشجان ثائرة ⁘ إني على العهد ما كرّ الجديدان
جاء الشتاء وولّى الصيف واأسفا ⁘ أما سمعت بجنح الليل ألحاني
قد جئتُ وهنا وآمالي محطمةٌ ⁘ لكي أبثّك أشواني وأشجاني
فلا شويطئك الرمليّ اطرَبني ⁘ كلا ولا موجه الفضي وأساني
ولا الأصائل والأسحار باسمةٌ ⁘ ولا نسيمك لما مرّ عزّاني
فالحبّ داء عضال لا دواء له ⁘ فلا يغرّنك ما يبدي الحبيبان
إغتال قلبي يا له من جائر ⁘ وأراني دمه في ناظري
وعجيب كل ذا من هاجري ⁘ وإذا مثّلته في خاطري
صفّق القلب إليه وهفا ⁘ أخبروا من صدّ عنّي وغوى
لست اسلوه وإن طال النوى ⁘ رغم ما قاسيت من جور الجوى
أنا سهران على عهد الهوى ⁘ لم أنم وهو بعهدي ما وفا
لست بالسالي ولا بالصابر ⁘ فحبيبي لم يزل في خاطري
آه ما قولكم بالنافر ⁘ أنا لو ناديته يا هاجري
هذه روحي فخذها ما احتفى ⁘ من لصبّ بات منهوك القوى
داؤه استعصى وأضناه الجوى ⁘ هكذا يعمل بالصبّ النوى
فصفا لي يا خليليّ الدوا ⁘ وأرى الحيلة أن لا تصفا
بحقوق الحبّ يدري مجحف ⁘ وبتعذيبي حبيبي مسرف
لم أزل والوجد روحي متلف ⁘ مستهام في هواه مدنف
أترضّى مستهاما مدنفا ⁘ هل يقاسي ما أقاسي أحد
فعسى الآمال يحييها غد ⁘ ويفي بالوعد ظبي مفرد
صح لي في السر منه موعد ⁘ ثمّ ما صدّقت حتى أخلفا
إني بحبك كم عذول لامني ⁘ كم مرّة بالنوم طيفك زارني
شرك الجمال لقيته فاصطادني ⁘ يا جارة الوادي طربت وعادني
ما يشبه الأحلام من ذكراك ⁘ إياك والهجران فاتنة الورى
أخشى من الهجران ألتحف الثرى ⁘ قسما بربّ البيت مثلك لن أرى
مثّلت بالذكرى هواك وفي الكرى ⁘ والذكريات صدى السنين الحاكي
أخت الغزالة هل أراك بخلوة ⁘ يوما من الأيام هل من زورة
إن كنت عاقبت المحبّ بجفوة ⁘ فلقد مررت على الرياض بربوةٍ
غنّاء كنت حيالها ألقاك ⁘ تاللَهِ ما أحلى اللقا بعد النوى
قبل اللقاء تحطّمت منّي القوى ⁘ لما انتهى أمد الفراق وما حوى
لم أدر ما طيب العناق على الهوى ⁘ حتى ترفّق ساعدي فطواك
نظرت إليّ فقلت رحماك اغمدي ⁘ هذا المهنّد لست جار معتدي
أنسيت يوم جعلت خدّك مسجدي ⁘ وتأوّدت أعطاف بانك في يدي
يا ظيبة الوادي وناهبة الحجى ⁘ أنسيت يوم بعثت في قلبي الرجا
أنسيت يوم أتيت في غسق سجا ⁘ ودخلت في ليلين فرعك والدجى
ولثمت كالصبح المنوّر فاك ⁘ داعبتها فاستضحكت وتمايلت
وضممتها فترنّحت وتباعدت ⁘ أفتذكرين إذ الصدور تقاربت
وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت ⁘ عينيّ في لغة الهوى عيناك
قسما بحسنك وهو حسن مفرد ⁘ قسما بشعرك وهو فاحم أسود
قسما بخدّك بالحيا متورّد ⁘ لا أمس من عمر الزمان ولا غد
جمع الزمان فكان يوم لقاك
اذكُريني كلما هبّ الندامى ⁘ لِتَحسّيها غَبوقاً وصبوح
وإذا ما هزّتِ الذكرى الحماما ⁘ فغدا في الدوح يشدو وينوح
اذكريني كلّما زفَّ الشمول ⁘ ذاتُ دلٍّ ودَلالٍ أو غُلام
وإذا ما استَرجَع الشربُ العقول ⁘ فغَفوا تكلاهم عين السلام
اذكريني كلما آذارُ وافى ⁘ وارتمى سكرانَ ما بين يديك
وإذا نيسانُ عاطاكِ السلافا ⁘ وحنا شوقاً وتحناناً إليك
اذكريني كلما هام الفراش ⁘ لارتشاف الراح من ثغرِ الزهور
وإذا ما هاجَكِ الشوقُ وجاش ⁘ صارخاً في نفسكِ الولهى الشعور
اذكريني كلّما ناغى الهزار ⁘ ثملاً أفراخهُ عند الشروق
وإذا ما هزمَ الليلُ النهار ⁘ واستثارَ الوُرقَ تنحابُ المشوق
اذكريني كلما الشمالُ هبّت ⁘ وسرَت يا زينةَ الدنيا جنوب
وإذا ما صحَتِ الطيرُ وعبّت ⁘ خمرَةَ الفجرِ على نفحِ الطيوب
اذكريني كلما النايُ ترنَّم ⁘ وهفا قلبٌ على قرعِ الكؤوس
وإذا ما شاعرُ الحيِّ تألَّم ⁘ فبكى في الشجنِ واستبكى النفوس
اذكريني كلّما الصيفُ أتى ⁘ يحملُ البشرى لأرباب الغرام
فالتقَت كل فتاةٍ وفتى ⁘ فإذا الدنيا سلامٌ وابتسام
اذكريني كلما نام السكارى ⁘ بين أحضانِ الرمال الناعمَه
وإذا ما سامرَ الموجُ السهارى ⁘ حولَ هاتيكَ الصخورِ الجائمَه
اذكريني كلّما لاح أخوك ⁘ في السماءِ اللازوردية ليلا
وإذا ناجيتهِ لافُضَّ فوك ⁘ في سكون الليلِ يا ليلى لكَيلا
اذكريني كلما جاء الخريف ⁘ ناثراً ما نظَمَت كفُّ الربيع
ما حيّا كل أنيقٍ ولطيف ⁘ ماسخاً كل جميلٍ وبديع
اذكريني كلّما حلَّقتِ فجرا ⁘ وانتشَت روحك في دنيا الخيالِ
اذكريني يا فتاتى ربّ ذكرى ⁘ قرَّبَت من نزَحا رغمَ الليالي
آه يا حُبُّ ولم أشكُ ملالا ⁘ فاضت الكأسُ فرُحماكَ بحالي
قدرٌ سلّطهُ اللَهُ تعالى ⁘ قطعَ اليُمنى ولم يترُك شمالي
أيهذا الليلُ والصمتُ الرهيب ⁘ جدّدِ اللوعة في القلبِ الطعين
أينَ قيثاري وكوبي والحبيب ⁘ وشموعي ونديمي واحنيني
يا ملاهي الصحب في تلك الرمالِ ⁘ أنا مذ أقفرتِ في عيشٍ مرير
أنا موتورٌ ولكن ما احتيالي ⁘ آه وأشواقي إلى اليومِ الأخير
أنا إن متُّ أفيكُم يا شباب ⁘ شاعرٌ يرثي شبابَ العسكَرِ
بائساً مثليَ عضَّتهُ الذئاب ⁘ فغدا من همّهِ في سَقَرِ
يا رفاقي أكؤس الصبا المريره ⁘ أجَّجَت نار الأسى في أضلُعي
فإذا ما انطَلَقت روحي الأسيره ⁘ فادفنوا كوبي وقيثاري معي
فاشهقي يا روح وازفِر يا سعير ⁘ واضطَرِب يا عقلُ واشرُد يا أمَل
وأجر يا دمعُ وأقبل يا نذير ⁘ وأبكِ يا قلبُ وأسرِع يا أجَل
واصرخي يا ريحُ وانحَب وتَر ⁘ واعبسي يا كأسُ واغرُب يا قمَر
وتعالى ودّعي قبلَ السفَر ⁘ بُلبُلاً قصّ جناحَيهِ القدَر
بأبي وأمّي من مدَدتُ لها يدي ⁘ بعدَ العِشاءِ مصافحاً في الأحمدي
غيداءُ عرَّجَ بي عليها أغيدٌ ⁘ في دارها أنعِم بذاكَ الأغيدِ
لبيتُ داعيها وصافحَ قلبَها ⁘ قبلَ اللقا قلبي وقبلَ تقيّدي
ذُقتُ الهوى وكأنّني ما ذُقتُه ⁘ حتى دخَلتُ ولامست يدها يدي
ألَّفتُ بينَ جمالهِ وجمالِها ⁘ في ليلَةٍ أدمَت قلوبَ الحُسّدِ
قد كان لي رأي فلما زرتُها ⁘ أيقنت أن الحسن حسن الخرّد
أكذا الهوى ومذاقه في فجره ⁘ ما كان أحلى الحب عند المولدِ
الآن طب يا قلبُ وارقص في السما ⁘ فلقد سقتك وجنّحَتكَ وعربد
والآن يا روحي الحبيسة رفرفي ⁘ واستلهميها في السماء وأوردي
والآن يا نفس اطمئني واشهدي ⁘ أن لا حبيب سوى فتوح وأشهدي
إني أعود بحسنها وبقلبها ⁘ وبروحها من كل واشٍ مفسدِ
وألوذ من كبد الحسود بجفنها ⁘ وبقدها من شر كل مفند
شرقيةٌ تسبيك لا غربية ⁘ بجمالها الموهوب فاعشق وافتد
ملكت علي مشاعري بحديثها ⁘ وبلطفها وذكائها المتوقد
فملاحةٌ وسماحة وصراحةٌ ⁘ ورجاحةٌ بالعقل فاشكر واحمد
دنيا من الأشذاء والأضواء في ⁘ فستانها الزاهي الرقيق الأسود
أين الغزالة في الضحى من دلها ⁘ وبهائها فاخشع وكبّر واسجد
أينَ الزهور إذا الزهور تفتحت ⁘ عن لؤلؤٍ في طيبها وزمرد
أين القطا والبان إن هيَ أقبَلَت ⁘ بتمايل أو أدبرت بتأود
بمهفهف وبأتلع وبناعس ⁘ وبأشقرٍ ومقرمزٍ ومورد
أينَ الأسنّةُ والظبي من جفنِها ⁘ ذرها تصولُ على القلوبِ وتعتدي
وتثيرُ في أغوارها ميتَ الهوى ⁘ لتعيشَ في نور الإله وتهتدي
ما قيمة الأرواح إن لم ترتشف ⁘ خمر الغرام وتحترق في المعبد
فهنا السمو هنا النعيم هنا المنى ⁘ وهنا السعادة والخلود السرمدي
حسناء إن أشكو الزمان فإنه ⁘ حربٌ على الحر الأبيّ الأمجد
قد أوصد الأبواب في وجهي فكم ⁘ من مأربٍ لي لم أنله ومقصد
والنحس منذ طفولتي خدني فيا ⁘ لشقاء موتور الفؤاد المبعد
حوراء يا دنيا العرائس والرؤى ⁘ أنا في الكويت أخو الشقاء فأسعدي
اللَه في ابن الأرض يا بنت السما ⁘ قد تاه في القفر المخيف فأرشدي
قضى ربيع العمر فيه معذبا ⁘ يشكو أذى الدنيا وجور الأعبد
يستعرض الأحلام وهيَ عوابس ⁘ طوراً ويهتف بالطيوف الشرّد
وبه كبا عند السباق جواده ⁘ يا للتعاسة والعذاب المقعد
ما راع مثل الشمس تكسفُ في الضحى ⁘ والورد يسقط وهو فواحٌ ندى
فصيلهِ يا دنيا الأماني واصدعي ⁘ في قلبه شمل الشجون وبدّدي
وبحقّ مريمَ كفكفي عبراتهِ ⁘ وبحقّ عيسى علّليه وزوّدي
قالت وقد مسحت دموعي لا تنُح ⁘ ومعي اغتبق يا عندليبُ وغرّد
قد قيل لي بالأمس إنك شاعر ⁘ فاشرب على نخبي فلم أتردّد
ما كان أرخم صوتها وأرقّه ⁘ حين انتشت وشددت وقالت أنشد
فشربتُ ثانيةً وثالثةً إلى ⁘ سبعٍ فقالَت خذ وزد وبي اقتد
أنشدتُها والكأسُ في كفّي ولي ⁘ قلب يحوم على مراشفها صدي
فترنّحت طرباً وكم من كاعبٍ ⁘ طارَت بألحاني وكم من أمرد
فإذا بثالثنا يفيقُ منبّها ⁘ ومحيّياً بصبوحه صُبحَ الغد
فتَنهّدت لتنهّدي وأثار في ⁘ أعماقها ما قد أثار تنهّدي
وهناك قمنا للوداع ويا لها ⁘ من ليلة فيها صفا لي موردي
مرت مرور الريح واشوقي لها ⁘ من مسعفي إن لم تعُد من منجدي
فلِحُسنِ حظي أنني لم أنصرف ⁘ حتى ظفرت بقبلةٍ وبموعد
يا صاحبي قد كان من شاء الهوى ⁘ فإلى الكنيسة سر بنا لا المسجد
إن قيلَ جنّ فإنّ عذري واضح ⁘ أو قيل تاه ففي يديها مقودي
أو قيل ضل فلست قبل زيارتي ⁘ وتدلهي بالزاهد المتعبد
يا معشر المتعصبين رويدكم ⁘ أمن الرغام قلوبكم والجلمد
بالله هل تطوى السماء إذا هفا ⁘ وصبا لمشركة فؤاد موحد
فاليوم قادت من تحبّ لدينها ⁘ وغداً يعود بها لدين محمد
بكِ بالشوقِ بالضنى يا جاره ⁘ اسعِفيني بالكأسِ والسيجارَه
يا ابنةَ الجارِ أرمَضَ الصحوُ قلبي ⁘ وشجا خاطري وشَقَّ المرارَه
اخرِجيني من الظلامِ إلى النور ⁘ وفرضٌ أن يُسعِفُ الجارُ جارَه
يا عروسَ الأحلامِ باللَهِ هاتي ⁘ وخُذي ولنَفُضُّ هذي البكارَه
أشعِلي تلكَ تارةً واترعي من ⁘ خمرةِ الرافدين هاتيكَ تارَه
ودعيني ما بينَ سيجارتي والكاس ⁘ أبكي الصبا وآخذُ ثارَه
خفّفي العتبَ أوصدي البابَ قومي ⁘ واطمئنّي فالشيخُ غادرَ دارَه
لستُ أخشى عليكِ من أمّكِ السوء ⁘ فكم رحّبَت بهذي الزيارَه
يا ابنةَ الشيخِ يا مُنى النفسِ يا ⁘ ريحانَةَ الحيّ أوقدَ الشوقُ نارَه
إنقَعي غُلّتي فبَينَ ضُلوعي ⁘ خافِقٌ شفَّهُ الصدى لا حِجارَه
واخرُجي بي من عالمِ الإفكِ والبُه ⁘ تانِ والبَغيِ والخَنا والدَعارَه
لسَماءِ الروى وشتّى الأماني ⁘ فبَناتُ القَريضِ رهنُ الإشارَه
حيثُ يحلو الهوى ويَسكُب فجرُ ⁘ الحبِّ في كلِّ خافقٍ أنوارَه
عانِقيني وأطفئي غُلَّةَ الروح ⁘ فجِسمي براهُ ما ف القَرارَه
وضعي ثغرَكِ الشنيبَ على ⁘ ثغري وهاتي صهباءَهُ بحرارَه
اسقنيها على وجيبِ فؤادَينا فقد ⁘ أسدَلَ الدجى أَستارَه
واصهَري كلّ ما يجيشُ بصَدري ⁘ من شعورٍ هضمُ الحقوق أثارَه
يا ابنةَ الجارِ يا مُنى النفسِ لا تَ ⁘ أسَي إذا ما الواشي أثارَ غُبارَه
ذابَ قلبي أو كادَ يا ربَّةَ الحُ ⁘ سنِ خُذيهِ واستَطلِعي أسرارَه
يا فتاتي باللَهِ عفواً إذا ما رحتُ ⁘ أشكو إليكِ فوضى الإدارَه
سائلي الحيَّ لا عدِمتُكِ عن عَبدا ⁘ نهِ حينَ ضايقوا احرارَه
سائليهِ عن الفقير لهُ اللَهُ ⁘ وكم باتَ يشتكي تُجّارَه
الأفاعي في أفقهِ تنفثُ السُمَّ ⁘ وقد أخرسَ الفحيحُ هزارَه
كم ملاكٍ أمسى فأصبح شيطاناً ⁘ رجيماً مُذ سمَّمَت أفكارَه
أينَ منهُ أقمارهُ لهفَ نفسي ⁘ غَيَّبَ الدهرُ ويحَهُ أقمارَه
أينَ منهُ الكؤوسُ واحرَّ قلبي ⁘ الحُمَيّا كم ضاحكَت أسحارَه
أينَ منهُ سمّارُهُ والندامى ⁘ والدراري كم راقَصَت أسمارَه
سائِليهِ وحدّثي الشاعر المن ⁘ كودَ عنهُ وَسَجّلي استِنكارَه
وارفَعي شكواهُ إلى اللَهِ وهناً ⁘ وأذيعي لا تكتُمي أخبارَه
يا فَتاتي رُحماكِ قد يَمَّمَ الدارَ ⁘ أسيرُ الأسى فحلّي إسارَه
كيفَ أشدو والوضعُ حطّمَ عودي ⁘ والأراجيفُ قطَّعَت أوتارَه
ورياحُ الحِرمانِ هبَّت على رَو ⁘ ضِ شبابي وصوّحَت أزهارَه
وخريفُ الحياةِ أخرَسَ لمّا ⁘ صرَخَت بي شجونُه أطيارَه
ما رَنينُ الأوتارِ إلّا صدى ⁘ إرنانِ قلبي وأنَّةِ القيثارَه
وقصيدي بقيّةٌ من فُؤادٍ ⁘ عَصَرَتهُ الآلامُ فهوَ عُصارَه
يا فتاتي رحماكِ قد يمَّمَ الدارَ ⁘ أسيرُ الأسى فحلّي إسارَه
كم هَفَت روحهُ إليكِ وقد ⁘ جاءَ بها لا بنفسهِ الأمّارَه
ليلُهُ حالِكُ السوادِ طويلٌ ⁘ والشجا المرُّ قد أحال نهارَه
فاترِكيهِ حتى الصبح صريعاً ⁘ وإذا ما أفاقَ داوي خمارَه
ما رَبحنا يا وضعُ قطُّ ولكن ⁘ حسبُنا لو أشفَقتُ تلكَ الخَساره
بما أودَعتُه فيها ⁘ إلى ليلايَ أهديها
إلى تلكَ التي في أضلُ ⁘ عي قلبي يُناجيها
وترشفُ روحي العطشى ⁘ رواها من مآقيها
وفي مهدِ الهوى العذري ⁘ ما فَتِئَت تُناغيها
وأحلامي إذا ما عَربَدَت ⁘ كأسي تُغَنّيها
فهذا الشعر ألهَمَنيهُ ⁘ حاضِرُها وماضيها
جاء الربيع وأنت راقد ⁘ قم واشد يا ربّ القصائد
ما للبلابل حين يبتسم ⁘ الصباح وللمراقد
لك في الرياض أسرّة ⁘ لا كالأسرّة والوسائد
قم حيّه فيها وصغ ⁘ ببهائه أسنى الفرائد
غرّاء يغضي النيران ⁘ لضوئها قبل الفراقد
والدر في الأصداف قب ⁘ ل الدر في جيد الخرائد
تروي محاسنها الكواكب ⁘ للعرائس والنواهد
غرّد فكم أطربت مع ⁘ بوداً وكم جنّحت عابد
أسكر بها الوادي على ⁘ فرح الأقارب والأباعد
ودع الحداة يرقّصون بها ⁘ الدراري في الفدافد
وذر الخليج بها يعيذ ⁘ عروسه من كل حاسد
وأضف إلى الغرر الخوالد ⁘ حليةً تسبي الخوالد
من درّك الغالي وغالي ⁘ الدر يهدى للأماجد
والشاعر الحرّ الأبيّ ⁘ يصونه والسوق كاسد
والشعر ما هفت النفوس ⁘ له وبعض الشعر فاسد
والشعر ما اضطرم الشعور ⁘ به وإلّا فهو بارد
والشعر في الأشراف حيّ ⁘ خالد والمال نافد
ولآلىء الوجدان ظلم ⁘ أن تصاغ لغير ناقد
والصائغ الموهوب تلمع ⁘ في قلائده قلائد
أهلاً وسهلاً بالربيع ⁘ بمن به دنت الشوارد
ولكلّ ملتاح صفت ⁘ شتّى المناهل والموارد
أهلا بعبد اللَه ⁘ أهلا بالمفاخر والمحامد
بفتى الكويت وذخرها ⁘ وأميرها الشهم المساعد
أهلاً وسهلاً بالمنار ⁘ والمآرب والمقاصد
أهلا ويا بشرى المدارس ⁘ والمكاتب والمعاهد
بعد الشواكي والبواكبي ⁘ والسواري والقواصد
يا فرحة الشعراء في ⁘ ظلم الفوادح والشدائد
مولاي يا أمل العزيزة ⁘ وابنها الحر المجاهد
يا من برفعة قدره ⁘ بعد السها باهت عطارد
ولحبّه بقلوبنا ⁘ ونفوسنا أبقى المعابد
وبمدحه هتف الزمان ⁘ وكم أصاخ وخرّ ساجد
يا كوثراً يشفي ولا ⁘ يلتاح بعد الورد وارد
يا نعمة للَه لم ⁘ تجحد وما في الشعب جاحد
بالأمس شيّعنا الفقيد ⁘ بدمعنا وبما نكابد
واليوم بين يديك تلقي ⁘ بالأعنّة والمقاود
فخذ الزمام وسر بنا ⁘ فالسعد بسام وصاعد
سر أيّها الفذّ الهمام ⁘ فأنت فينا اليوم واحد
ولديك عزم بالمصاعب ⁘ يستخفّ وبالمكايد
ولأنت أدرى بالطريق ⁘ وبالحواجز والمصايد
ولأنت أعرف يا ابن ⁘ سالم بالسياسة والأساود
ولأنت أعلم بالحقول ⁘ وما تدرّ وبالحواصد
ولأنت أخبر من سواك ⁘ بمن علا بعض المقاعد
ما كان أغنى المقلة الكح ⁘ لاء عن تلك المراود
يا ربّ ريح طوّحت ⁘ بسفينة والبحر راكد
وحمامة للسّلم قصّ ⁘ جناحها طمع المحايد
وصريع كأس في السرير ⁘ وكلبه ريّان راقد
فإذا أفاق حسا الصبوح ⁘ وألف طرف منه ساهد
ولربّ عقد طارف ⁘ لا تشتريه بسلك تالد
والنار في المصباح غير ⁘ النار في جوف المواقد
وهوى الدراهم إن تأصّ ⁘ ل علّة كهوى الموائد
والزهد يوجد في السماء ⁘ وقد يكون الذئب زاهد
هذا وبسام اللَه كم ⁘ أحبولة نصبت لصائد
والدين من نعم السماء ⁘ وباسمه الصياد راغد
وأبو التعصب والعقوق ⁘ الجهل وهو أبو المفاسد
والعلم نبراس على ⁘ أضوائه تجنى الفوائد
فإلى الأمام إلى الأمام ⁘ بنا ولا عذر لقاعد
وإلى الصراط المستقيم ⁘ ولن ترى في القوم حائد
والنار مثوى من يحيد ⁘ ومن يشذّ عن القواعد
واللَه بالمرصاد يخزي ⁘ كل شيطان ومارد
وعلى التكاتف والتفاني ⁘ كلّنا جند يعاهد
ولك التهاني من صميم ⁘ قلوبنا يا خير قائد
ولذخرنا آل الصباح ⁘ وإنّهم نعم السواعد
ولنا بعيد جلوسك ⁘ الميمون أعياد عوائد
يا ابن الأباة وللمجال فحو ⁘ له ولك الشواهد
كلّ يطير وللبزاة ⁘ سماؤها وكذا الهداهد
مولاي لا أشكو الزمان ⁘ وكان قبل اليوم حاقد
كلا ولا أخشى المباضع ⁘ وهي تدمي والمبارد
لي فيكم عين بها ⁘ بكم ألوذُ من الحواسد
يا ابن الصباح وما ابنه ⁘ إلّا الضياء لكلّ قاصد
دم للكويت ابنها لها ⁘ برّاً وعش للشّعب والد
للشيب منّا والشباب فكلّنا ⁘ سعد وخالد
هاك اليمين على المحبّة ⁘ والولا واللَه شاهد
حالي كحالكَ أيّها الشحرور ⁘ قستِ الحياة فكلُّنا مأسور
فالعسكر المفجوع ضاق بحبسه ⁘ وابن الرشيد بسجنه موتور
الأسد تؤسرُ والنعاج طليقةٌ ⁘ والصقر يهوي والغراب يطيرُ
حبّ تغلغل في الصميم ⁘ فقضى على الحب القديم
لمهفهف الحسن رص ⁘ ع وجنتيه بالنجوم
جعلت رجوما للقلو ⁘ ب ولا كهاتيك الرجوم
يا لائميّ وقد غدا ⁘ هدفاً لها قلب الملوم
الظلم من شيم النفو ⁘ س وقاهُ ربّي من ظلوم
لم يبلغِ العشرينَ غ ⁘ ضّ الجسم ذو صوت رخيم
وعيونه عسليّةٌ ⁘ سكرى وذو شعر فحيم
والجيد أتلعُ والمرا ⁘ شف كم شكت قبل النسيم
ظبيٌ تغار الغيد من ⁘ هُ ولا كغزلان الصريم
والمرد تحسده على ⁘ ردفيه والكشحِ الهضيم
ما كان أغناه ببن ⁘ تِ الثغرِ عن بنتِ الكروم
شوقي له شوق القطا ⁘ ةِ إلى الفراخِ أو الظليمِ
يا ليلةً كالريح م ⁘ رّتِ أو كأحلام النؤوم
يتعثّر الواشي بها ⁘ كالغيظ في صدر الحليم
في جنحها عانقته ⁘ وحنوت كالأمِّ الرءوم
وصدَعتُ بابنةِ ثغره ⁘ شملَ الوساوس والهموم
فكأننا قيس وليل ⁘ ى إذ غرقنا في الحلوم
اللَهُ ثالثنا ورا ⁘ بِعنا ابنة الطلعِ الهضيم
فجرٌ أفقتُ على سنا ⁘ هُ من ذهولي والوجوم
لما أطلّ على سما ⁘ ءِ الروح من فرق الغريم
يا مرحبا بك يا بش ⁘ ر الوصل والفضل العميم
أهلاً وسهلاً بالغرا ⁘ م البكر والأملِ الوسيم
أنقذتَ روحي من برا ⁘ ئنِ ذلك الحبّ الأثيم
ورفتها من بعدما ⁘ كانت تمرّغُ في الأديم
وأرحتها من عربدا ⁘ تِ الشكّ والألم الأليم
وهدَيتني بعد الضلا ⁘ لِ إلى الصراطِ المستقيم
والحب إحساس يجي ⁘ شُ بخافق الحرِّ الكريم
والحبّ إلهام الجما ⁘ لِ المحضِ للذوقِ السليم
هو روعة الخلق الجمي ⁘ ل ازدانَ بالخلقِ القويم
هو الصغير شباك صي ⁘ دٍ وهو دينٌ للعظيم
هذا وهل كان الهوى ⁘ إلّا لذي قلب رحيم
قم يا حبيب اليوم واس ⁘ كبها وخلّ ابن الغيوم
وانضح بها كبدي فدي ⁘ تكَ فهيَ داميَةُ الكلوم
من سخريات الوضع والأ ⁘ قدارِ والدهر الغشوم
إني أعوذ بكأسها ⁘ من كل شيطان رجيم
وأعيذها ما شعشعت ⁘ من كل مأفون لئيم
ومن الجهول وكل ذي ⁘ ذوقٍ وإحساسٍ سقيم
فضيّةٌ ذهبيّة الأ ⁘ حلامِ كاشفةُ الغموم
من خمر عاصمة الرشي ⁘ د وكم صرعتُ بها نديمي
ولكم بها جنّحتُ أحلا ⁘ مي فطارت في النعيم
ولكم على بسماتها ⁘ سامرتُ من خلٍّ حميم
صعبت فلو فرعون عا ⁘ قرها لردّ عصا الكليم
أو ذاقها موسى لكا ⁘ نَ من الفصحاة في الصميم
يا من به حزتُ النعي ⁘ مَ وبات غيري في جحيم
لا تصغِ قطّ إلى أرا ⁘ جيفِ الكواشح والخصوم
ونميمة النذل الوضي ⁘ عِ وفريةِ الوغد الزنيم
فأنا وأنت بموطن ⁘ فيه الموارد من حميم
وطنٌ به كم أعلِنَت ⁘ حربٌ ومن بعد الهجوم
إلّا على ذي المال والما ⁘ ءِ المقطّرِ واللحوم
والحرُّ موؤودٌ به ⁘ كالسرِّ في قلب الكتوم
متوحّدٌ متململ ⁘ لهفي على الحر المضيم
هوت الصقور فلا أرى ⁘ في الأفق يسبح غير بوم
وأرى الأفاضل في جحي ⁘ مٍ والأراذل في نعيم
قد حار ذو الرأي الحصي ⁘ فِ وتاه ذو العقل الحكيم
فمتى تهبّ الريح عا ⁘ تيةً وتعصف بالهشيم
أمورّد الخدين حس ⁘ بك يا حبيبي من نظيمي
هذي القصائد وهي وح ⁘ يُ عرائس الحبّ المقيم
سلوى الحزين وراحة ال ⁘ عاني وتعزية اليتيم
تشدو بها الأطيار عن ⁘ دَ تراجع الليل البهيم
تستقبل الأصباح في ⁘ أبياتهنّ لدى القدوم
لك صغتها ورفتها ⁘ لمقامك السامي الكريم
وأنا العليم بما تك ⁘ نّ وأنت أعلمُ بالعلم
حسب الغواني أنهنّه ⁘ حطّمن قلبي حسبهنّه
وبدا نحوس في الهوى ⁘ لمّا تألّق سعدُهُنّه
فملكن إحساسي عليّ ⁘ فطاف قلبي حولهنّه
صديان لا يشفي صدا ⁘ ه سوى اللمى يا ليلتهُنّه
قل للمريضات الجفو ⁘ ن رويدكنّ رويدكُنّه
اللَهَ في مهج برا ⁘ ها يا عذارى حبُّكُنّه
اللَهُ أعطاكنّ فالدن ⁘ يا وزينتُها لكنّه
رفقاً بأفئدة الشبا ⁘ بِ فقد شجاها صدّكنّه
حامت كما حام الفرا ⁘ شُ على شقيق خدودكُنّه
لمّا تبدى سربها ⁘ نّ اصطاد قلبي سربُهُنّه
لم أدر وا لهفي على ⁘ ليلايَ هل هيَ بينُهنّه
فنسيت ربّي كيف لا ⁘ وسجدت إجلالاً لهنّه
والشاطىءُ الرملي ص ⁘ فّق هاتفا فرحا بهنّه
والموج داعب حينَما ⁘ عانقنَهُ أردافهنّه
يا ليتَهُنّ عرفنني ⁘ يا صاح إذ غازَلتُهنّه
ما خطبهنّ نفرن من ⁘ ي حينما كاشفتُهُنّه
أو ما علمنَ بأنّ لي ⁘ قلباً يقدّس طهرهنّه
حيّ الأساتِذةَ الكرامَ تحيّةً ⁘ تُزري بعرفِ المسك والريحانِ
عذراءَ مصدَرُها سُوَيداءُ الحشا ⁘ أحلى وأشهى من عروسِ الحانِ
وأرقُّ من نَغَم البلابلِ عندما ⁘ تستَقبِلُ الأصباحَ بالألحانِ
وأخَف من نسَماتِ نيسانٍ وَقد ⁘ خَطَرت مُداعبَةً غُصونَ البانِ
وأحرّ من قلبِ المشوقِ إذا دعا ⁘ داعي الفراقِ ومُهجةِ الغيرانِ
فأزفّها لكمُ يشارِكُني بها ⁘ الشَعبُ الكريمُ وصفوةُ الشبّانِ
والقَلبُ من فَرط السرور مُصَفّقٌ ⁘ والروحُ ترقُصُ رقصةَ النشوانِ
والكلُّ مغتَبطٌ بيومِ إيابكُم ⁘ فَرِحٌ وهذي حالةُ الوَلهانِ
فلو أنّنا نَستقبلُ العيدَين في ⁘ أَفراحهِ لاستَبشَرَ العيدانِ
زَهَتِ المدارسُ وانثَنى طلّابُها ⁘ لقُدومِكُم يتَبادلونَ تهاني
لا غروَ فالطلابُ قد عَشِقوا بكُم ⁘ صِدقَ الوفا وطهارةَ الوجدانِ
والعطفَ والميلَ البريءَ ولا ⁘ غرابةَ فالمُعلّمُ والدٌ متفانِ
شكَتِ الأوامَ نُفوسُهُم فتذَوَّقَت ⁘ تلكَ النفوسُ حلاوةَ الإيمانِ
وأمامَ مصباحِ الثقافةِ قد تلاش ⁘ تِ ظلمَةُ الأفكارِ والأذهان
وغَرَستمو بحدائِقِ الأرواحِ كل ⁘ حميدةٍ والروحُ كالبُستان
فالمرءُ بالعَقل المنيرِ وإن دجا ⁘ ما الفرقُ بين المرءِ والحيوانِ
إنّ الشباب إذا زكَت أخلاقهُ ⁘ والنفسَ طهّرَها من الأدرانِ
هُوَ في البلادِ ولا إخالكَ جاهلاً ⁘ بمثابةِ الأرواحِ بالأبدانِ
هوَ قلبُها الخفّاقُ والركنُ القوي ⁘ مُ وَسورُها الحامي من العدوان
باللَهِ يا رُسلِ الثقافةِ خبّرو ⁘ نا كيف حالُ الأختِ يا إخواني
أعني فلسطيناً وكيف أمين ⁘ نُها وجنودُه وبقيّةُ السكّانِ
بعدَ الكفاحِ وبعدما بثّ اليهو ⁘ دُ شُرورَهم فيها بكُلّ مكان
إنّي سمِعتُ نداءَها وسمِعتُ تَل ⁘ بيةَ الضياغمِ من بني عدنان
وزئيرَ أشبالِ العروبةِ من بَني ⁘ غسّانَ لا نُكِبوا بنو غسّان
وتقولُ يا أشبالَ آسادِ الشرى ⁘ جاءَ اليهودُ ودنّسوا أحضاني
لا درّ درّ الغادرين فإنّهُم ⁘ وعدوا اليهودَ بقسمةِ البُلدانِ
وبنيَّ كالغرباءِ في أوطانِهِم ⁘ أو ليسَ هذا مُنتهى الطغيان
فهناكَ فاضَت بالدموع محا جرى ⁘ وَأَجبتُها بتوَجِّعٍ وحنانِ
يا مَهبطَ الوَحي القديم ومَرقدَ ⁘ الرُسلِ الكرامِ ومَنبعَ الأديان
لا تحزني ليسَت بصفقةِ رابحٍ ⁘ يا أُختُ بل هيَ صفقةُ الخسرانِ
ما وَعدُ بلفورٍ سوى أُمنيةٍ ⁘ ونداؤُهُ ضربٌ منَ الهذَيانِ
أبناءُ عدنانٍ وغسّانٍ وما ⁘ نادَيتُ غيرَ الصيدِ والشجعان
الصامدونَ إذا الصفوفُ تلاحَمَت ⁘ وتصادمَ الفُرسانُ بالفُرسان
والضاحكونَ إذا الأسنّةُ والظبا ⁘ هتَكَت ظلامَ النَقع باللمعان
والهاتِفونَ إذا الدماءُ تدفّقَت ⁘ أعني دما الأبطالِ بالميدانِ
وإذا الصوارمُ والقَنا يومَ الوغى ⁘ ذَرَفَت على الشهداءِ دمعاً قاني
آنَ الأوانُ وقيتُمو كيدَ العِدا ⁘ والخَصمُ بالمرصادِ كالثُعبانِ
ثوروا وَرُدوا كَيدَهُ في نَحرهِ ⁘ وذيولهِ لا عاشَ كلُّ جَبانِ
ما كانَ بالحسبانِ أن يهبوا ⁘ اليهودَ بلادَنا ما كانَ بالحسبانِ
لتُبَرهنوا أنّ النفوسَ أبيّةٌ ⁘ وليرجِعوا بالذلِّ والخذلانِ
يانشءُ هل من نهضةٍ نُحيي بها ⁘ المجدَ الأثيلَ كنَهضةِ الجابانِ
يا نشءُ هل من وثبةٍ نشفي بها ⁘ هذا الغليلَ كوثبةِ الطليان
يا نشءُ هل من صرخةٍ تدع العِدا ⁘ صرعى الذهولِ كصرخَةِ الألمان
يا نشءُ عَرقَلَتِ العمائمُ سيرنا ⁘ والدينُ أضحى سُلّماً للجاني
يا نشءُ وا أسفا على دينٍ غدا ⁘ أحبولةً للأصفر الرنانِ
فجرائمُ العلماءِ وهيَ كثيرةٌ ⁘ تنمو بظلّ الصفحِ والغُفران
كيفَ النهوضُ بأمَّةٍ بلهاءَ لا ⁘ تنفَك عاكِفَةً على الأوثان
هيهات نبني ما بناه جدودنا ⁘ وننال في هذي الحياة أماني
وشريعةُ الهادي غدت واحسرَتا ⁘ في عالمِ الإهمالِ والنسيانِ
نرجو السعادةَ في الحياة ولم نُنَفِّ ⁘ ذ في الحياة أوامر القرآن
بالدينِ قد نالَ الجودُ مناهمُ ⁘ وغدوا وربي بهجةَ الأزمان
فتحوا الفتوحَ ومهّدوا طُرق العلا ⁘ واستسلَمَ القاصي لهم والداني
طرَدوا هِرقل فراح يندبُ ملكهُ ⁘ وقَضوا على كسرى أنوشروانِ
وعَنَت إلى الخطابِ تخطبُ ودَّهُ ⁘ رُسلُ الملوكِ لهيبَةِ السلطانِ
والسعدُ رافقَ سعدَ في غرواتهِ ⁘ فقَضى صلاةَ الفتحِ بالإيوانِ
وتقَهقرت ذعراً لصولةِ خالدٍ ⁘ يومَ النزالِ كتائبُ الرومانِ
قادَ الجيوشَ بهمّةٍ وثّابَةٍ ⁘ وبهِ تحُفُّ ملائِكُ الرحمنِ
والمجدُ تَوَّجهُ بتاجٍ زاهِرٍ ⁘ ما مثلهُ تاجٌ من التيجانِ
وغزا صميمَ الشرقِ جيشُ قُتَيبَةٍ ⁘ وتوَغّلَ ابنُ زيادِ في الأسبانِ
وبنى معاويةٌ بجلَّقَ عرشَهُ ⁘ فأضا سماءَ الشرقِ تاجُ الباني
وحنَت لهَيبَتِهِ الملوكُ رؤوسَها ⁘ ولمن تلاهُ من بني مروانِ
وأقامَ هرونُ الرشيدُ وإبنُهُ ⁘ المأمونُ صرحَ العلم في بغدان
ومجالسُ العلماءِ والعظماءِ والأد ⁘ باءِ والشعراء والندمان
واليومَ أينَ حضارةُ العربِ التي ⁘ أنوارُها سطَعَت على الأكوانِ
وبنايةُ المجد التي قد ناطحَت ⁘ هامَ السماكِ ومشعلَ العِرفانِ
عصفَت بها ريحُ الفساد فهدّتِ ⁘ الأركانَ رغمَ مناعةِ الأركان
وطني وصيّرنا الزمان أذلّةً ⁘ لنعيشَ في الأوطان كالعبدانِ
نعصي أوامرَ كلّ فردٍ مُصلحٍ ⁘ والدينُ ينهانا عن العِصيان
والختلُ والتدجيلُ قد فتكا بنا ⁘ وتَقودُنا الأطماعُ كالعميانِ
كلٌّ بميدانِ للذائذِ والهوى ⁘ تَلقى عواطِفَه بغيرِ عنانِ
ذو المالِ نغفرُ ذنبَهُ ونُجِلّهُ ⁘ أبداً فتلقاهُ عظيمَ الشانِ
أمّا الفقيرُ فلا تسَل عن حالهِ ⁘ حالٌ تُثيرُ لواعجَ الأشجانِ
والحُرُّ نُشبعهُ أذىً ونُذيقهُ ⁘ سوءَ العذابِ ولا يزالُ يُعاني
ونُحيطُ بالتعظيمِ كلّ منافقٍ ⁘ باعَ الضميرَ بأبخسِ الأثمانِ
ما نحنُ في وطنٍ إذا صرخَ الغيورُ به ⁘ يرى نفراً من الأعوانِ
ما نحنُ في وطنٍ إذا نادى الأب ⁘ يُّ به يُجابُ نداهُ يا أقراني
وطنٌ بهِ يتجرَّعُ الأحرارُ وا ⁘ أسفاهُ صابَ البُؤسِ والحرمانِ
ويلاهُ أجنِحَةُ الصقورِ تكسَّرَت ⁘ والنسرُ لا يقوى على الطيران
وأرى الفضاء الرحبَ أصبحَ مسرَحاً ⁘ واحسرَتا للبوم والغربانِ
والليثُ أمسى بالعرينِ مُكَبَّلا ⁘ والكَلبُ يرتَعُ في لحومِ الضانِ
ما أن يُطَبِّلُ في البلادِ مُطبِّلٌ ⁘ حتى تُصَفّقُ عصبَةُ الشيطانِ
أو كلّما نعبَ الغُرابُ وغصَّ في ⁘ تنعابهِ نعبَ الغُرابُ الثاني
فلمَ التخاذلُ والعروبةُ أُمُّنا ⁘ ولمَ الشقاقُ ونحنُ من عدنانِ
ولم التفاخرُ بالموائدِ والملاب ⁘ سِ والأثاثِ وشاهقِ الجُدرانِ
ولمَ التعصّبُ بالمذاهبِ يا بَني الأ ⁘ وطانِ وهوَ أساسُ كلِّ هوانِ
فقلوبُنا للَهِ والأجسامُ ⁘ للغَبراِْ والأرواحُ للأوطانِ
فتعاضدوا وتكاتَفوا وتآلفوا ⁘ وتساندوا كتسَاندِ البُنيانِ
وتآمروا بالبرِّ والتقوى ولا ⁘ تتآمروا بالإثمِ والعدوانِ
تجري السفينةُ في مُحيطٍ هائلٍ ⁘ وعُيونُنا ترنو إلى الربانِ
كيفَ السبيلُ إلى النجاةِ ولم تَزل ⁘ عُرضَ الخضمّ سفائنُ القُرصانِ
ربّاهُ جارَ الأقويا فانظُر إلى ⁘ ما يفعَلُ الإنسانُ بالإنسانِ
حيّ الصباح إذا تبسم ⁘ وصغ العقود إذا تكلم
واعبد بمملكة الجمال ⁘ جلالة الملك المعظم
فالحسن حين يصان يعبد ⁘ فيه خالقهُ ويكرَم
وإذا سألت وجاد يوما ⁘ ما بوعد أو تكرّم
فاستقبل الدنيا بزينتها ⁘ ولا تشرك فتندم
واستوحه واستلهمنه ⁘ فكم وكم أوحى وألهم
وإذا حسا الكأس اركعنّ ⁘ له وبالأخرى تقدّم
وإذا استزادك زده واسجد ⁘ واقترب لا عاش من لم
وعليه صلّ إذا انتشى ⁘ فاللَه قد صلى وسلم
لا العود لا القيثار لا ⁘ المزمار إذ يشدو بأرخم
فاسمع لحون مخارق ⁘ والموصلي إذا ترنم
واشرب على تصفيق قلبك ⁘ يا أخا الأشواق واغنم
وإذا تلعثم صوتهُ ⁘ وكبا اللسان وعربد الدم
هلل وكبر باسمه ⁘ فاللَه فضله وعظم
واشك الغرام لعله ⁘ بك يا هزار الحي مغرم
أو علّه يرثي فقد ⁘ أمسى بحالك منك أعلم
ولعل بنت النخل تدنى ⁘ قلبه النائي فيرحم
ويجود إذ ذاك العظيم ⁘ بحسنه بالخد والفم
فتبيت تحتضن المنى ⁘ سكران بين اللثم والضم
تترشّف ابنة ثغره ⁘ متداويا والريق بلسم
ومدامة لا الهمّ يطرق ⁘ قلب راشفها ولا الغم
ظبيّ تحكّم بي ولا ⁘ تلُم الغزالَ إذا تحكّم
فكم استعاذ ولاذ منه ⁘ به إذا ما صال ضيغم
قسما بردفيه وكم ⁘ من مدنفٍ بالردف أقسم
لو عامر أو عمرو ⁘ شاهد بطش جفنيه لأحجم
أو أبصرت عينُ ابن أدهم ⁘ حسنهُ لغوى ابن أدهم
أو أنه نشر الشباك ⁘ لما رأيت بنا معمّم
أشكو القوام لخصره ⁘ متظلّما والخصر أظلم
أين القنا من فعل ⁘ ذاك فيا لمعوجٍّ مقوّم
وكم استجرت بطرفه ⁘ من ردفه والطرف أغشم
للَه ما أودى وما ⁘ أصلى وما اصمى وأسقم
أين الجآذر والدمى ⁘ ممن عليه اللَه أنعم
أين الأقاحُ إذا تبسّم ⁘ واللآلىء حين تنظَم
رمزُ الفضيلةِ والعفاف فأ ⁘ ينَ يوسف أين مريَم
أنا لا أقول هو الهلال ⁘ كما يقالُ إذا تلثّم
أو حين يسفرُ قد تبدّت ⁘ أختُ يوشع فهو أعظم
ركعت له فينوس حين ⁘ هوت وخرّت إذ تسنّم
مولايَ طوّح بي التدلّه ⁘ بعدَ أن أدمى وقلّم
وهوى بشيطاني القنوط ⁘ وأفق إلهامي تجهّم
وكبا جواد الحظ بي ⁘ وحسام بأسي قد تثلّم
اللَه فيّ فإنّ كاسي ⁘ ملؤها بهواك علقَم
اللَه في قلبي الكليمِ ⁘ فجرحه الدامي تسمّم
وكتمتُ حبّك مرغما ⁘ والحبّ يقتل حين يكتم
كيف السبيلُ إلى الشكاة ⁘ وكل من في الحيّ لوّم
اللَه أكبر كيف تصلي ⁘ شاعراً مثلي جهنّم
هيمان أعمى في هواك ⁘ أصمّ لا يصغي وأبكَم
يطوي الليالي ذاهلاً ⁘ متحسّراً والناس نوّم
متبرّم بنهارهِ ⁘ قلق إذا ما الليلُ خيّم
قد جنّ بين فؤادهِ ⁘ الملتاع والأمل المحطّم
فتعال بادله الوداع ⁘ وعش قرير العين واسلم
خفقانُ الفؤادِ ويحي بصدري ⁘ كهدير الأمواج من بعد هجري
فألق مرساك وانتشلني بأجري ⁘ يا شراعاً وراء دجلةَ يجري
في دموعي تجنّبتك العوادي ⁘ صدت قلبي ريم الفراتين صيدا
كدت بي بعد صيد قلبي كيدا ⁘ فهواهُنّ آهلٌ في السوَيدا
سر على الماء كالمسيح رُوَيدا ⁘ واجر في اليمّ كالشعاع الهادي
هنّ عذّبن مهجتي تعذيبا ⁘ فحمامي أراه منّي قريبا
سر بيُمن وقيت يوما عصيبا ⁘ وأْتِ قاعاً كرفرف الخلد طيبا
أو كفردوسه بشاشة وادي ⁘ فإذا لاح اخضرا مستطيلا
زاهراً والطيور تعلو النخيلا ⁘ بمروج تزهو تربّت قليلا
وانظر الشطّ بالملاهي أصيلا ⁘ هل من الغيد رائح أو غادي
وإذا ما أتيت منه بقرب ⁘ لأراهنّ قبل أقضيَ نحبي
ورأيت الملاح في شكل سرب ⁘ قف تمهّل وخذ أماناً لقلبي
من عيون المها وراء السواد ⁘ عاريات يسبحن وسط الغدير
خارجات منه لقطف الزهور ⁘ راكضات معا وراء الطيور
لابساتٌ جلابيا من حرير ⁘ بهواهنّ قد فقدت رشادي
هنّ ذكّرتني مواقف تشفي ⁘ يوم منا الثغور تلهو برشف
نقتل الوقت بين لهو وقصف ⁘ وقيانٍ على نشيد وعزف
وشراب على طعام وزاد ⁘ نشرب الخمر سائغا سلسبيلا
ثمّ نتلو سفر الهوى ترتيلا ⁘ إتّخذنا الخبار دوحا ظليلا
عن وشاة لقد أضلّوا السبيلا ⁘ ذاك سؤلي بل ذاك كلّ مرادي
مع أناس ترجو العروبة منهم ⁘ عزّها والأسود تفرق إن هم
ذكروا تأخذ المسرّة عنهم ⁘ والنواسيّ والندامى أمنهم
سامرٌ يملأ الدجى أو ناد ⁘ شعب ملك العروبة الفذّ أعني
بطل الرافدين نجل الحسين ⁘ فيصل من أقام في عشر قرن
أمّة تنشيء الحياة وتبني ⁘ كبناء الأبوّة الأمجاد
ذاك سفر التاريخ تلقاه يشدو ⁘ بمساع حميدة لا تعدّ
قد بنى صرح سؤدد لا يهدّ ⁘ خطرت فوقه المهابة تعدو
في غبار الآباء والأجداد ⁘ أمّة أدركت مناها بملك
وتبارت والشهب تزهو بفلك ⁘ ضحكت بعدما غدت قبل تبكي
تحت تاج من القرابة والملك ⁘ على فرق أريحي جواد
من علا عرشه على الجوزاء ⁘ ورقى جدّه لسبع سماء
وزكا أصله من الشرفاء ⁘ ملك الشطّ والفراتين والبطحاء
أعظم بفيصل والبلاد
ذري القلب يطوي حبّه ويواريه ⁘ ذريه فقد أقصى هواك أمانيه
ومن كفّك الصهباء صاب فاترعي ⁘ عدمتك كأسي واغربي لا تديريه
فلست على الحب القتيل بآسف ⁘ فحبّ كهذا لا تطاق مساويه
ولست على أمسي وغرسي بنادم ⁘ وتبّا لقلبٍ كاذب الحبّ يغريه
دعيني وهاتي يا هلوك رسائلي ⁘ فإنّ ربيب الإثم خابت مساعيه
وهاك الذي بالأمس كنت أضمه ⁘ إلى مهجتي الحرى وكنت أفدّيه
خذيه ففي طيّاته لك صورة ⁘ ودمع وبعض الدمع خرسٌ معانيه
ولي في يا أفعى دموع بعيد ما ⁘ أثار ابن جنبي فارعوى ما سأخفيه
ويا شبح الموت اذهبي وتصيّدي ⁘ عسى ولعلّ السهم يودي براميه
حنانيك يا ساقي الطلا أصبابة ⁘ تبلّ الصدى والحيّ عطشان شاديه
إذن هات هاتيك الزجاجة واسقني ⁘ ومثلي مدين بالحياة لساقيه
أغثني ففي روحي لحون حبيسة ⁘ وفي الصدر ما فيه أغثني لأبديه
ويا أيها اللاحي وكأسي في يدي ⁘ منار لنفسي وهي تحبط في التيه
أأترك كأسي والفؤاد ربيبها ⁘ وهيهات ينسى القلب فضل مربيه
أربّ الرفيق الجزل ألف تحيّة ⁘ ومثلك من أعماق قلبي أحيّيه
وأرفع إعجابي وشكري خالصا ⁘ له واعترافي صادقا وأهنّيه
ومثلك أهديه القريض مهذّبا ⁘ ولم لا وأنت الراقصات قوافيه
تغّنيت في الوادي فاسكرت نشأه ⁘ وأطربت دانيه ورقّصت قاصيه
ورحت على الأحلام في الروض نائحا ⁘ فأبكيت في فصل الربيع قماريه
وبتّ تبثّ الوجد والشوق زهره ⁘ فيلقي الضحى والدمع ملء مآقيه
وكم نبّهت شكواك في الدوح بلبلا ⁘ فشاطرك الشكوى ونارك تكويه
وكم لك من وجدانك الحيّ صرخة ⁘ بعثت بها ميتا وأيقظت ما فيه
وكم عبرة أرسلتها إثر عبرة ⁘ لمست بها جرحا تناساه آسيه
وكم لك من أغنية شفت الصدى ⁘ ومثلك عبد اللَه تشفي أغانيه
فتى الهاتفات الواثبات شواديا ⁘ ويا من بأفق الفنّ لاحت دراريه
فديتك طال الصمت والركب حائر ⁘ وخارت قوى حاديه مذ تاه هاديه
بربّك أطلقها لحونا مثيرة ⁘ تحرك في القلب الشعور وتذكيه
فكم صغتها والدر صعب مناله ⁘ عقودا بها الوادي فخور براميه
عقودا بها باهي النجوم وصانها ⁘ وما كل غوّاص تصان لآليه
أخي كم دعاني الشعر والفكر شارد ⁘ فلم أستطع والآن لبيت داعيه
فمن غور قلبي هاكها عسكريّة ⁘ مجنّحة والشاعر الحرّ أهديه
ذكرى أثارت غافيَ الأحزان ⁘ أشجاك يوم العيد ما أشجاني
شجنٌ ممضّ صارخٌ وكآبةٌ ⁘ خرساء يا للبؤس والحرمان
يا للتعاسة لا حبيب أرتجي ⁘ منه الوصال ولا أخ واساني
صدعت صباح العيد كأسي زفرةٌ ⁘ أطلقتها من قلبيَ الحرّانِ
حتى إذا سال الصبوحُ وددت لو ⁘ أنّي اغتبقت بدمعيَ الهتّان
وكذلك استبدلتهُ وظننتُ أن ⁘ الخمرَ تطفىءُ غلّة الصديان
فشربتها صرفاً ولم أسكر ولم ⁘ أطرب وزاد الحون كأسي الثاني
أنا لا أغنّي أيّها الساقي ومع ⁘ ذرة إذا ما نحت يا أقراني
كلّ امرىءٍ منكم يضاحكُ كأسهُ ⁘ طرباً وكاسي ويحهُ استبكاني
وشربتمُ وطربتمُ ما كان أس ⁘ عدكُم بأكؤُسِكم وما أشقاني
كفوا الملام فلست أوّل بائس ⁘ يستبدل الأفراح بالأحزان
إلحاحُكم يدمي فؤادي فاقبلوا ⁘ عذري ويؤلم عتبكم وجداني
لا أشكرَنّ مهنّئي بالعيد بل ⁘ شكري الجزيل لمن به عزّاني
واللَهِ لا نفسي به هنّأتُها ⁘ كلّا ولا أهلي ولا إخواني
إلّاكَ يا بدري فهاك تهانئي ⁘ بالعيد من أعماق قلبي العاني
يا من حفظت عهودهُ واضاع عه ⁘ دي واستجبت نداءهُ وعصاني
ومنحتهُ حبّي فأدبر ساخراً ⁘ منّي وأشمت حاسدي وجفاني
أو ما علمت بأنّ هجرك سامني ⁘ سوء العذاب وشفّني وبراني
وأنا فديتكَ شاعرٌ حسبي من الدّ ⁘ نيا وما فيها فتىً يرعاني
أسقيه آونةً ويسقيني وإن ⁘ ناغيتهُ بقصائدي ناغاني
ويبُثّني شكواه حين أبثّهُ ⁘ شكوايَ والكأسان يستمعان
فإذا شربناها على همس الصبا ⁘ هتف السرور وصفّق القلبان
يا زينةَ الدنيا ويا دنيا المنى ⁘ والشعر والأحلام والألحان
العيد عيدي يوم تسقيني واس ⁘ قيك المدام وأنت في أحضاني
ألعيد عيدي يوم أقطف من خدو ⁘ دك يا منايَ شقائق النعمان
ألعيد يوم الهمس والنجوى إلى ⁘ أن يصبح التعبير بالخفقان
ألعيد يوم ننام ملء جفوننا ⁘ متعانقين كأنّنا طفلان
ألعيد يوم يصفّقُ القلبان من ⁘ فرح اللقاء وتهتف الروحان
ألعيد يوم أمتّع الطرف الذي ⁘ أسهدتهُ بجمالكَ الفتّان
سباك الجيد والقدّ ⁘ وتلك العين والخدّ
وذاك الخصر والردف ⁘ وذاك الصدر والنهد
وهاتيك الحواجب والجبي ⁘ ن وشعرها الجعد
ومبسمها بما فيه ⁘ فأين الخمر والورد
وأين الفيد من لي ⁘ لاك والآرام والمرد
وأين الشمس والبدر ⁘ وأين الطير والرند
سبتك وكم وكم من ⁘ شاعر أودى به الوجد
سبتك وأسرفت بدلالها ⁘ والأهل كم ودوا
سبتك بحسنها والحب ⁘ قتال ولا حدّ
سبتك بحسنها لتروح ⁘ مجذوبا ولا تغدو
سبتك بحسنها والحب ⁘ فيه الصاب والشهد
فجد قبله مزح ⁘ ومزح بعده الجدّ
وبعد قبله قرب ⁘ وقرب بعده البعد
فأصبحت بها كلفاً ⁘ قليل الصبر يا فهد
وأضناك الشجى المرّ ⁘ بتهيامك والصدّ
وأرمض روحك الشوق ⁘ وليس من النوى بدّ
فلم تشغلك خولة لا ⁘ ولا هند ولا دعد
وحظّك من هواها الغمّ ⁘ والتبريح والسهد
فلا رفق ولا عطف ⁘ ولا عهد ولا وعد
ألم يأن لها أن ⁘ ترحم المجنون أم بعد
لك اللَه إذا سرت الصبا ⁘ أو لعلع الرعد
وناديت بروحي أنت ⁘ يا ليلى ويا نجد
وأبكيت ابنة الدوح ⁘ بشكواك وما يبدو
وأقعدك اضطربا ⁘ النفس في الظلماء والجهد
كأنّك قلب هاتيك القط ⁘ اة وقد نأى الورد
فهل لامك في حبّك ⁘ إلّا ذلك الوغد
فدع عنك القنوط فك ⁘ ل جزر بعده مدّ
أخي حسن لي العذر ⁘ إذا ما قصّر الردّ
فقد كفّنت قيثاري ⁘ وكأسي مذ كبا الجدّ
فلا الصهباء صهباء ⁘ ولا الأوتار إذ تشدو
فأفق النفس مربد ⁘ ووجه العيش مسود
أيشقى الليث والهفى ⁘ عليه ويسعد القرد
ولا أطوي الدياجي ⁘ صارخا إنّي إذن عبد
فلا المدفع بالمجدي ⁘ إذا لم يصدق الجند
ولا الجيش بزحّاف ⁘ إذا ما اطرق البند
ولا بالبيض والعسل المصف ⁘ ى يدرك المجد
فيا أرض خذيني واب ⁘ لع العسكر يا لحد
أخي حسن لي العذر ⁘ إذا ما اضطرب الردّ
فقد أهديتني عقدا ⁘ نفيسا دونه العقد
فشكراً والسلام عليكَ ⁘ واشدُ فخدنك السعدُ
صديان يغلي في حشاه المرجل ⁘ ترثي الجنوب له وتحنو الشمأل
هيهات تلهيه الطيور بشدوها ⁘ ويبلّ غلّته الرحيق السلسل
كابن الملوح لا يفرّ قراره ⁘ أبدا إلى ليلى يحنّ ويسال
يا لائمه سقيتم صاب الأسى ⁘ كفّوا متى بلّ الأوام الحنظل
هيمان كم ذكر الحمى وأقامه ⁘ وله وأقعده الهوى المتغلغل
وأغرورقت عيناه أو كادت فيا ⁘ لهوّى تطيب به النفوس وتكمل
وتجود بالغالي وسحقا لامرىء ⁘ لا يبذل الغالي النفيس ويبخل
بسبيل موطنيه وحبّ بلاده ⁘ هذا ولا عاش الخؤون المبطل
لهفان ها هو والظلام مخيّم ⁘ متلهّف في جنحه متعلّل
متعطش والذكريات هواتفٌ ⁘ تهفو بخافقه الحنون وتنهل
وتعربد الأحلام فوق جفونه ⁘ سحرا ويقيها الهوى المسترسل
يصبو ويبعث والنسيم رسوله ⁘ قبلا يكاد يذوب فيها المرسل
لمسارح وملاعب ومراتع ⁘ ومرابع فيها البدور الكمّل
شطّت وعانقت الرؤى أطيافها ⁘ وعليه في وادي الكرى تتنزّل
ولهان قد طبع الحنين بذهنه ⁘ صورا فدعه غارقا يتخيّل
صورا مجنّحة بريشة وهمه ⁘ تغري وتدبر في الخيال وتقبل
منها أطلّت ذكريات حلوة ⁘ بيض يقصّ روّاه وهي تؤول
حفّت بها الآمال سكرى والمنى ⁘ ودنت فكاد يضمّها فتقبّل
فهنا الطفولة والصبا وهنا الهوى ⁘ وهناك ملعبه وهذا المنزل
وهنا الأحبّة ودّعوه ها هنا ⁘ ومضى وراح بحسنها يتغزّل
نشوان إذا أصغى بأذن خياله ⁘ والوهم يملى والوداد يسجّل
والوجد يرفض في قرارة روحه ⁘ والشوق يعزف والفؤاد يرتل
فشدا له ناي وغنى شاعر ⁘ وترنّمت ورق ورجّع جدول
وتساءلت أمّ وذكر والد ⁘ ودعا أخو روح وأمّن محفل
واستفرت أخت ونادت طفلة ⁘ والكل منهم شقة ما يجمل
دنيا من الأوهام غاب سويعة ⁘ فيها وعاد وقلبه يتململ
متفائل لا البأس يعرف مدخلا ⁘ لفؤاده وهو الشجيّ فيدخل
صرع الشكوكَ بحزمه ويقينه ⁘ ومن الوساوس ما يحرّ ويقتل
فاسمعه يا هذا يحيّى موطنا ⁘ في جانحيه له المقام الأوّل
وطني فديتك عش ودم واسلم وطب ⁘ فحمائم السلم القريب ستهدل
والمجد باسمك يا ربوع مسبّح ⁘ والفخر يهتف والزمان يهلل
صَهَرتُ في قدحِ الصهباءِ أحزاني ⁘ وصُغتُ من ذَوبها شِعري وألحاني
وبتُّ في غَلَسِ الظلماءِ أُرسِلُها ⁘ من غورِ روحي ومن أعماقِ وجداني
يا ليلُ ضاقت بشكوايَ الصدورُ وما ⁘ ضاقَت بغلٍّ وأحقادٍ وأضغان
فجئتُ أشكو إليكَ المرجفينَ وهم ⁘ لا درَّ درُّهُمُ أسبابُ خذلاني
يا ليلُ والروح عَطشى وهيَ هائِمةٌ ⁘ هَل في المجرّةِ من ريٍّ لعطشانِ
يا ليلُ والنفسُ غَرثى وهيَ حائرةٌ ⁘ فهَل بنَجمِكَ من زادٍ لغَرثانِ
يا ليلُ والعينُ سهرى وهيَ دامعةٌ ⁘ فهَل بجُنحِكَ من راثٍ لسَهرانِ
يا ليلُ حَسبي وصدري ملؤهُ ضرمٌ ⁘ تلكَ البقيَّةُ فافتَح صَدركَ الحاني
فكَم بهِ لمَسَت روحي العزاءَ وقد ⁘ أودَعَتهُ سرّ آلامي وأشجاني
يا ليلُ أينَ الكرى بل أينَ طيفهُم ⁘ فكَم بوادي الكرى يا ليلُ واساني
وكم هَفَت وَصَبَت نفسي إلى حُلُمٍ ⁘ مُجنّحٍ راقصٍ في النورِ نَشوانِ
حُلمٌ يرفُّ على لالاءِ مَبسِمها ⁘ ليلاً ويَصدرُ صُبحاً غيرَ صَديانِ
يا ساقيَ الخمرِ لا شُلَّت يداكَ أدِر ⁘ بنتَ النخيلِ فإنّ الصحوَ أضناني
وانضَح بها كبداً نَهبَ الجوى واثر ⁘ باللَه غافيَ إحساسي وإيماني
فكم على ضوئِها الفضيّ من صُوَرٍ ⁘ شتّى تجلّت لعيني ذات ألوان
وَرُحتُ استَعرضُ الماضي فاطرَبني ⁘ بها ومن ثمّ أشجاني وأبكاني
حتّى سَكَبت على ذِكراهُ أغنيةً ⁘ من وَحيِ بُؤسي ومن إلهامِ خِرماني
يا ساقيَ الخَمرِ زِدني فالرؤى هَتَفَت ⁘ بي وهيَ سكرى وما اغمَضتُ أجفاني
تراقصَ الحَبَبُ المِمراحُ في قدَحي ⁘ فأينَ أينَ الكرى من جفنِ سكرانِ
يا جيرةَ البانِ حيّا الغَيثُ رَوضَكمُ ⁘ وجادَ واديكمُ يا جيرةَ البان
واللَهِ ما هبَطَت ليلايَ دارَكمُ ⁘ إلّا وحلّت بها ما بينَ إخواني
فمَن بأحضانِ ذاكَ الروضِ شاهَدها ⁘ مُواسياً غيرُ أقراني وخلّاني
ومَن على وردهِ المعطارِ نادمَها ⁘ على الطّلا غيرُ سُمّاري ونُدماني
باللَهِ هل فُسِّرَت أحلامُ روضِكُم ⁘ وهنّا لانسامِ آذارٍ ونيسانِ
وهل شجا قلبَها نوحُ الحمامِ بهِ ⁘ فاستَعبَرَت وَرَثَت لي بعدَ فقداني
وَهَل أنينُ سواقيهِ وأدمُعُها ⁘ في الروضِ ذكّرَها بالوامقِ العاني
وهَل فراشاتهُ طافَت بوجنَتِها ⁘ وغازلَت وهيَ نشوى وردَها القاني
يا أهلَ ليلايَ مُذ شطّ المزارُ بكم ⁘ لا الحيُّ حيّي ولا الجيرانُ جيراني
كلّا ولا الروح روحي مُذ هفَت وصَبَت ⁘ لساكني الحيّ من غيدٍ ومُردان
نَزَحتُمُ وضبابُ الشكّ خيّمَ في ⁘ آفاقِ نَفسي وكم بالكُفرِ أغراني
لولا بقيَّةُ إيمانٍ ترُفُّ منى ⁘ قلبي على ضوئها في ليل أحزاني
يا ساكِني القَصرِ دام السعدُ مُبتَسِماً ⁘ لكُم ودُمتُم ودامَ النحسُ للشاني
إن يجحَدِ القومُ والأوطانُ فَضلَكُمُ ⁘ لا القومُ قومي ولا الأوطانُ أوطاني
لي بينَ غزلانِكم ظبيٌ كَلِفتُ به ⁘ ظبيٌ تَرَعرَعَ في جنّاتِ رضوانِ
واللَهُ أبدعَ في تصويرهِ وكفى ⁘ أُعيدهُ بكمُ من كلِّ شَيطانِ
ما أن وَقَفتُ عليها مُهجتي ودَمي ⁘ حتّى قَصَرتُ أناشيدي وأوزاني
فيا إله الهوى رفقاً بعابِدِها ⁘ فالقلب ما نال من معبوده الثاني
والفكرُ يا أهلَ ليلايَ استقَلَّ بها ⁘ والروحُ يا مذبحَ العُشّاقِ قُرباني
حُبٌّ برىءٌ نما في خافِقي وَسَما ⁘ وهَل يُعَمَّرُ حُبٌّ غيرُ روحاني
طاف السقاة بها ما كان أشهاها ⁘ فيا ندامى أراح أم حمياها
فقد تضوّع في الكاسات ريّاها ⁘ سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها ⁘ هيهات أنسى وما ليلى بناسيةٍ
سويعة جمعتنا فوق رابية ⁘ حتى إذا سمعت ترجيع شادية
باتت على الروض تسقيني بصافية ⁘ لا للسلاف ولا للورد رياها
وكاشفتني ولم تملك عواطفها ⁘ بحبها فنفت نفسي مخاوفها
والكأس من غلة لم تغن راشفها ⁘ ما ضرّ لو جعلت كأسي مراشفها
ولو سقَتني بصاف من حميّاها ⁘ فيا للوعة قلبي من تبرّمها
ويا لحرقة روحي من تجنّبها ⁘ فهل لها مأرب من لي بمأربها
هيفاء كالبان يلتفّ النسيم بها ⁘ ويلفت الطير تحت الوشي عطفاها
تغزو القلوب ولا خوف ولا ندم ⁘ وكم هناك جرى دمع وسال دم
حوراء عذراء ما زلّت بها قدم ⁘ حديثها السحر إلا أنّه نغم
جرت على فم داود فغنّاها ⁘ وذات طوق شكت والقلب طارحها
وقطّعت كبدي اللَه سامحها ⁘ يا ليل قل لي فصعب أن أفاتحها
حمامة الأيك من بالشجو طارحها ⁘ ومن وراء الدجى بالشوق ناجاها
بكت لها اللَه واستبكت وما كتمت ⁘ ووقدةُ الوجد في أعماقها اضطرمت
واستعرضت صور الماضي ومذ وجمت ⁘ مدّت إلى الليل جيدا نافرا ورمت
إليه أذنا فحارت فيه عيناها ⁘ يا ليل رفقا بها رفقا فما نكثت
عهدا لأحبابها كلا ولا حنثت ⁘ فكم بجنحك عن أحلامها بحثت
وعادها الشوق للأحباب فانبعثت ⁘ تبكي وتهتف أحيانا بشكواها
يا ساقي الراح أحشائي قد التهبت ⁘ يا ضارب العود أفكاري قد اضطربت
إني لفي مأتم والساعة اقتربت ⁘ يا زهرة الأيك أيّام الهوى ذهبت
كالحلم واها لأيّام الهوى واها
طال النوى يا قبلة الأنظار ⁘ فترفقي بالوامق المتواري
حواء ما هذا التجني بالقلا ⁘ رحماك لست بعاشق صبار
حواء قد نشر الظلام رداءه ⁘ هلا سمعت بجنحه استغفاري
فنسائم الإمساء عنك سألتها ⁘ فسلي نسيم الصبح عن أخباري
حواء بين أضالعي نارٌ وعا ⁘ فَ زيارتي من حرها زواري
أو ما سمعت شهيقها وزفيرها ⁘ يوم الوداع فيا لها من نار
حواء أعشق ثغرها فلكم تطا ⁘ رحنا الغرام وثغرها خماري
حواء همت بصوتها حتى غدت ⁘ أذناي تكره نغمة الأوتار
حواء يا ذات الجمال ويا ضيا ⁘ هذا الوجود وربة الأشعار
ويلاه قد هجرت مجالس أنسنا ⁘ وخلت من الندماء والسمار
لا الراح بالكاسات مشرقة بها ⁘ فتبدد الظلماء بالأنوار
كلا ولا الأوتار صادحة فتلهمنا ⁘ الغناء بهدأة الأسحار
حوّاء قد صمتت بلابل روضنا ⁘ وسرى الذبول بأجمل الأزهار
لا الورد في جنباته متبسم ⁘ فيعطر الورد النسيم الساري
كلا ولا الأشجار مورقة فيشدو ⁘ الطير فوق ذوائب الأشجار
حواء وادي اللهو أصبح مقفرا ⁘ خال من الأزهار والأطيار
لا الريم يا حواء سارحة به ⁘ تختال بالآصال والأبكار
كلا ولا الغادات في أحضانه ⁘ يحملن بالأيدي كؤوس عقار
يا حب بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حب أنت ضيا الحياة وسرها ⁘ مزق بنورك كل كل ستار
يا حب أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار
يا حب رفقا فالقلوب بريئة ⁘ والذنب للأسماع والأبصار
يا حب أنت الصارم القهار لست ⁘ بمشرك بالواحد القهار
طرَقتني فجر يوم المولد ⁘ وأبوها عاكفٌ في المسجد
فالتقى الثغران رغم الحسد ⁘ وكلانا متعبُ القلب صدي
غادةٌ لم تخش إنذار أبيها ⁘ لا ولم تحفل بتهديد أخيها
حين قالت أمّها قومي أغنميها ⁘ ساعة هيا معي لا تقعدي
فارتدت ثوبَ أخيها وهو نائم ⁘ وأتت تحرسُها والجوّ غائم
بأبي هائمة زفّت لهائم ⁘ موجع القلب جريح الكبد
فشجا نفسيَ ما مرّ ببالي ⁘ حين أبكاها شحوبي وهزالي
قلتُ صونيها فإنّ الدمع غالي ⁘ أدمعاً للروح لا للجسد
ونشرنا وطوينا صفحات ⁘ وسخرنا من أراجيف الوشاة
وتصفّحنا سجل الذكريات ⁘ برهةٌ واندمل الجرح الندي
ثم قالت ورذاذ المطر ⁘ حبس الطير ولما يطر
هات بنت النخل يا ابن العسكر ⁘ لا يطاق الصحو في ذا البلد
هاتها بيضاء من خمر العراق ⁘ كم بها حلّق بالندمان ساقي
ولنعاقرها معا قبل الفراق ⁘ ثم قامت ونضَت ما ترتدي
وفضضنا ختمها والسعد باسم ⁘ وسكبناها على همس النسائم
وأدرناها وأنف الشيخ راغم ⁘ وشربناها ولم نقتصد
خمرةً تسمو بذي الخلق الكريم ⁘ بتّ منها في فراديس النعيم
قبلتي كأسي ومعبودي نديمي ⁘ ما ألذّ الخمر من تلك اليد
يد حسناءٍ تعطي الراح شاعر ⁘ ذات حسٍّ يخلبُ الألبابَ ساحر
فجبين زاهر والجفن فاتر ⁘ وفم يغري وشعر عسجدي
يا لمرآى شاعر يسقي غريره ⁘ ويناغيها بألحانٍ مثره
ولمرآى غادة نشوى صغيره ⁘ وهي تسقيه وكم قالت زد
وشفينا إذ سكرنا الغللا ⁘ وتغنّت بهوانا كيف لا
فانتشى الكون وقد أصغى إلى ⁘ صوتها العذب الحنون الغرد
واعتنقنا يا لها من لحظات ⁘ هي سر العيش بل معنى الحياة
من رآنا خالنا صرعى السبات ⁘ آه لو كان سباتا أبدي
وترشفنا حميا القبل ⁘ وتركنا النوم للغر الخلي
وتحدثنا عن المستقبل ⁘ وأزحنا الستر عن دنيا الغد
وأفقنا فإذا بالشيخ قادم ⁘ وكلانا مطمئن النفس ناعم
وافترقنا ولتقُم شتى المزاعم ⁘ فلظى مأوى الأثيم المعتدي
عشق المجد والهوى فكرةٌ تنمو ⁘ وتسمو بالروح والوجدان
واجتوى الذل كيف لا وهو حرّ ⁘ أيطيق الأحرار عيش الهوان
يا له اللَه من همامٍ غيورٍ ⁘ صادق العزم ثابت الإيمان
حمل قبل أن تدول الرحى لي ⁘ يٌ إذا أوشكت قويّ الجنان
يتغنى والموت منه قريب ⁘ بالمنى والجنديّ رمز التفاني
أيّ وقع في النفس صاح لمرأى ⁘ مستميت يختال في الأكفان
تتراءى في عينه صور قد ⁘ أخرست عبقريّة الفنان
رسمتها بريشة الحزم والعز ⁘ م يد الحق في أدق معان
وإذا ما دعاه قائده الباسل لب ⁘ ى بالروح لا باللسان
يتخطى الصعاب غير مبال ⁘ بزفير الآلات والنيران
وزئير الحديد في أذنيه ⁘ شدو قيثارة ورجع مثاني
وأنين الجرحى وحشرجة المو ⁘ تى هتافٌ لا عاش كلّ جبان
ويزيد الملاح في ثورة اليم ⁘ نشاطا مهارة الربّان
دمه في عروقه أجّجته ⁘ ثورة الروح فهو في غليان
هاتف صارخ به وهو في لي ⁘ لٍ من النقع بين سحب الدخان
وكؤوس الردى يطوف بها الهو ⁘ ل فللّه سكرة الندمان
كلما صفّق العلا لشهيد ⁘ هتف المجد للشهيد الثاني
أي بأس كبأسه حيثما ثار ⁘ بوجه الأعداء كالبركان
ثورة زلزلت قلوبا وأرواحا ⁘ فباء العدو بالخذلان
إن للحقّ صولةً تصرع الظلم ⁘ وتودي بالبغي والطغيان
وجنودا تمدّهم قوّة الل ⁘ هِ ويرعاهم بعين الحنان
وجلالاً ملءَ النفوسِ تجلى ⁘ بثبات الشيوخ والشبّان
وجمالاً حواه أسمى وسام ⁘ رصّعته الجروح بالمرجان
إيه يا ابن الحريّة البكر ⁘ أبليت فإن يهدموا فأنت الباني
فعليك السلام حيّا وميتا ⁘ وتقبّل منّا أحرّ التهاني
غادة حطّم الفؤاد بكاها ⁘ ليت شعري ما بالها ما دهاها
قد حباها اللَه الجمال ولكن ⁘ لم يصنه يا ليته ما حباها
وقفت حول ذلك الشاطيء ⁘ الرملي ليلا تبثّه شكواها
واستحال الإعوال فيها أنينا ⁘ حين جفّت من فرطه مقلتاها
تلطم الصدر تارة وتشق ⁘ الجيب أخرى حتى إذا أعياها
سامرت أنجم السماء وناجت ⁘ بسكون الدجى الهلال أخاها
ملأ اليأس قلبها يا لحزني ⁘ والآسى شفّ روحها وبراها
وتنادي والناس لاهون عنها ⁘ يا إلهي هلا أجبت نداها
لا قريب حنا عليها ولا ⁘ خل شفيق بحزنها واساها
فتح الليل صدره لثريا ⁘ وبكى الموج رحمة لصباها
أدهاها من الهوى ما دهاني ⁘ فقلاها حبيبها واجتواها
أم رماها كما رماني زماني ⁘ بعواديه ليته ما رماها
فحداني إلى الفتاة شعور ⁘ لاقت الروح منه ما أضناها
فحثثت الخطى إليها بجنح ⁘ الليل والناس نوّم لأراها
فإذا بي أمام عذراء تحكي ⁘ الورس من فرط حزنها وجنتاها
فدعتني إلى الدنوّ إليها ⁘ بعد لأي واغرورقت عيناها
حيث شاهدت هيكلا من عظام ⁘ حطّمته الأقدار ما أقساها
نظرة قطّعت نياط فؤادي ⁘ إن تسلني يا صاح عن عقباها
جرّعتها الأيّام صابا مريرا ⁘ وسقتني فكيف لا أرعاها
ونسى قلبي الحزين أساه ⁘ بعد ما شاطر الفتاة أساها
كفكفت دمعها وكفكفت دمعي ⁘ وسألت العذراء عما دهاها
فشكت ظلم أمها وأبيها ⁘ قاتل اللَه أمها وأباها
حمّلاها ويلاه عبئا ثقيلا ⁘ رزحت تحته فلم حمّلاها
أرغماها على الزواج بشيخ ⁘ ذي ثراء من أجل ذا أرغماها
حدّدا موعد الزفاف فجاءت ⁘ تندب الحظ حين خاب رجاها
وجه ذاك الشيخ المجعد ألقى ⁘ الرعب في قلبها وأطفا سناها
أمن العدل أن تزفّ ثريّا ⁘ لعجوز فأين أين فتاها
فمن الظلم أن تشاطره العي ⁘ ش وقد كان مصدرا لشقاها
ومن الظلم أن تساق إلى من ⁘ صوته لا تطيقه أذناها
ومن الغبن أن تلامس خدّاً ⁘ ذا غضون كخده خدّاها
ومن الغبن أن يداعب في كفّ ⁘ نحيل ككفّه نهداها
ومن الغبن أن تقبل ثغرا ⁘ خاويا مثل ثغره شفتاها
ومن الغبن أن ترفّ على فودي ⁘ عجوز كحامد خصلتاها
ومن الغبن أن يطوّق جيدا ⁘ معرقا مثل جيده ساعداها
هل رأيتم ورقاء هامت بنسر ⁘ وسمعتم بوكره نجواها
أو رأيتم غزالة عشقت يا ⁘ قوم ذئبا وطوّقته يداها
هيّا الشيخ يا إلهي نعشا ⁘ من حنايا ضلوعه لصباها
ثم راح العجوز ينسج أكفان ⁘ ثريا من لحية أرخاها
ومن أحضانه أعدّ لها قب ⁘ راً وهذا ما اختاره أبواها
ربّ رحماك بالفتاة ورفقا ⁘ فكفاها ما حمّلاها كفاها
أنهك الذلّ جسمها وهي في مق ⁘ تبل العمر لم تحقّق مناها
خسرت خالدا رفيق صباها ⁘ وعلى نبذ خالد أكرهاها
عاهدته على الزواج فلم تهو ⁘ سواه وما أحبّ سواها
هي لولاه لم يلذّ بها العيش وما ⁘ عاش خالد لولاها
خالد ذلك الفتى الطيب القل ⁘ ب النبيل الشعور لا ينساها
كيف ينسى تلك الفتاة التي كم ⁘ أعربت عن إخلاصها ووفاها
كيف ينسى تلك الفتاة التي لم ⁘ ير في هذه الدنيا إلّاها
كيف ينسى تلك التي ودّعته ⁘ ببكاها وأودعته حشاها
كيف ينسى تلك التي يذرف الدم ⁘ ع إذا ما مرّت به ذكراها
كيف ينسى تلك التي كم وكم ضاهى ⁘ بإخلاصها العظيم وباهى
كيف ينسى تلك التي تترامى ⁘ بين أحضانه وتشكو هواها
كيف ينسى تلك التي كم وكم بل ⁘ كم وروّى غليله من لماها
هيَ بالأمس غادةٌ ذات دلّ ⁘ يملأ النفس غبطة مرآها
هي بالأمس وردةٌ تنعش الأرواح ⁘ بل يسكر القلوب شذاها
هي بالأمس دمية تبعث الإيمان ⁘ بالقلب جلّ من سوّاها
وهي اليوم هيكل من عظام ⁘ قاتل اللَه أمّها وآباها
طلع الفجر وافترقنا ولم أد ⁘ ر أتسطيع حملها قدماها
أرغمتني على التخلف عنها ⁘ إي وربّي وخلّفتني وراها
بأبي غادة تسير الهوينا ⁘ حول ذاك الشاطي تجرّ رداها
وبأمّي عذراء حطّمت الأوصاب ⁘ في ميعة الشباب قواها
وبروحي هيفاء تهتزّ لا تيها ⁘ ولكن من فرط ما قد عراها
تتخطّى الصخور حتى إذا ما ⁘ خار عزم الفتاة ألقت عصاها
وقفت حول ذلك الصخر كالتمثال ⁘ فاهتزّ هزّة من بكاها
ظمئت روحها ولم تر كأسا ⁘ غير كاس الردى تبلّ صداها
سكنت روحها إلى خاطر مرّ ⁘ بها رغم أنّه أدماها
ثمّ صاحت لبّيك والبحر ساجٍ ⁘ ليت شعري من الذي ناداها
أدعاها الردى فلبّت نداه ⁘ أم دعته يا ليته ما دعاها
رفعت وجهها ونادت إلهي ⁘ قد دعتك العذراء فاقبل دعاها
رأت العيش في جوارك أمنا ⁘ فاجعل الخلد يا إلهي قراها
حست الكاس وهي صاب مرير ⁘ لا تلمها فكم محبّ حساها
إيه يا مذبح الهوى ها هي الرو ⁘ ح فخذها من بائس أهداها
ووداعا يا سؤل قلبي وداعا ⁘ من فتاة لم ترو منك ظماها
من فتاة فدتك بالروح فاحفظ ⁘ عهدها وانتظر فسوف تراها
أرسلت نظرة إلى البحر لم يعرف ⁘ سوى البحر ويحه مغزاها
أعقبتها بصرخة ردّد الأفق ⁘ وقد خيّم السكون صداها
نكثَت شعرها فراح نسيم ⁘ الفجر يلهو به ويلثم فاها
حملته إلى رفيق صباها ⁘ قبلاً لو سمعت موسيقاها
حجبت وجهها بكلتا يديها ⁘ لا عن الموت حينما وافاها
بل عن الشمس أختها إذ أطلّت ⁘ لو رأت وجهها هوت من سماها
فتح البحر والشوطيء باك ⁘ لثريّا أحضانه فاحتواها
يا ثريا قضوا عليك فواها ⁘ يا ثريا على شبابك واها
أعف يا ربّ عن ثريّا فهذا ⁘ ما جنوه لا ما جنته يداها
قتلوها أب وأمّ وزوج ⁘ آه لو مات هؤلاء فداها
ربّ رحماك بالحبيب إذا ما ⁘ عاد والشوق شفّه للقاها
كم فتاة ربّ اسعدها ⁘ الحسن وهذي جمالها أشقاها
قبّل فدَيتُكَ مبسمي دَع جيدي ⁘ وإلى اللقاءِ صباح يوم العيد
لم لا وأهلي ويحَ أهلي وبالغوا ⁘ باللومِ والتعنيفِ والتهديدِ
لا تقتَرِب من دارِنا هم اقسموا ⁘ أن يقطعوا إن جئتَ حبلَ وريدي
يا ليتَ شعري هل أثارَ شكوكَهُم ⁘ حولي قيامي بالدجى وقعودي
وتأفّفي وتلَهّفي وتبَرّمي ⁘ بهم وهذا ديدَنُ المفؤودِ
يا للحماقةِ والرعونَةِ فرّقوا ⁘ بيني وبين الوامقِ المعمودِ
يا للتّعاسةِ من يواسيني ويسل ⁘ يني بأيّام الفراقِ السود
أكثيرةَ الشكوى حنانيكِ أهدأي ⁘ وترفّقي بالشاعر المنكودِ
الصبحُ لم يُسفِر وأهلُكِ نوّمٌ ⁘ قومي معي نحسو المدام وعودي
فترَدَّدت وتمَلمَلَت وتنهَّدَت ⁘ وبكت وطوَّقَ ساعِداها جيدي
فنظَمتُ من وحيِ الدموعِ قصيدةً ⁘ وعرائسُ الإلهامِ دمعُ الغيدِ
وسجدتُ إجلالاً وتعظيماً لها ⁘ واستعبَرَت روحي وطال سجودي
فتأوّهَت واستسلمَت واغرَورَقَت ⁘ عينايَ رغمَ تجلّدي وصمودي
قالت هلُمَّ إلى الشُوَيطيءِقلتُ لا ⁘ فهُناكَ كل مفَنِّدٍ وحسودِ
وهنا الأمانُ وها هنا ما شئتِ من ⁘ بنتِ النخيلِ أو ابنَةِ العنقودِ
فسقَيتُها وحسَوتُها من ثغرِها ⁘ يا مَن حساها من ثغورِ الخودِ
بيضاءَ من خمرِ العراقِ تُثيرُ ⁘ روحَ العزمِ والإقدامِ بالرَعديدِ
ما أن أقولُ لها خذي معبودَتي إلا ⁘ وقالت هات يا معبودي
هاتِ اسقنيها لا تُعَكّر صفوَها ⁘ دعها بلا مزجٍ ولا تبريدِ
دعها لتَخرُجَ بي إلى دنيا المنى ⁘ من عالمِ الأطماعِ والتنكيد
واصدَع بنَشوَتِها وفَرطِ سرورِ ⁘ ها شملَ الضنى والهمّ والتسهيد
فضّيةُ أحلامُها ذهبيّةٌ ⁘ كم رفّهت عن خاطري المكدود
ولكم أثارَت غافِيَ الإحساسِ بي ⁘ وكم اعتَرَفتُ أمامها بوجودي
دعنا نفضّ معا بكارَتها على ⁘ همسِ الصبا سحراً وشدوِ العودِ
أشجاكِ منذُ هُنَيهَةٍ نوحي ⁘ وأشجاني نواحُكِ فاسمَعي تغريدي
لم لا وقد دبّ الدبيبُ وحلّقَت ⁘ روحي بأفقٍ للخيالِ بعيدِ
قومي اسمعي يا بنتَ جاري ⁘ شكوى الهزار إلى الهزارِ
شكوى الحبيسِ المستجير ⁘ منَ الطليقِ المستطارِ
شكوى صريعِ الكاسِ كأسِ الص ⁘ ابِ لا كأسِ العُقارِ
شكوى لها اضطرَبَت لفَ ⁘ رط الحُزنِ احشاءُ الدراري
والبدرُ كم ودَّ الهُوِيَّ ⁘ لمسحِ أدمعهِ الجَواري
صبَّت عليهِ طُيوفُ ماضي ⁘ هِ القريبِ سياطَ نارِ
للَهِ ما لاقى وكابَد ⁘ في جحيمِ الإدّكار
يا ابنَ النهارِ وكَم شكا اب ⁘ نُ الليلِ من طولِ النهارِ
أيّامَ كُنّا والكواشِحُ ⁘ هُجَّعٌ خَلفَ الستارِ
هل كان منّا حظّهُم ⁘ إذ ذاكَ غيرُ الإندِحارِ
في معقلٍ لم نَخشَ قطّ ⁘ بهِ الطوارقَ والطواري
والسعدُ خُدنٌ والصِبا ⁘ ريّانٌ في قربِ المزارِ
لا روضُهُ استسقى السم ⁘ ماءَ ولا خمائِلُه عواري
والطيرُ نشوى في مناب ⁘ رِهِ فمن مُصغٍ وقاري
وزمامُ مَن أهواهُ في ⁘ اليُمنى وكاسي في يَساري
لا أشتكي برحَ الصدودِ ⁘ ولم أذُق ألمَ الخمار
فبذاكَ تجنيحُ المُنى ⁘ وبتلكَ إطفاءُ الأوارِ
من جُلّنارِ خدودهِ ⁘ نُقلي ومن آسِ العذارِ
وأقاحِ ثَغرِ كم نظَم ⁘ تُ ببنتهِ إكليلَ غاري
قُبَلٌ بها رفَّت منى ⁘ نَفسي على قدَحي المدارِ
بأبي بياضاً في احمرارٍ ⁘ واحمِراراً في اخضِرارِ
وبِمُهجَتي خَفَراً ودَلّاً ⁘ دونَهُ دَلُّ العذاري
ذَوبُ اللجينِ غبوقُنا ⁘ وصَبوحُنا ذَوبُ النُضارِ
لم تخبُ من بنتِ النخيلِ ⁘ ولا ابنَةِ العُنقودِ ناري
كم بينَ تلكَ وهذهِ ⁘ مِن حجَّةٍ لي واعتمارِ
يصحو فيَهتفُ بي بدارِ ⁘ وكم هتَفتُ بهِ بدارِ
فَرَنا وهبَّ فجنَّحَت ⁘ قلبي حُمَيّا الإحوِرارِ
ولَثمتُهُ وبثَثتهُ ⁘ شَكوايَ همساً من حذارِ
وهَصَرتُ بانةَ قدّهِ ⁘ فحَسا الصبوحَ على اهتِصاري
وافتَرَّ مَبسمهُ فيا ⁘ لجمالِ ذاكَ الإفترارِ
فيَخالُنا الرائي قُبَيلَ ⁘ العودِ من رميِ الجمارِ
ملَكَين في دُنيا الغرامِ ⁘ منَ الملائكَةِ الخيارِ
هبَطا بأجنِحَةِ الهوى ⁘ والوجدِ والشوقِ المثارِ
أحضانهُ حرمي الشريفُ ⁘ وضوءُ مفرقهِ مناري
وجمالُه فردَوسُ روحي ⁘ كم جنَت أشهى الثمارِ
وعُيونهُ توحي على ⁘ همسِ النسيماتِ السواري
فأصوغُ من إلهامِها ⁘ غُرَراً ولم أعدِم قراري
بلباقةٍ ورشاقَةٍ ⁘ ووضوحِ معنىً باقتِدارِ
أشدو وكَم أسكَرتُ أرواحنا ⁘ بموسيقى ابتِكاري
وسَكَبتُ لحناً عسكريّاً ⁘ دونهُ وقَفَ المُباري
فَسَلِ البلابِلَ في الجنائنِ ⁘ عن لحوني والقماري
تُنبيكَ عن إعجابها ⁘ بجَمالِ ذوقي واختياري
ومُعَنِّفٍ وافى فأخرَسَهُ ⁘ انتِهاري وازوِراري
يا لائِمي هذا شعاري في ⁘ الهوى هذا شِعاري
ثَكِلَتكَ أمُّكَ أيّ إثمٍ ⁘ في التمازجِ أيُّ عارِ
ما للأحِبَّةِ في الوصال ⁘ وللتَزَمُّتِ والوقارِ
ما جنَّحَ الأرواحَ فانطَلَقَت ⁘ سوى خلعِ العذارِ
يا ابن النهارِ وكم شكا اب ⁘ نُ الليلِ من قِصَرِ النهار
لمَ لا وبَدري غَيَّبوه ⁘ بما أثاروا من غُبار
فهوَيتُ من أفقِ الرُؤى ⁘ وهَبَطتُ من أوجِ ازدِهاري
لهفان مشبوبَ الحشا ⁘ مُتمَلمِلاً في عُقر داري
أبني القوافي ذاهلاً ⁘ من وَحي أدمُعيَ الغِزارِ
لم أدرِ حينَ يُقيمُني ⁘ فَزَعي ويُقعِدُني افتِقاري
واليَأسُ يَدفَعُني ويجذِ ⁘ بُني ازدِرائي واحتِقاري
أأنا شَريدٌ في المهامَهِ ⁘ أم غريقٌ في البحارِ
فكَأَنّني الكُرَةُ الكبيرةُ ⁘ بين صِبيانٍ صِغارِ
أو أنَّني قلبُ المجازِفِ ⁘ حولَ مائدَةِ القمارِ
أو أَنَّني روحُ المف ⁘ ارِقِ في فِراشِ الإحتَضار
ومُهَفهفٍ لم يَرعَ لي ⁘ حقَّ المودّةِ والجوارِ
لم أجنِ من غرسي لهُ ⁘ غير التنكُّرِ والنفارِ
هيهات لا علمي افادَ به ⁘ ولا أغنى اختباري
كلّا ولا أجدى اصطباري ⁘ لا ولا طولُ انتِظاري
رشأٌ وهَبتُ لهُ الشب ⁘ بابَ فكان عنوانَ افتِخاري
فطغى ويا لِتَحَكُّمِ الغِزلانِ ⁘ بالأُسدِ الضواري
هل يطّبيهِ حين يكسِ ⁘ رُ جفنَهُ إلّا انكساري
أو يَنتَشي إلّا بدَمعي ⁘ حينَ يُذنِبُ واعتِذاري
أو يَرتجي إلّا قُنوطي ⁘ ليسَ إلّا وانتِحاري
أو يَبتَغي إلّا انقِباضي في ⁘ التداني وانِحصاري
أو حينَ يوقدُ نارَها ⁘ هل حازَ غيرَ الإنتِصارِ
أو سرَّهُ إلّا نُحولي ⁘ في هواهُ واصفِراري
يا للتَصلّبِ والتمرّدِ ⁘ والعِنادِ والاغتِرارِ
يا بنتَ جاري آهِ من ⁘ بجورِ القضا يا بنتَ جاري
في ذمَّةِ الأقدارِ ما ⁘ شيَّعتُ في ذاكَ الحوارِ
دُنيا من الأحلامِ أسلَمَها ⁘ القضاءُ إلى الدمارِ
وصُروحُ آمالٍ عَلَيها ⁘ قد قضى بالإنهيارِ
يا للشقاءِ وللِعناءِ ⁘ وللضياعِ وللخَسار
لهفي على تلكَ اللُييلاتِ ⁘ المنوِّرَةِ القِصار
شوقي لها مُذ غُيِّبَت ⁘ شوق الفقير إلى اليَسارِ
أو شوق من غاصَ البحارَ ⁘ إلى اللآلىءِ في المحارِ
أو شوق قيسٍ وهو يَطوي ⁘ في هوى ليلى البراري
أو شوق لَيثِ الغابِ في القفَصِ ⁘ الصغيرِ إلى القِفارِ
يا معشَرَ الشعَراءِ والأدبا ⁘ ءِ في شتّى الديارِ
هيضَ الجناحُ وضِقتُ ⁘ ذَرعاً بالجناحِ المستعارِ
ومضى الشبابُ وهذه ⁘ شكوى جريحٍ في الإسارِ
ما كُنتُ أشكو بل أُصيخُ ⁘ لمن شكا لولا اضطِراري
ماذا وراءَ الضغطِ إذ ⁘ يشتَدُّ غيرُ الإنفجارِ
واللَهِ لو يَشفي انتِقامي ⁘ غُلّتي لأخَذتُ ثاري
مِن معشَرٍ نَشاوا بأحض ⁘ ضانِ السفالةِ والشنارِ
لصَقوا المثالِبَ بي وكُلَّ ⁘ مثالبي عدمُ اتّجاري
ماذا أقولُ بهم وهُم ⁘ حُمُرٌ لربّاتِ الخمارِ
ما راعَ يا للغبنِ مثل ⁘ الليثِ يشكو من حمارِ
أسفاً على عمرٍ تقضّى ⁘ بين أطفالٍ كبارِ
بينَ المنافقِ والمخادعِ ⁘ والمداجي والمداري
غرسوا فَقُل لي هل جنَوا ⁘ غيرَ المذلّةِ والصغارِ
متذّئبونَ ولو ثغَت ⁘ شاةٌ للاذوا بالفِرارِ
يا ناسُ قد أدمى اغترابي ⁘ مهجتي والدار داري
أُصغي فلم أسمَع بها ⁘ غير النهيقِ أو الخوارِ
أنا لم أجد فيها غيوراً ⁘ قامَ من درَكِ العثارِ
فمظاهرٌ خلّابةٌ ⁘ والآلُ يخدعُ في الصحاري
كَفكِف بربّك دمعكَ الهتّانا ⁘ وافرَح وهنّىء قلبكَ الولهانا
واهتِف وصفّق واحسُ من راح الل ⁘ قا كأساً لكيما تطرد الأحزانا
واسكُب أناشيدَ اللقاء بمَسمَع ال ⁘ دهر المصيخ وردّدِ الألحانا
بُشراكَ ذا يومُ الولادةِ قد أتى ⁘ فعساهُ يوقظُ روحَك الوسنانا
أو ما رأيتَ صفاءهُ وبهاءَهُ ⁘ وجلالهُ وجمالَهُ الفَتّانا
قُم يا أخا الشوق الملح وحيّه ⁘ وانثُر عليه الوردَ والريحانا
الورقُ تشدو والبلابلُ سُجّع ⁘ والروضُ يرقُص ضاحكا نَشوانا
وعلى الأزاهرِ وهي تبسِمُ للضحى ⁘ نثَر الصباح زُمُرّدا وجمانا
هبّت نسائِمُه لتَنثُر طيبها ⁘ وتُداعِب الأوراد والأغصانا
والكونُ يبدو مشرقاً مُتَهلّلا ⁘ متَبسّما للقائِه مزدانا
وعرائس الإلهامِ قد طلَعَت فقُم ⁘ وابن القوافي وارسُم الأوزانا
انظُم لآلِئَها لهُ وعقيقَها ⁘ ثمّ انثُر الياقوت والمرجانا
يا أسعدَ الأيام يا عنوانَها ⁘ أنعِم وأكرِم إن تكُن عنوانا
لَم تَشفِ راحُ الذكرياتِ أوامَنا ⁘ فعَسى نبُلُّ من اللقاءِ صدانا
يا أبرَك الأعياد ألفُ تحيّةٍ ⁘ منّا تفيضُ عواطِفاً وحنانا
أرواحنا رَشَفَت بفجركَ حلمَها ⁘ وقلوبُنا قد صفَّقَت مُذ بانا
عَشِق الملائِكُ بالسماءِ جمالَهُ ⁘ وسبى سناهُ الحور والوِلدانا
يا فجرَ يومِ ولادةِ الهادي أطِ ⁘ لَّ على النفوسِ وبدّدِ الأشجانا
وابعَث بها ميتَ العواطفِ واطرد ⁘ اليأسَ المُضّ وأيقظِ الإيمانا
بك أشرقَ المختارُ في رادِ الضُحى ⁘ شمساً أنارَ سناؤُها الأكوانا
إنّي لألمحُ في جمالِكَ مسحةً ⁘ من حُسنهِ أغرَت بكَ الوجدانا
وعلى جبينِكَ من سناهُ غُرَّةٌ ⁘ لم تعدَمِ اللالاءَ واللمَعانا
يا مَن بهذا اليومِ أشرقَ نورهُ ⁘ وأضاءَ في قبسِ الهدى الأذهانا
وأنارَ بالإيمانِ أفئِدةَ الورى ⁘ وأزالَ عنها الغشّ والأدرانا
وبنى منارَ العدلِ بعدَ سقوطهِ ⁘ فمحا ضياهُ الظلمَ والطغيانا
قُم يا رسولَ اللَهِ كي نشكو إليك ⁘ فمن سواكَ نبثّهُ شَكوانا
قُم يا رسولَ اللَهِ وانظُر هل ترى ⁘ إلا شُعوباً تعبُدُ الأوثانا
قُم وانظر الدينَ الحنيفَ وأهلَهُ ⁘ أعزِز وأكبِر أن تراهُ مُهانا
قُم واهدِنا واعمر خرابَ قُلوبنا ⁘ إنّا نَبَذنا الدينَ والقرآنا
إنّا نسينا اللَهَ حتى سلّطَ ⁘ الباري علينا يا نبيُّ عِدانا
ويلاهُ أهمَلنا التعاليمِ التي ⁘ جاءَ الكتابُ بها فما أشقانا
ما أن ترَكنا البرَّ والتقوى معاً ⁘ حتّى ألِفنا الإثمَ والعُدوانا
نعصى أوامِرَ كلّ فردٍ مُصلحٍ ⁘ والدينُ عن عِصيانهِ ينهانا
والختلُ والتدجيلُ قد فتكا بنا ⁘ وتقودُنا أطماعُنا عميانا
كلّ بميدان اللذائذِ والهوى ⁘ يجري وما تلقى لديهِ عنانا
أما الفقيرُ فلا تسل عن حالهِ ⁘ حال تُثيرُ الهم والأحزانا
مسكينُ لا يشكو ويندبُ حظه ⁘ ونصم دون شكاتهِ الآذانا
أما الغنِيُّ فقلبهُ ويمينهُ ⁘ لا يعرفانِ العطفَ والإحسانا
يختالُ في حُلَلِ الهنا بينا ترى ⁘ ألفَ التعاسَة ذاك والحرمانا
المالُ سيدُنا ونحنُ عبيدهُ ⁘ أو لَم ترَ التسليمَ والإذعانا
أو ما ترانا بالمبادىء والضمائِرِ ⁘ كيف نفدي الأصفرَ الرنّانا
والكلّ منا بالموائدِ والملابس والأث ⁘ اثِ يُفاخِر الأقرانا
أطفالُنا اتّخَذوا الشوارع مسكناً ⁘ أفَينبَغي أن نُهمِلُ الصبيانا
آباؤُهُم لا يرحمونَهُمُ ولَم ⁘ يجدوا بصَدرِ الأمّهاتِ حنانا
فيشِبّ والفحشاءُ ضرعُ لبانهِ ⁘ والذِنبُ ذنبُ رجالنا ونِسانا
هذي جرائِمنا وهل أربابُها ⁘ يرجونَ بعدُ الصفحَ والغُفرانا
يا عيدُ إن نَشكو إليكَ فإنّما ⁘ نَشكو إلى من جاءَنا فهَدانا
ألعالمُ العربيُّ يرنو حائِراً ⁘ قَلِقاً إلى مَن أَوقَدوا النيرانا
وَيلاهُ قد جَهِلَ المصيرَ فواسِه ⁘ يا عيدُ وامسَح دمَعُ الهَتّانا
حدّثهُ قد طابَ الحديثُ عن الألى ⁘ فعسى تُثيرُ بنَفسهِ البُركانا
عن مجدِنا وملوكِ أهلِ الأرض ⁘ هلا نَكّسوا الأعلامَ والتيجانا
حدّث عن الفاروقِ عنوانِ العدا ⁘ لةِ كيفَ شاد الملكَ والسلطانا
وعن الغضنفَرِ سعدِ هلّا زَلزَلَت ⁘ بزَئيرِها أشباله الإيوانا
وعن الفتى المقدام أعني خالداً ⁘ أيّامَ مَزَّقَ جيشُه الرومانا
وعن الشام وعن معاويَةَ الذي ⁘ أعلى البناءَ وشَيّدَ الأركانا
وأدِر على أسماعِنا ذكرَ الذي ⁘ للصينِ قادَ الصيدَ والشجعانا
والضيغمِ ابن زياد طارقَ كيف ⁘ قادَ السُفن لمّا أن غزا الإسبانا
رجَع بربك قوله إن العدو ⁘ أمامنا أمّا الخِضَمُّ وَرانا
وعن الرشيد وكيفَ أشرقَ تاجُه ⁘ شمساً أنارَ سناؤُها البلدانا
في عصرِهِ الذهبي صفّقَ راقصاً ⁘ طرِباً على هامِ السماكِ لِوانا
والمجدُ مزدَهِرٌ مطلٌّ من عل ⁘ عشقَ الوجودُ شبابَهُ الرّيّانا
كانوا على وَجه البَسيطة سادة ⁘ أبداً وكنّا بعدَهُم عبدانا
عبثَ الفسادُ بنا فبَعثرَ ملكَنا ⁘ والجهل شَتَّتَ شملَنا فكَفانا
أبناءَ يَعربَ والكواربُ جمَّةٌ ⁘ هيّا انبذوا الأحقادَ والأضغانا
وتآلفوا وتكاتفوا وتساندوا ⁘ مُتَراصفينَ وحرّروا الأوطانا
إنّا بعصر لا يعيشُ به سوى ⁘ من كان يملِكُ صارماً وسِنانا
هُم أعلَنوا الحربَ العوانَ على سِ ⁘ واكَ وأعلنوا حربا عليكَ عوانا
الأرضُ ترجفُ والسما مغبَرّةٌ ⁘ وبكل ناحيةٍ ترى شَيطانا
والبحرُ يبدو عابساً مُتَجَهّماً ⁘ أينَ الأمانُ لِنَسألَ الرحمانا
غازٌ وألغام بها كمنَ الردى ⁘ والطائرات تُطاردُ الإنسانا
ومدافعٌ والموتُ من أفواهها ⁘ أجرى الدماءَ وفرّقَ الأبدانا
وقنابلٌ صرعَ القلوبَ صراخُها ⁘ ويلاهُ تمحو الدورَ والسكانا
لم يسلَمِ الطفل الرضيع وأمّه ⁘ منها وتُردي الشيبَ والشبانا
أنّى التفتّ فلا ترى إلا حديداً ⁘ أو شواظاً محرِقاً ودُخانا
نارٌ ولكنّ الضعيفَ وقودُها ⁘ واحَسرتا إن أعلنَ العصيانا
هذي ميادينُ القتالِ تعدّدت ⁘ وبكلّ ناحيةِ ترى ميدانا
فقد انبرى العُقبانُ ينفثُ سمّهُ ⁘ في كلّ جو فاحذروا العُقبانا
رحماكَ ربّي فالدما مستنقعاتٌ ⁘ خضّبَت وجه الثرى العُريانا
طفَتِ الجماجمُ فوقَها وتناثرَت ⁘ من حولها الأشلاءُ يا مولانا
يا عيدُ أينَ السلمُ طالَ غيابُه ⁘ فمَتى يعودُ وهل يخيبُ رجانا
أفرادَ يعرُبَ والعروبةُ تَشتكي ⁘ هلّا شفَيتُم قلبَها الحرانا
هيَ تستجيرُ بكم فقوموا وأقسِموا ⁘ يا قومُ ألّا تُغمِضوا الأجفانا
واستَمسِكوا بالعروَةِ الوُثقى وكونوا ⁘ صادقينَ عقيدةٌ ولِسانا
كلّ الشعوبِ تقدّمَت وتحَرّرت ⁘ أيروقكُم سجنُ الحياةِ مكانا
يا نشءُ أمّة يعرُبٍ عقدت عليك ⁘ رجاءَها قم قدّم القربانا
يا نشءُ يا أملَ البلاد وسؤلَها ⁘ أقسِم على أن لا تطيقَ هوانا
أقسم لها أن لا تنامَ وأن تظلّ ⁘ على الولاءِ لها وأن تتفانى
أقسم على أن لا يعيشَ بأرضِها ⁘ من باعَ مبداهُ وشَذّ وخانا
أقسِم إذا ما الخصمُ حاولَ أن ⁘ يهاجِمَها على أن لا تكون َجيانا
أقسِم لها يا نشءُ إن نادى المنادي ⁘ للوَغى أن تلبِسَ الأكفانا
وأعِد سعادَتها إليها أيّها الن ⁘ شءُ الجديدُ وأعِطها البُرهانا
فاللَهُ نِعَم العون جلّ جلالُه ⁘ إن تعدَمِ الأنصارَ والأعوانا
كُفّي الملامَ وعَلّليني ⁘ فالشَكُّ أودى باليقينِ
وتناهَبَت كبدي الشجونُ فم ⁘ ن مجيري من شجوني
وأمضّني الداء العياء فم ⁘ ن مُغيثي من معيني
أينَ التي خُلِقَت لتَه ⁘ واني وباتَت تجتَويني
أُمّاهُ قد غَلَبَ الأسى ⁘ كُفّي الملامَ وعلّليني
اللَه يا أمّاهُ فيّ ⁘ ترَفّقي لا تعذُليني
أرهَقتِ روحي بالعتابِ ⁘ فأَمسِكيه أو ذَريني
أنا شاعرٌ أنا بائسٌ ⁘ أنا مستهامٌ فاعذُريني
أنا مِن حنيني في جحيمٍ ⁘ آهِ من حرّ الحنينِ
أنا تائه في غيهَبٍ ⁘ شبحُ الردى فيه قريني
ضاقَت بيَ الدنيا دَعيني ⁘ أندبُ الماضي دَعيني
وأنا السجينُ بعقرِ داري ⁘ فاسمَعي شكوى السجينِ
بهزالِ جسمي باصفراري ⁘ بالتجعّدِ بالغُصونِ
وطَني وما أقسى الحياةَ ⁘ بهِ على الحُرّ الأمين
وَأَلَذُّ بينَ رُبوعهِ ⁘ من عيشتي كاسُ المنونِ
قد كنتَ فردوسَ الدخيل ⁘ وجنّةَ النّذلِ الخئونِ
لَهَفي على الأحرارِ فيك ⁘ وهم بأعماقِ السجون
ودُموعُهُم مُهَج وأكبادٌ ⁘ تَرَقرَقُ في العيونِ
ما راعَ مثلُ الليثِ يُؤسَ ⁘ رُ وابنُ آوى في العرينِ
والبُلبُلُ الغريدُ يهوي ⁘ والغُرابُ على الغُصونِ
وطَني وأدتُ بكَ الشباب ⁘ وكلَّ ما ملَكَت يَميني
وقَبَرتُ فيكَ مواهبي ⁘ واستَنزَفَت غُللي شُؤوني
ودَفَنتُ شتّى الذكرياتِ ⁘ بِغورِ خافِقيَ الطعينِ
وكسَرتُ كأسيَ بَعدَما ⁘ ذابَت بأحشائي لحومي
وسكَبتها شعراً رثيتُ ⁘ بهِ الروح الحَزينِ
وطَوَيتُها صُحُفاً ضَنَتُ ⁘ بها وما أنا بالضنينِ
وَرجعتُ صفرَ الكفِّ مُنطَوِ ⁘ ياً على سرٍّ دَفينِ
فلأنتَ يا وَطني المدينُ ⁘ وما هزارُكَ بالمدينِ
وَطَني وما ساءَت بِغَير بن ⁘ يكَ يا وَطني ظُنوني
أنا لَم أجد فيهم خَديناً ⁘ آهِ مَن لي بالخدينِ
واضَيعةَ الأملِ الشريد ⁘ وخَيبةَ القلبِ الحَنونِ
رقَصوا على نوحي وإعوا ⁘ لي واطرَبَهُم أنيني
وتَحامَلوا ظُلماً وعذواناً ⁘ عليّ وأرهقوني
فعرفتهُم ونَبَذتُهُم ⁘ لكنّهم لم يعرفوني
وهناكَ منهُم معشرٌ ⁘ أُفٍّ لهُم كم ضايَقوني
هذا رماني بالشذوذِ ⁘ وذا رماني بالجنونِ
وهُناكَ مِنهُم من رماني ⁘ بالخلاعةِ والمجونِ
وتطاولَ المتعصّبون ⁘ وما كفَرتُ وكفّروني
وأنا الأبيُّ النفسِ ⁘ ذو الوجدانِ والشرفِ المصونِ
اللَهُ يشهدُ لي وما ⁘ أنا بالذليلِ المستكينِ
لا درّ درهمُ فلَو ⁘ حُزتُ النضارَ لأكرموني
أو بعتُ وجداني بأس ⁘ واقِ النفاقِ لأكرموني
أو رحتُ أحرقُ في الدواو ⁘ ينِ البخورَ لأنصفوني
فعرفتُ ذنبي أن كبش ⁘ ي ليسَ بالكبش السمين
يا قومُ كُفّوا دينُكُم ⁘ لكمُ ولي يا قَومُ ديني
ليلايَ يا حُلمَ الفؤادِ ⁘ الحلوَ يا دنيا الفُنونِ
يا ربَّةَ الشرفِ الرفيعِ ⁘ البكرِ والخُلُقِ الرصينِ
يا خمرةَ القلبِ الشجي ⁘ وحجّةَ العقلِ الرزينِ
صُنتُ العهودَ ولَم أحِد ⁘ عنها فيا ليلايَ صوني
عودي لقَيسِك بالهوى ⁘ العُذريِّ بالقلبِ الرهينِ
عودي إليه وشاطريهِ ⁘ الحبَّ بالدمعِ السخينِ
عودي إليه واسمعي ⁘ نجواهُ في ظلّ السكون
فهو الذي لهواكِ ضحّى ⁘ بالرخيصِ وبالثمينِ
ليلى تعالَي زوّديني ⁘ قبلَ المماتِ ووَدّعيني
ليلايَ لا تتمَنّعي ⁘ رُحماكِ بي لا تخذُليني
ليلى تعالَي واسمعي ⁘ وحيَ الضميرِ وحدّثيني
ودعي العتابَ إذا التقَينا ⁘ أو فَفي رفقٍ ولينِ
لم لا وَعُمرُ فتاكِ أطوَلُ ⁘ منهُ عُمرُ الياسَمينِ
لِلَهِ آلامي وأوصابي ⁘ إذا لم تُسعِفيني
هيمانَ كالمجنونِ أخبِطُ ⁘ في الظلامِ فأخرجيني
مُتَعَثِّراً نهبَ الوساوِسِ ⁘ والمخاوِفِ والظنونِ
حَفَّت بيَ الأشباحُ ⁘ صارخةً بربِّكِ أنقِذيني
واشفي غليلي وابعثي ⁘ ميتَ اليَقينِ ودَلّليني
ليلى إذا حُمَّ الرحيلُ ⁘ وغَصَّ قَيسُكِ بالأنينِ
ورَأيتِ أحلامَ الصَبا ⁘ والحُبّ صرعى في جُفوني
ولَفَظتُ روحي فاطبعي ⁘ قبلَ الوداعِ على جَبيني
وإذا مشَوا بجنازَتي ⁘ بِبَناتِ فكري شَيّعيني
وإذا دُفِنتُ فَبلّلي ⁘ بالدمعِ قَبري واذكُريني
لا الأنس أنس ولا الأفراح أفراح ⁘ كلا ولا الراح راح بعدما انزاحوا
مضوا وما بحت عن سرّ الهوى لهم ⁘ وما أبانوا لي الشكوى وما باحوا
يا صاح لا كفكفت كفّاي بعدهم ⁘ دمعي على أن دمع العين فضّاح
منحتهم كل ما شاء الغرام ولا ⁘ غرابة فصريع الكأس منّاح
يا قوم نفسي سالت لوعة وأسى ⁘ هلا عذرتم أهيل العشق إذ ناحوا
باللَه معذرة فالدهر جرّعني ⁘ صاب القنوط ومن يسقاه نوّاح
شقيت بالحبّ لا عاش السعيد به ⁘ إنّ الشقا بالهوى للغيب مفتاح
يا صاح لست بمرتاح فاشربها ⁘ صرفا وأشدوا متى يا صاح أرتاح
كل الأخلاء في لهو وفي طرب ⁘ وحسبهم منك عيدان وأقداح
وحسب قلبي آلامٌ مبرّحة ⁘ خرس وللوجد زند فيه قدّاح
لي من دموعي صهباءٌ أبلّ بها ⁘ غليل قلبي ودمعي المنهمي راح
يا خلّ والروح بالآفاق هائمة ⁘ ترجو العزاء وكم في الجوّ أرواح
سل الأصائل والأسمار ملتمسا ⁘ عسى تجيبك أمساء وأصباح
كم أغمض الجفنُ والأحلامُ شاردة ⁘ عنه وتدنو خيالات وأشباح
أوّاه لا بهجة الأيام في نظري ⁘ حسن وليس بها زهو وأفراح
كفّوا الملام فآمالي محطّمة ⁘ شيّعتها بالبُكا فالطرف سحّاحُ
وهكذا الحبّ شوقٌ ملحفٌ وأسى ⁘ مضنٍ ودمع وهمٌّ فيه ملحاح
جدّ الهوى بعدما شطّ المزارٌ وقد ⁘ ظننتُ من قبل إنّ الحبَّ مزّاح
يا روضة الوصل لا الأطيار ساجعة ⁘ ولا عبيرك بالأجواء فوّاح
ولا النديم طروب بعدما سكتت ⁘ ولا السمير رعاك اللَه ممراح
ولا ابنة الكرم بالكاسات ضاحكة ⁘ كلا ولا العود بالأسحار صدّاح
فهل يطيل ربيع الوصل غيبته ⁘ أم لا فتحتضن العشّاقَ أرواح
إغفاءةٌ الدهر لو طالت لما عبثت ⁘ بنا الصروف وصرف الدهر يجتاح
يا مرتع الروح يا ملهى طفولتنا ⁘ إني إليك وربّ البيت جنّاح
وكيف لا يا ملاذ العاشقين ولي ⁘ قلبٌ لأفقك خفّاقٌ وسبّاح
متى على رملك الفضيّ تجمعنا ⁘ على المحبّة والإخلاص أفراح
مع إخوةٍ في ضفاف النهر قد نزلوا ⁘ فمن لروحي وقلبي بعدما راحوا
يا من شغفتُ به لا حسن صورته ⁘ أغرت فؤادي فإنّ الحسن ينزاح
رحماك طال السرى والليل معتكر ⁘ فاسفر فوجهك وضّاح ولمّاح
حام الفؤاد كما حام الفراش ولم ⁘ يزل وطلعتك الغراء مصباح
مولاي زورق حبّي كيف تغرقه ⁘ فأنت ربّانهُ والقلب ملّاحُ
لا الروض روضٌ ولا الصهباء صهباء ⁘ ولا الندامى ميامينٌ أحبّاءُ
شطّ المزارُ فلا طيفٌ ولا أملٌ ⁘ أينَ الأخلّاء لا عاش الأخلّاء
حوّاءُ أوّاه من داء تأصّل في ⁘ قلبي فعزّ الدوا واستفحل الداءُ
ومن لواعج شوق قطّعت كبدي ⁘ حتّى رثى لي أعداءٌ الداءُ
من للكئيب وقد شقّت مرارتهُ ⁘ من للحزينِ وقد مسّته ضرّاء
فلا الطعام مساغٌ حين يطعَمهُ ⁘ ولا يبلُّ صداه ويحهُ الماءُ
يعيشُ في هذه الدنيا بلا أملٍ ⁘ نصيبه نوبٌ منها وأرزاء
يا مشعل الروح كم قال العواذلُ لي ⁘ لا أنتِ ولا حوّاءُ حوّاء
هجرتِ والروح لا تنفكّ حائرةً ⁘ وجُرتِ والأذنِ عن شكوايَ صمّاء
وفي جحيمِ الجوى نفسٌ معذّبةٌ ⁘ وما لطَرفيَ مذ فارقت إغفاءُ
سلي الصبا أنّني أودَعتهُ نبا ⁘ وطالما هيّجتني منه أنباءُ
حوّاء تذكارُ ذاك العهد برّح بي ⁘ وما أنا يا حياة الروح نسّاءُ
هذا هو الكاس في كفّي سأشربها ⁘ فهيَ الدواء وقد كلّ الأطبّاء
فلستُ أوّل مشتاقٍ تجرّعها ⁘ ومغرمٍ أودعَتهُ القبر حسناء
وها هيَ الروح قرباناً أقدّمها ⁘ يا مذبح الحبّ لا عاش الأشحّاء
لي طرفٌ لم يدر ما الإغفاء ⁘ وفؤاد عاثت به الأدواء
يوم ولّت يقودها الرقباء ⁘ خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغُرُّهُنّ الثناء ⁘ صحت لما حان الفراق وحمّا
ويك بالحب أشبعيني ضمّا ⁘ أنكرتني وأوسعتني ذمّا
أتُراها تناست اسميَ لما ⁘ كثرت في غرامها الأسماء
يا ترى هل فؤادها يتألّم ⁘ بعدما حيل بينها والمتيّم
فاسألوها لأيّ شيء لأعلم ⁘ إن تراني تصدّ عنّي كان لم
تك بيني وبينها أشياء ⁘ يوم جاءت فقلت جنّ الظلام
لا تخافي إنّ الوشاة نيام ⁘ فرنت ثمّ أقبلت والغرام
نظرةٌ فابتسامة فسلام ⁘ فكلام فموعد فلقاء
منحتني من ثغرها الحلو منّا ⁘ وهبتني ولم تزل تنثني
قبلةً وهي كل ما أتمنّى ⁘ يوم كنا ولا تسل كيف كنّا
نتساقى من الهوى ما نشاء ⁘ يوم قالت العيش ليس يطيب
يا حبيبي لمن جفاه الحبيب ⁘ فخذ العهد فالصباح قريب
وعلينا من العفاف رقيب ⁘ تعبت في مراسه الأهواء
يوم قمنا وأدبرت فتعالت ⁘ من فؤادي التنهدات وآلت
ثم لما اطمأنّ قلبي ومالت ⁘ جاذبتني ثوب العصي وقالت
أنتم الناس أيها الشعراء ⁘ فبخمر الجمال أنتم سكارى
لا تزالون ليلكم والنهارا ⁘ واتخذتم حب الغواني شعارا
فاتقوا اللَه في قلوب العذارى ⁘ فالعذارى قلوبهنّ هواء
ليس عيداً بل مأتم يا صحابي ⁘ فاملأوا الكأس إن أردتم عذابي
إشربوا الراح يا ندامى هنيئا ⁘ ودعوني أحسو مرير الصاب
إنّ شدوا الأوتار يشجي فؤادي ⁘ وتثير الأسى كؤوس الشراب
يا رفاق الصبا دعوني فلا يجدي ⁘ فتيلاً لومي كفانيَ ما بي
أنا روح تنوح طورا على الأر ⁘ ضِ وطوراً على متونِ السحاب
أنا في هذه الحياة غريبٌ ⁘ بائس تائه وراء الضباب
أنا في الحبّ يا رفاقي شقيّ ⁘ وسعيدٌ وا فرحتي واكتئابي
أنا صديان يا لتعس نصيبي ⁘ أنا سهران يا لطول انتحابي
أنا ولهان من لقلبي وروحي ⁘ أنا حيران يا أولي الألباب
أنا سكران ما شربت مداما ⁘ فاسألوني وأنصتوا لجوابي
يا رفاقي لا تحفروا لي إذا ما ⁘ متّ شوقا قبراً بقفر يباب
احفروا لي قبرا على شاطىء البحر ⁘ لعلّ الأمواج تبكي شبابي
وادفنوني بين الصخور عسى يه ⁘ دأ روعي وثورتي واضطرابي
يا صخور الشاطي بربّك إن مرّ ⁘ على مرقدي هنا أحبابي
خبّريهم عمّا لقيت من الهمّ ⁘ وشتّى الآلامِ والأوصاب
ساءَهم أن أعيش صبّا أناغيهم ⁘ بأشعاري الرقاق العذاب
وأنا شاعر خلقتُ لأشدو ⁘ لا لأتلو القرآن في المحراب
فهل الحبّ والتغزّل ذنبٌ ⁘ آه واضيعة المنى والرغاب
فلأمت في سبيلهم ناعم البا ⁘ ل لعلّي أرتاح تحت التراب
يا ليالي الصيف الجميلة قد عد ⁘ ت فأين الصبا وأين التصابي
أين بنت الكروم أين حبيبي ⁘ أين كأسي بل أين منّي صحابي
كم تعلّلت بالأماني وهل يش ⁘ في غليل الظمآن لمع السراب
سائلي الرملَ والصخور وموج الب ⁘ حر عنّي يا منية الأتراب
أنا حطّمت رغم أنفي يراعي ⁘ يا لحزني وقد طويت كتابي
ثمّ كسّرتُ بعد ذلك إبري ⁘ قي وعودي ولم أدع أكوابي
يا صحابي ويلاه استأسد الثعلب ⁘ واستنعجت أسود الغاب
والهزير الهصور أصبح كبشا ⁘ خاضعا رغم أنفه للكلاب
وقضى نحبه هزاري لمّا ⁘ أصبح الروق مسرحا للغراب
وجناح الحياة منّي مهيض ⁘ وجوادي في حلبة السبق كابي
يا صحابي والدهر قد رفع العبدَ ⁘ وسام الأحرار سوءَ العذاب
بعدما طارد الرؤوسَ وأقصا ⁘ هُم وغصّ الميدانُ بالأذناب
ما لي وللظبي الغرير الصغير ⁘ يرقص نشوان وكوبي كسير
بالأمس يشكو لي وأرثي له ⁘ واليوم لا يرثي لقلبي الأسير
راح إليه مستجيرا به ⁘ فعاد مخذولا فأين المجير
طرقت يا حب فؤادي وهل ⁘ أنت بشير يا ترى أم نذير
فيا حبيبي وغرامي لظى ⁘ لها بأغوار فؤادي زفير
جرعتني الصاب ولم تكترث ⁘ أواه من صاب القنوط المرير
أسرفت يا هذا ولم تقتصد ⁘ والبعد قد طال وعمري قصير
تعال حدثني ولو ساعة ⁘ وجنح الروح وذرها تطير
أعد لها شتى الرؤى والمنى ⁘ وأبعث بها ذكر الربيع النضير
وهات عودي واسقني واستمع ⁘ وبعد ودّعني الوداع الأخير
من لروحي فلا الرحيق رحيق ⁘ ولقلبي فلا الرفيق رفيق
يا ملاكي أوّاهُ أغربةُ البين ⁘ تعالى نعيبها والنعيق
يا عروس الخيال والصيف ولّى ⁘ تاركا في النفوس ما لا تطيق
شجنٌ صادح وشوق ملح ⁘ وجراح لم تندمل وحروق
آه شف الحنين روحي واضنى ال ⁘ وجد قلبي وأنه لخليق
يا منى القلب قد خلا شاطىء الرم ⁘ ل فلا عاشق ولا معشوق
ورياح الخريف تعصف في الأف ⁘ قِ تباعا ورعدهُ والبروقُ
بعدما كان يا شقيقة روحي ⁘ ملؤه الشدر إذ يدار الرحيق
لا الأخلّاءُ يا فتاتي فريقا ⁘ ن فريق يحسو ويلهو فريق
لا ولا العود في سكون الدجى يش ⁘ دو فيعلو الهتاف والتصفيق
لا ولا أكؤسُ الطلا مترعات ⁘ حفّها في دجى الظلام بريق
آه ما أعظم المصاب تعالَي ⁘ شاركيني الأسى فحزني عميق
يا فتاتي عرائس الوحي والإل ⁘ هام غابت متى يكون الشروق
كسر العود والندامى مع السمّ ⁘ ار راحوا وحطّم الإبريق
جفّ كأسي فلا الصبوح صبوح ⁘ بعد صحبي ولا الغبوق غبوق
فتعالي إلى الشوطيء وهنا ⁘ طارحيه الغرام فهو مشوق
ولنرق دمعنا على رمله الص ⁘ ادي ونشكو الهوى ولم لا نريق
شبّ واحسرتاه بين ضلوعي ⁘ منذُ أن غبت يا منايَ حريق
مزّق النفس من لظاه زفير ⁘ يلهبُ القلب حرّهُ وشهيق
يا غذاء الفؤاد يا فرحة النف ⁘ س تعالَي فإنّ عهدي وثيق
بأبى ثغرك الجميل فللقلب ⁘ رفيق حياله وخفوق
ومحيّاك يا فتاتي وفيه ⁘ أقحوانٌ ونرجس وشقيق
مبسم مشرق ووجه طليق ⁘ وخصال غرّ وطبع رقيق
وجبين زاه وخدّ اسيل ⁘ وعيون نشوى وقد رشيق
يا فتاتي سكرت من غير خمر ⁘ فمتى يا حياة روحي أفيق
يا فتاتي إنّي لديك رقيق ⁘ ومن الظلم أن يهان الرقيق
يا فتاتي إني ضللت وضاع ال ⁘ قلب منّي فأين أين الطريق
يا فتاتي إنّي غرقت فهل من ⁘ منقذ كم وكم ينادي الغريق
يا فتاتي إنّي أُسرت وكم ه ⁘ بّ لعذلي واحسرتاه طليق
يا فتاتي إنّي مسوق حناني ⁘ ك إذا ما أتى إليك المسوق
يا فتاتي رحماك إنّي شقيّ ⁘ فاسعديني وإنّني لحقيق
يا فتاتي حمّلتني فوق ما أس ⁘ طيع رحماك إنّني لا أطيق
لا حبيبٌ أشكو إليه فيرثي ⁘ لشكاتي ولا صديق صدوق
لا ولا والد يرقّ ولا أمّ ⁘ فتحنو ولا شقيق شفوق
قد سقاني الغرام سمّا زعافا ⁘ لك ما ذقته وما سأذوق
يا عروس الإلهام يا مصدر الوح ⁘ ي هلُمّي فإنّ عهدي وثيق
أنا حلّقت ثمّ قصّ جناحي ⁘ يا ملاكي دهرٌ ظلومٌ عقوق
فأريشيه كي أحلّق في ج ⁘ وّ الأماني ما راقني التحليق
نوحي بعقر السجن نوحي ⁘ فصداهُ في أعماق روحي
نوحي فقد سالت جرو ⁘ حك مثلما سالت جروحي
نوحي فما أغنى غبو ⁘ قك لا ولا أجدى صبوحي
نوحي وبالسرّ المق ⁘ دس لا تبوحي أو فبوحي
نوحي فجسمك مثل جس ⁘ مي قد طواه اليأس طيّا
نوحي فروحك مثل رو ⁘ حي كم كواها الوجد كيّا
نوحي فنفسك مثل نف ⁘ سي لم تجد زاداً وريا
يا للشقاء ويا لبؤ ⁘ س شقيقة تهوى شقيا
نوحي فقلبك مثل قل ⁘ بي لم يبلّ أوامه
نوحي على طلل الصبا ⁘ واستعرضي أيّامه
نوحي على الحب البري ⁘ ء وكفّني أحلامه
نوحي على القلب الجري ⁘ ح وشيعي أوهامه
نوحي على جدث المنى ⁘ في غورِ خافقك الكئيب
نوحي فقد ولّى الربي ⁘ ع وأجدب الوادي الخصيب
نوحي فكم قمريّة ⁘ فيه تنوح وعندليب
وهناك كم من زهرة ⁘ ذبُلَت وكم غُصن رطيب
ليلايَ يا نجوايَ يا ⁘ دنيايَ يا أملي الوحيد
طوت الفروقُ بساطنا ⁘ وتنكّر العيشُ الرغيد
والذكريات مطلبة ⁘ من كسوّةِ الماضي البعيد
ترنو لحاضرنا الشق ⁘ ي وتندب الماضي السعيد
يا بنت من وأد الفضيل ⁘ لة بين أحضان الرذيلة
وطغى فراح يبلّ من ⁘ دم كل منكوب غليله
لهفي على تلك المشا ⁘ عر والأحاسيس النبيله
وعلى جمالك والشبا ⁘ ب الغضّ لهفي يا خميله
يا للشراسة والرعو ⁘ نة والحماقة والجهاله
يا للدناءة والسفا ⁘ هة والسفالة والنذاله
باعوك بالثمن الزهي ⁘ د فأين يا ليلى العداله
وسقوك كأساً ملؤُها ⁘ صابُ الأسى حتى الثماله
زجوكِ واأسفاهُ في ⁘ سجنِ التقاليد القديمه
للَه ما كابدت في ⁘ هِ من الأساليب العقيمه
لا درّ درّك من أبٍ ⁘ فظٍّ ووالدةٍ لئيمه
يا قاتل اللَهُ التعص ⁘ ب كم تمخّض عن جريمه
حجبوك عن عيني وعي ⁘ ن القلب تخترق الحجاب
فليوصدوا سحقا لهم ⁘ بيني وبينك ألف باب
حربٌ وكم يا رب أع ⁘ لنها الثعالبُ والذئاب
تذكي المطامع نارها ⁘ ووقودها مهج الشباب
قد أرغموك على الزوا ⁘ ج بذلك الشيخ الوضيع
أغراهم بالمال وه ⁘ و المال معبود الجميع
فقضوا على آمالنا ⁘ وجنوا على الحب الرفيع
ما راع مثل الورد يذ ⁘ بل وهو في فصل الربيع
قد زينوا الأحداث وي ⁘ لهمو وسمّوها مخادع
كم ذوّبت فيها كبو ⁘ دٌ واكتوت فيها أضالع
وتحطّمت مهجٌ وسا ⁘ لت أنفسٌ وجرت مدامع
هذا وما من زاجرٍ ⁘ كلا ولا في الحيّ رادع
زقّت وهل زفّت فتا ⁘ ة الحي للزوج الحبيب
هل أخفقت أم حققت ⁘ بزفافها الحلم الذهيب
وارحمتاهُ لها فقد ⁘ زفت إلى السجن الرهيب
وغدت به نهب الجوى ⁘ والشجو والهمّ المذيب
هل كان في استقبالها ⁘ فيه سوى شبح الردى
قد أُدخلت ليلا علي ⁘ ه فكان ليلا سرمدا
شُلّت يداه فكم بها ⁘ عاثت ألا شلّت يدا
وحسا على صرخاتها ⁘ دمها الزكيّ وعربدا
أو كان أهلك يا فتات ⁘ ي والأقارب والصحاب
إلّا الأراقم والعقا ⁘ رب والثعالب والكلاب
قد شيعوك فخبري ⁘ ني بعدما طويَ الكتاب
ماذا لقيت بذلك ال ⁘ قبر المخيف من العذاب
ليلى وما لادنيا سوى ⁘ نار الكريمة والكريم
أوّاهُ من داء قد اس ⁘ تشرى وجرح في الصميم
رباه رفقا بالجدي ⁘ د فكم شكا جور القديم
وطغت أبالسةُ الجحي ⁘ م على ملائكة النعيم
يا للمهازل والجرائ ⁘ ئم والمآسي والمساخر
غدت العذارى كالعقا ⁘ ئد والمباديء والضمائر
سلعا تباع وتشترى ⁘ علنا بأسواق الحواضر
والرابحون بها لهم ⁘ منا التهاني والبشائر
هاتِ يا ساقِ هاتِ بنتَ النخيلِ ⁘ فعَساها تشفي عساها غليلي
هاتِ كأسي فيمَ التردّدُ واشرَب ⁘ فهيَ حسبي في محنَتي ووَكيلي
هاتِها علّني أذَوِّب أتراحي ⁘ فيها ودَع هُراءَ العذول
واتركِ العودَ واسقِنيها على نوح ⁘ فؤادي خِدنِ الضنى وعَويلي
جاءَ تَحريمُها وليسَ عَلَينا ⁘ بل على كلّ سافلٍ وجَهول
فبصدرِ المكروبِ نارٌ تلظّى ⁘ أوقَدتَها الأشجان عند الرحيل
يا خليلي كيفَ السبيلُ إلى الصبر ⁘ أجبني باللَهِ هل من سبيلِ
هل سلَوا أم قَضَوا غراما فإني ⁘ لم أجد بعدَهُم فتىً يرثي لي
يا حبيبي هيهاتَ يندَمِلُ الجُرح ⁘ ودائي استشرى فمن للعليل
وشُكوكي عاثَت بصدري فساداً ⁘ ويقيني ويلاهُ غيرُ كفيلي
آه يا مَنهلَ الفؤادِ لقد ضاقَ ⁘ نِطاقي وبتُّ كالمخبولِ
لا نَشيدُ الأمواجِ رفَّةَ عن نَفس ⁘ ي ولم تَشفِها كؤوسُ الشمولِ
ونسيمُ المساءِ أمسى شواظاً ⁘ من زفيري وباتَ غيرَ بليلِ
يا ضفافَ الخليجِ أخمَدتَ ⁘ إحساسي وماذا تجني وراءَ خمولي
غيرَ حرقِ البخورِ في كلّ آنٍ ⁘ وضروبِ التزميرِ والتطبيل
فاطغَ يا بحرُ آن أن تطغى واغمُر ⁘ كلّ ربعٍ منَ الربوعِ محيل
وانعَقي يا بومُ انعقي لا تخافي ⁘ وانعَبي يا غربانُ فوقَ الطلول
واصرَخي يا جنوبُ في كلّ وجه ⁘ كالح واعصِفي بجفنِ الدخيلِ
وقفي يا شمسَ الهجير وصُبّيهِ ⁘ لعاباً يَغلي ببطنِ الأكولِ
واخرجي يا أشباحُ في غَيهَبِ ⁘ الغي وطوفي بطغمةِ التدجيل
وارقُصي وانفُثيه سما زعافاً ⁘ يا أفاعي الخنا بكل رذيلِ
وانهشي يا عقاربَ الحقدِ من ⁘ خصمي بقايا فؤادهِ المأكولِ
والفُظِ الروحَ يا فقيرُ ولا ل ⁘ ومَ على مَذبحِ المرابي الكسولِ
وانثُرِ الشوكَ أيّها الأرقُ المرُّ ⁘ على مضجعِ الدعيّ الملولِ
واغسلِ النفسَ أيها الخائنُ النادمُ ⁘ بالدمعِ فهوَ خيرُ غسولِ
والطمي الصدرَ يا ابنةَ الطَ ⁘ هر وابكيهِ فللّهِ قلبُ كل ثكولِ
يا ضِفافَ الخليجِ حطّمتَ آما ⁘ لي واثقلتَ كاهلَ المسؤولِ
أنتَ يا مسرحَ الأسى والرزايا ⁘ وصُنوف العذابِ والتنكيلِ
ضِقتَ بي والجناحُ منّى مهيضٌ ⁘ يا لَحُزني وحيرَتي وذُهولي
لم يَطب لي لؤلا الحبيبُ مقام ⁘ بك يا سجنَ كل حرّ نبيلِ
فحياتي روايةٌ ذاتُ فصلٍ ⁘ واحدٍ فيكَ وهيَ ذاتُ فصولِ
أنا مثّلتُها على مسرحِ الحرمان ⁘ والبؤسِ وانتَهى تمثيلي
وبقَلبي داءٌ وفي النفسِ ما فيها ⁘ وعاثَ الضنى بجسمي النحيلِ
وبصَدري سرٌّ دَفينٌ فوا ⁘ خوفي عليهِ من قلبيَ المتبولِ
آهِ مَن لي ولَو ببعضِ التأسّي ⁘ أنا إن لم أمُت فبعدَ قليلِ
احفروا لي قبراً على شاطىء البحر ⁘ سميري في وحدَتي ومُقيلي
لم تَطِب لي دُنيا الشقاءِ فوا ⁘ لهفي وشَوقي للعالمِ المجهول
يا ضِفافَ الخليج شرّدتَ ⁘ أحلامي فدَع لي عواطفي ومُيولي
إن لي فيكَ والمحبّةُ قيدُ ⁘ أغيَداً ذا خلقٍ وخُلقٍ نبيلِ
وجبينٍ زاهٍ وقدّ رشيقٍ ⁘ وعيونٍ نشوى وخدٍّ أسيلِ
ومُحَيّاً كالبَدرِ شعَّ سناهُ ⁘ أو كشَمسِ الربيع عندَ الأفولِ
وطباعٍ أرقَّ من بسمَةِ الفجرِ ⁘ وروح أنقى من السلسبيلِ
ودلالٍ ألذَّ من حلمِ العذراء ⁘ في فجر حُبِّها المعسول
طرَق القلبَ حُبُّهُ وهو إذا ذاك ⁘ غريرٌ فنالَ حُسنَ القبولِ
فتَكَتَّمتُ يومَ ذاك ولم يحمِل ⁘ فؤادٌ كعبءِ حُبّي الثقيل
وكَتَمتُ الأحلام في الحبّ عنهُ ⁘ يومَ كنّا مخافةَ التأويل
ومضت يا لتعسِ حظّي سنون ⁘ وغنيٌّ حالي عن التفصيل
وانطوَت شُقَّةُ النوى والتقينا ⁘ بعدَ لأيٍّ وبعد قالٍ وقيل
فسَفَحتُ الدموعَ بين يديهِ ⁘ وهو في شبه حيرة المذهولِ
ينكثُ الرملَ مُطرقاً وأنا ⁘ أشكو إليه آلامَ دائي الوبيل
آه لو كان ريقهُ السلسَلُ ⁘ المعسولُ دمعي وشَعرُه منديلي
آه ما أعطشَ الفؤادَ إلى دمعَ ⁘ ةِ عطفٍ من جفنهِ المكحول
يا لمرآى الدموع وهيَ بناتُ الش ⁘ عر في مُقلةِ الحييِّ الخجول
فخرجنا من صمتِنا واعتنَقنا ⁘ وأخذنا بالضم والتقبيل
وشربنا بنتَ النخيل وما أعذب ⁘ ها في ظل الوصال الظليل
فسَكِرنا فرُحت أنشد شعراً ⁘ وهو يُصغي لشعريَ المعسول
ليلةٌ ذِكرياتُها ملءُ ذهني ⁘ وهيَ في ظلمةِ الأسى قنديلي
ليلةٌ لا كليلَةِ القدرِ بل خيرٌ ⁘ وخيرٌ واللّهِ من ألفِ جيلِ
أنا ديني الهوى ودمعي نبيّي ⁘ حينَ أصبو ووحيُهُ إنجيلي
رُبَّ صمتٍ يا صاح أوقعُ بل ⁘ أبلغُ في سحرهِ منَ التنزيلِ
ودموعُ العشّاقِ فيضٌ منَ الخل ⁘ دِ وشعرٌ يُزري بشعرِ الفُحولِ
وتناغي الأحبابِ في روضَةِ الوَص ⁘ لِ هديلٌ يغري ولا كالهَديلِ
وخفوقِ القلوبِ ضربٌ من ⁘ التسبيحِ عندَ اللقاءِ والتهليلِ
يا عروسَ الإلهامِ موعدُكِ الشاطىءُ ⁘ مأوى العشاقِ عندَ الأصيل
فإلى الملتقى هناكَ وهاتِ الشعرَ ⁘ من وحيِ دمعيَ المطلولِ
وزَفيري على المنى وشهيقي ⁘ وهيَ صرعى على يقيني القتيلِ
وصراخُ الأشجانِ في مُهجَةِ النف ⁘ سِ وصمتُ الأسى الممضّ الطويل
ونواحُ الآمالِ في غمرَةِ اليأ ⁘ سِ وجهشُ المعذّبِ المخذولِ
نفّسي عن مُعَذَّبِ الصدرِ حبّاً ⁘ ليعودَ الكرى لجَفني الكليل
فالمنى والرؤى وحلمُ الصبا وهمٌ ⁘ ولا عاشَ كلٌّ صبٍّ بخيلِ
ولهان ذو خافق رقّت حواشيه ⁘ يصبو فتنشره الذكرى وتطويه
كأنّه وهو فوق الغصن مضطرب ⁘ قلب المشوق وقد جدّ الهوى فيه
رأى الربيع وقد أودى الخريف به ⁘ بين الطيور كميت بين أهليه
فراح يرسلها أنّات محتضر ⁘ إلى السماء ويشكو ما يعانيه
لا الروض زاه ولا الاكمام باسمة ⁘ ولا عرائسه سكرى فتلهيه
يجيل ناظره فيه ويطرق في ⁘ صمت فيجيه مرآه ويبكيه
ماذا رأى غير أعوادٍ مبعثرة ⁘ على هشيم به وأرى أمانيه
فللخريف صراخ فيه يذعره ⁘ والريح تزفر في شتى نواحيه
حيران ما انفك مذهولا كمتهم ⁘ لم يجن ذنبا ولم ينجح محاميه
تطل من كوّة الماضي عليه وقد ⁘ أشجاه حاضره أطياف ماضيه
يرنو إليها كما يرنو المريض وما ⁘ أبلّ بعد إلى عيني مداويه
فيستمرّ نواحاً كالفطيم رأى ⁘ نديا فصاح وأين الثدي من فيه
وإن غفا راحت الأحلام عابثة ⁘ به فتدنيه أحيانا وتقصيه
وكم تراءت له من خلفها صور ⁘ يختال فيها الربيع البكر في تبه
فيستفيق فلا الأغصان مورقة ⁘ كلا ولا السامر الشادي يناجيه
فيسكب اللحن أنّاتٍ بغصّ بها ⁘ ويح الشتاء فما أقسى لياليه
ولّى الشتاء فوافى الدوح بلبله ⁘ وجاء آذار بالبثرى يهنيه
وأقبلت سحرا نشوى نسائمه ⁘ تهفو وتلثمه شوقا فتشفيه
واستقبل الروض بالأطياب شاعره ⁘ وهبّت الطير أسراباً تحبيه
فأين داوود من أثغام مطربه ⁘ وأين معبد من ألحان شاديه
جذلان يظفر من غصن إلى غصن ⁘ وبسمة الصبح بالإنشاد تغريه
فيورد الشعر آيات يرتلها ⁘ من وحي نيسان والأوتار ترويه
الروح تهفو لموسيقاه في مرح ⁘ والقلب يرشف أحلاما معانيه
تكاد تسمع فيه حين يرسله ⁘ دقات خافقه والوجد يكويه
وتلمح الفنّ في دنيا ترنمه ⁘ وتشرب السحر خمرا في تغنيّه
سكران يرقص فوق الدوح مبتهجا ⁘ والورق راد الضحى ولهى تصابيه
الفجر خماره يبدو فيصبحه ⁘ والروض معشوقه والأيك ناديه
رفّت على الورد والريحان شادية ⁘ أحلامه وبها خفّت أغانيه
حنا الربيع عليه وهو في جذل ⁘ كالطفل حين يناغيه مربيه
ذر الطبيعة يا هذا تدلله ⁘ ذره بأحضانها يشدو وتسقيه
ذرة وأفراخه في العش مغتبطا ⁘ بقربها ناعما دعها تناغيه
ولهان يفترش الرمال أصيلا ⁘ فيخاله الرائي هناك عليلا
طورا يئنّ وتارة يبكي ⁘ وآونةً تراه صامتاً مذهولا
كالطفل أشجاهُ الفطامُ فطرفُهُ ⁘ أبداً تراه بالدموع بليلا
أو كاليتيم وقد تملكهُ الأسى ⁘ فبكى وهل تشفي الدموع غليلا
وارحمتاه له فلم ير راحماً ⁘ في قومه ومواسياً ومقيلا
مسكين لا حرجٌ عليه إذا بكى ⁘ وإذا هنالك راح ينشد سولا
فالشاطىء الرملي مهبط حبه ⁘ ولكم هنالك رتل الإنجيلا
ويبث كل نسيمةٍ مرت به ⁘ شكوى تسيل لها النفوس مسيلا
لا غرو إن راح النسيم بسره ⁘ فإليه من يهوى اصطفته رسولا
أوّاه من ذكراي ليلة أقبلَت ⁘ سكرى تجرُّ على الرمال ذيولا
فالقلب صفّق هاتفا ومرتّلا ⁘ للقائها نغم الهوى ترتيلا
رددت تقديسا وتعظيما لها ⁘ بسجودي التكبير والتهليلا
وطفقت أقطف من شقائق خدّها ⁘ ولكم رشفت رضابها المعسولا
فتقول لي والكأس خصّب كفّها ⁘ إنّي لأهوى الضم والتقبيلا
فأجبت أخشى البدر يفشي سرنا ⁘ فأضفي علينا شعرك المسدولا
ما أن أداعبُ نهدها بأناملي ⁘ حتى أطوّق خصرها المهزولا
فتخالنا فوق الرمال ونحن في ⁘ سكر الغرام يثينةً وجميلا
قسماً سواها ما اتخذت خليلة ⁘ كلا ولا اختذت سواي خليلا
قدمت قربانا لمذبح حبها ⁘ روحي متى كان المحب بخيلا
حواء والهفي عليك فما سلا ⁘ قلبي ولا أرضى سواك بديلا
أهلوك قد جاروا عليك وعافني ⁘ أهلي وما أزمعت بعد رحيلا
تذكارك المحبوب معبودي متى ⁘ ينساك صبّ يعبد المنديلا
يا أخا الروح من يبلّ أوامي ⁘ يا لحزني وأنت تحت الرجام
من لقلبي وقد تملّكه اليأس ⁘ ونفسي الثكلى وروحي الطامي
آه من لي بلمّ شمل القوافي ⁘ فأنا لم يعد بكفّي زمامي
ربّة الشعر هات ما شئت منه ⁘ واطلعي يا عرائس الإلهام
أسعفيني به قلست بقنّاص ⁘ فاصطاده وبلي أوامي
اسعفيني به لأرثي رفيقا ⁘ غيّبوه تحت الحصا والرغام
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
يا أخا الروح آه ما ضرّ لو ⁘ ودّعتني أو خصصتني بالسلام
يا أخا الروح كيف أصدرت ⁘ الأقدار حكما عليك بالإعدام
كيف نفّذته بنفسك يا هذا ⁘ بلا رهبة ولا إحجام
وا صديقاه آه بل كيف يصفو ⁘ العيش لي بالقسوة الأحكام
كيف يحلو لي المقام بدار ⁘ الغدر والغشّ والفنا والسقام
كيف تحسو كاس الردى قبل أن ⁘ اشربه وهو غايتي ومرامي
ليتها إذ سقتك هذا غبوقا ⁘ أصبحتني الدنيا بكأس الحمام
لهف نفسي على شباب نضير ⁘ كفنوه واحرّ قلبي الدامي
لهف نفسي على المروءة والإخلاص ⁘ والنبل والشعور السامي
ذبل الغصن وهو غصن رطيب ⁘ وذوى الزهر وهو بالأكمام
وطويت البساط مذ غيّبوه ⁘ فدعوني يا معشر اللوام
حطّموا العود والكؤوس فلا ⁘ حاجة بالعود أو كؤوس المدام
واصرفوا عنّي الندامى ⁘ فقد عطّل نادي الغرام والأنغام
يا صديقي أما سمعت نواحي ⁘ كنواح الرضيع يوم الفطام
وأنيني أما سمعت أنيني ⁘ دونه يا أخي أنين الحمام
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
ليتهم إذ رموه بالضعف ذاقوا ⁘ بعض ما ذاقه من الأيام
وادّعوا أنّه الجبان أمنهم ⁘ واحد قابل الردى بابتسام
فمن الظلم أن يعذّب حرّ ⁘ ويعيش اللئام بعد الكرام
ومن الغبن أن تموت وما حقّقت ⁘ حلما وا ضيعة الأحلام
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
حطمت جسمه صروف الليالي ⁘ ورمته بالبؤس دنيا الطغام
وسقته صاب القنوط دهاقا ⁘ إي وربّي ألجام بعد الجام
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
كنت أشكو إليك آلامَ نفسي ⁘ حول ذاك الشاطي بجنح الظلام
فتواسي وما تملّ الموا ⁘ ساة فأرتاح ناسيا آلامي
كم سبحنا معا ونحن نشاوى ⁘ بسماء الخيال والأوهام
وسهرنا معا ونمنا وقمنا ⁘ وجلسنا العام بعد العام
وقتلنا مع الزمان ليالي الصي ⁘ ف بالشدو أو لذيذ الكلام
ولهونا على الرمال مع الصح ⁘ ب إلى أن يحين وقت المنام
يا لها من ذكرى تؤجج في القلب ⁘ ضراما ويا له من ضرام
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
فاض كاسي وخار عزمي وأعلنت ⁘ خضوعي لليأس واستسلامي
لست أسطيع ردّ صرف الليالي ⁘ أنا أغمدت رغم أنفي حسامي
وا صديقاه وا حنيني إليه ⁘ واشتياقي وحرقتي وهيامي
يا صديقي الشهيد نم ناعمَ البال ⁘ ودعنا نعيش كالأنعام
نم فيومي الأخير ليس بناء ⁘ فمتى يا ترىيصيب الرامي
نم فإنّ المقام بالقبر خير ⁘ للكريم الأبيّ بين اللئام
فعلى روحك البريئة عبد اللَه ⁘ ألفا تحيّة وسلام
يا بَني العُربِ إنّما الضعفُ عارٌ ⁘ إي ورَبّي سَلوا الشعوبَ القَويّه
كم ضَعيفٍ بكى ونادى فَراحَت ⁘ لِبُكاهُ تُقَهقِهُ المدفعيّه
لغةُ النارِ والحديدِ هيَ الفُص ⁘ حى وحظّ الضعيفِ مِنها المنيّه
ها هيَ الحربُ أشعلوها فرُحما ⁘ كَ إلهي بالأمّةِ العربيّه
يا بَني الفاتحينَ حتّامَ نَبقى ⁘ في رُكودٍ أينَ النفوسَ الأبيّه
غيرُنا حقّقَ الأماني وَبتنا ⁘ لَم نُحقّق لنا ولا أمنيّه
فمِنَ الغَبنِ أن نعيشَ عبيداً ⁘ أينَ ذاك الإباءُ أينَ الحَمِيّه
طلَع الفجرُ غَنِّ يا قمريّه ⁘ واطربي الروحَ بالأغاني الشَجيّه
واشدُ يا طيرُ بالغُصونِ وأيقِظ ⁘ بأناشيدِكَ الزهورَ النديّه
ملا الفجرُ أكؤسَ الوردِ راحاً ⁘ لك تُزري بالصرفَةِ البابليّه
فإذا ما اصطبَحتَ يا طيرُ عبّر ⁘ ما رأى الوردُ من رؤىً سِحريّه
وتقبّل وأنتَ نشوانُ شادٍ ⁘ قُبُلاتِ النسائم العطريّه
ها هو الصبحُ قد تبدّى تُحَلّي ⁘ ثَغرهُ الحلوَ بسمةٌ ورديّه
وانظُرِ الكونَ كَيفَ يَرفُل يا طي ⁘ رُ بتلكَ الغلائِلِ العَسجديّه
يا صَباحاً لِخَيرِ يومٍ تجلّى ⁘ جئتَ أهلاً وألف ألفِ تحيّه
بَزَغَت فوقَ فرقِكَ الشمسُ تاجاً ⁘ تَتلالا أنوارهُ الذهبيّه
غابَ بدرُ السماءِ لمّا تبَدّى ⁘ وتوارت منهُ النجومُ السنيه
كيف لا يُمنَحُ الجمالَ وفيهِ ⁘ أشرقَت طلعةُ النبي البهيّه
طلعةُ المنقذِ العظيمِ الذي ⁘ أنقذَهُم من مخالبِ الجاهليّه
طلعةُ المصلحِ الذي اسعد النا ⁘ سَ بظلّ الشريعةِ الأحمديّه
خصّهُ اللَهُ بالهدى فتجلّت ⁘ حِكمةُ اللَهِ خصّ نبيّه
قُرشِيٌّ صلّى عليهِ وأثنى ⁘ بالكتابِ المجيد ربُّ البريّه
يا بني العُربِ والكوارثُ تَترى ⁘ أوقِفوا سيرَها وصونوا البقيّه
يا بني الفاتحينَ إنّا بعَصرٍ ⁘ لا مُساواةَ فيه لا مدنيّه
لا إخاءٌ كما ادّعوا لا حقوقٌ ⁘ لضَعيفٍ عانٍ ولا حُريّه
بل بعصرٍ فيهِ الضعيفُ مُهانٌ ⁘ فالنجاةَ النجاةَ المشرفيّه
يا بني العربِ إنّما الضعفُ عارٌ ⁘ إي وربّي سلوا الشعوبَ القويّه
كم ضعيفٍ بكى ونادى فراح ⁘ ت لِبُكاهُ تُقَهقِهُ المدفعيّه
لُغَةُ النارِ والحديدِ هيَ الفُصح ⁘ ى وحظّ الضعيفِ منها المنيّه
ها هيَ الحربُ أشعَلوها فَرُ ⁘ حماكَ إلهي بالأمّةِ العربيّه
يا بني الفاتحين حتّامَ نبقى ⁘ في رُكودٍ أينَ النفوسَ الأبيّه
غَيرُنا حقّقَ الأماني وبتنا ⁘ لَم نُحقّق لنا ولا أمنيّه
فمِنَ الغَبنِ أن نعيشَ عبيداً ⁘ أينَ ذاك الإباءُ أينَ الحَمِيّه
قُم معي نَبكِ مجدَنا ونسحُّ ⁘ الدمعَ حُزناً ونندبُ القَوميّه
قُم معي نسألِ الطلولَ عساها ⁘ تَشفِ بالردّ غلّةً روحيّه
وعن ابنِ الخطّابِ من حكمهُ الع ⁘ دل وسعدٌ بوقعةِ القادسيّه
يا طائرَ الفجرِ من بالراح أغرانا ⁘ إلاك حين تناغي الروض سكرانا
قم واصطبح فكؤوس الورد مترعة ⁘ من خمرة الفجر إن الفجر قد بانا
وارقص وصفق وطر واهتف وغن به ⁘ وحيه واسكب الأشواق ألحانا
كم نغمة صغت من إلهام روعته ⁘ ووحي طلعته فاصدح بها الانا
وسائل الروض عن أحلام غفوته ⁘ واستخبر الآس والنوار والبانا
وابعث بأنفسنا ميت العزاء فقد ⁘ أودى بها اليأسُ واسمع بعد شكوانا
يا جيرة الروض من منكم يخبرنا ⁘ فالدهر أدناكم منه وأقصانا
كيف الأحبّة جاد الغيث ربعهم ⁘ إنا على عهدهم رغم الذي كانا
سلوا بربكم ليلاكم فلكم ⁘ باتت تشاكي بجنح الليل ليلانا
كم كاشفتها بما ضمت جوانحها ⁘ فتذرف الدمع إشفاقا وتحنانا
يا جيرة الروض والأحلام شاردة ⁘ ما كان أسعدكم فيه وأشقانا
في ذمة اللَه ما ضينا وحاضرنا ⁘ بؤس ويأس ألا سحقا لمن خانا
ليلى تعالى وردي بعض ما أخذت ⁘ منا ليالي النوى عطفا وإحسانا
ليلى تعالي فصرف الدهر أعلنها ⁘ حربا وحطمنا ظلما وطغيانا
ليلى تعالي لنشكو ما نكابده ⁘ في الحي مذ أصبح الأحرار عبدانا
ليلى تعالي فإن الشك خامرنا ⁘ وكفكفي دمعنا فالوضع أبكانا
ليلى تعالي أديريها مشعشعة ⁘ لعل بالراح يا ليلاي سلوانا
إنا منادوك يا ليلى فلا عجب ⁘ فأنت والله دنيانا وأخرانا
يا عيد عدت فأين الروض والعود ⁘ والهف نفسي وأين الراح والغيد
بل أين أحباب قلبي والمواعيد ⁘ عيد بأيّة حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد ⁘ قلبي أسيرٌ وربّ البيت عندهم
قد حيل واحسرتا بيني وبينهم ⁘ أين المؤاسون فاض الكاس أين هم
أمّا الأحبّة فالبيداء دونهُم ⁘ فليت دونك بيداً دونها بيد
أوّاه ضاعف أحزاني شرابكما ⁘ شتّان شتّان ما بيني وبينكما
فخبّراني بحقّ اللَه ربّكما ⁘ يا ساقييّ أخمرٌ في كؤؤسكما
أم في كؤوسكما همّ وتسهيد ⁘ يا للتّعاسة لا الأوتار تطربني
بشدوها لا ولا الأنغام تؤنسني ⁘ فيا ندامى أمنكم من يخبّرني
أخصرةٌ أنا مالي لا تحرّكني ⁘ هذي المدام ولا تلك الأغاريد
بالأمس كانت قطوف الوصل دانيةً ⁘ واليوم أضحت لتعس الحظّ قاصية
وضاع عمري وما حقّقت أمنيةً ⁘ إذا أردت كميت الخمر صافية
وجدتها وحبيب النفس مفقود ⁘ يومي كأمسي وأمسي أوسد وغدي
يا دهر خفّف كفى ما ذقت لا تزد ⁘ ويا رفاقي اعذروني إن نفضت يدي
لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي ⁘ شيئا تتيّمه عين ولا جيد
فكم شكوت ولكن لم أجد أحدا ⁘ يصغي فأبكي وهل تروي الدموع صدى
وعشت لا أرتجي مالاً ولا ولدا ⁘ وكنت أروح مثر خازنا ويدا
أنا الغنيّ وأموالي المواعيد ⁘ وعشت بين أناس لا وعودهم
تشفي غليلا ولا تغني عهودهم ⁘ عميٌ وأطماعهم أمسَت تقودهم
جود الرجال من الأيدي وجودهم ⁘ من اللسان فلا كانوا ولا الجود
يا ليتني فوق الغصون حمامة ⁘ لأنوح بالآصال والأسحار
علي أرى في الروض من يفضي ⁘ إليّ بسرّه وأبثّه أسراري
أو أنّني بين النسائم نسمة ⁘ لأبشّر الأطيار في آذار
وأطوف بعد الأرض آفاق السما ⁘ لأرى مكان حبيبي المتواري
يا ليتني بين الورود فراشه ⁘ تروى الصدى من أكؤس الأزهار
حتّى إذا شفت الغليل تعطشست ⁘ للموت واندفعت بجوف النار
أو أنني يا فجر قبّرة أرف ⁘ رف في جناحي بالفضاء العاري
لأردّد النغمات سكرانا ⁘ بخمر الحسن قبل تألّق الأنوار
يا ليتني بين الروابي ربوة ⁘ خضراء مشرقة على الوديان
لأكون منمبر كل طير صادحٍ ⁘ ويكون سفحي مسرح الغزلان
أو أنني وسط الحدائق جدول ⁘ ينساب بين الورد والريحان
لترفرف الأطيار فوق مياهه ⁘ سكرى ترجّع أعذب الألحان
يا ليتني طير لأسبح في الفضا ⁘ وأؤوب مغتبطاً مع الأطيار
أو بلبل لأشنّف الأسماع بالن ⁘ غم الرقيق على ذرى الأشجار
أو أنني للعود أمسي ريشة ⁘ لتمرّ بي الأيدي على الأوتار
لأبثّها شكوى الهوى فلعلّها ⁘ ترثي لحال العاشق المحتار
يا ليتني يا ليتني قمريّة ⁘ لائنّ بالإصباح والإمساء
عليّ أثير بقلب كلّ مليحة ⁘ عطفا على البؤسا من الشعراء
أو أنّني وسط الرياض خميلة ⁘ لأعطّر الأجواء بالأشذاء
أو وردةٌ صاغ الربيع جمالها ⁘ لترشّني الأصباح بالأنداء
فلكم تراءى لي الخيال حقيقة ⁘ فيخالني الرائي صريع عقار
فأفيق مذهولاً وأهتف من أنا ⁘ فأجاب مجنون بعقر الدار
يا حبّ بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حبّ أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار
يا من صهرت لهم شعوري ⁘ فجراً على شدو الطيور
وتالّق البسمات من ⁘ ثغر الصباح المستنير
وطواف أحلام الحمائم ⁘ والبلابل بالزهور
ورفيفها بالأفق وهي ⁘ مضمّخات بالعطور
نشوى سقاها الفجر فهي ⁘ معربدات في الأثير
وسكبته من غور وجداني ⁘ وأعماق الضمير
بقصيدة واللَه يعلم ⁘ وحده ما في الصدور
أوحى بها حبّي ⁘ لموطنيَ العزيز وللأمير
يا من صهرت لهم شعوري ⁘ فجراً على شدو الطيور
باللَه معذرةً فديتكم ⁘ على عدم الحضور
قد حيل بين الماء ⁘ والعطشان في حرّ الهيجر
باللَه قف حيّ المعارف ⁘ بالنظيم وبالنثير
بفرائد تشدو بفضل ⁘ رئيسها الحرّ الغيور
وصحابه الأمجاد أع ⁘ ضاء المعاف والمدير
واشكر أساتذة سموا ⁘ بشبيبة الشعب الشكور
فالشعب مديون لهم ⁘ بثقافة النشء الفخور
وارفع لمعتمد الحكومة ⁘ خالص الشكر الوفير
إنّي لمغتبط بما ⁘ أبداه نحوي من شعور
فاليوم جائزة وقبل ⁘ اليوم أخرى في سطور
برسالة قد جنّحت ⁘ قلبي فطار من السرور
فارفع لمعتمد الحكومة ⁘ خالص الشكر الوفير
واستقبل الأمل الوحيد ⁘ على زغاريد البشير
واقطف لنا ورد المنى من ⁘ روضه الزاهي النضير
وانظم فديتك منه إكلي ⁘ لا على نفح العبير
واهبط به دسمان في راد ⁘ الضحى فخر القصور
واهتف لمولانا الأمير ⁘ الأوحد الفذّ الخبير
يا مَيُّ نابَ السمعُ عن بَصَري ⁘ في الليلَةِ السوداءِ من صَفَرِ
ذَهَبَت فلا رجعَت مُخَلَّفةً ⁘ في غورِ روحي أسوا الأثَرِ
ماذا أقولُ وإن شكَوتُ فمِن ⁘ جورِ القضاءِ وقسوَةِ القدرِ
الصدرُ مُنقَبضٌ ولا عجَبٌ ⁘ والنفسُ نَهبُ الهمِّ والضَجَرِ
وأقامَ أحزاني وأقعدَها ⁘ في جانِحَيَّ تَرَنُّمُ الوَتَرِ
والكأسُ في يُمنايَ تَنظرني ⁘ شَزراً فأَشربُها على حَذَرِ
وأرَقتُها كرهاً على جزعٍ ⁘ فوقَ الرمالِ وبتُّ في سقرِ
والصحبُ راحوا حينَما شَرِبوا ⁘ يَتَبادلون طرائفَ السمَرِ
نعمَ الندامى لا عدِمتُهُمُ ⁘ يتألَّقونَ كأنجُمِ السحَرِ
يا ميُّ والأحلامُ شاردةٌ ⁘ رُحماكِ رُدّيها لمفتَقِرِ
يا ميّ والأيّامُ عابسةٌ ⁘ باللَهِ غنّي وارقُصي وذَري
يا ميُّ والأقدارُ ساخِرةٌ ⁘ منّا ولم نسخَر ولم نثُر
قومي لنَسخَرَ مثلَما سخِرَت ⁘ من كلِّ مُدَّخِرٍ ومُحتَكرِ
ما لي أحيّي الشمسَ مُغتَبطاً ⁘ عندَ الغروبِ بأروَعِ السورِ
ما لي أودّعُها إذا طلَعت ⁘ بمدامِعي وأعودُ بالكدَرِ
ما لي أرى الغربانَ طائرةً ⁘ والصقرَ دامي القلبِ لم يطِرِ
ما لي أرى جاري يكَفّرني ⁘ ويُقَدِّمُ القُربانَ للحجَرِ
ما لي أرى العُريانِ يسألُهُ ⁘ عن بيتِ ليلى كلُّ مؤتزرِ
ما لي أرى المسكين يلهَثُ في ⁘ هوج الرياح وهاطل المطر
ما لي أرى شمعونَ يظلمهُ ⁘ ويبيتُ مرتاحاً على السرر
ما لي أرى البير منتفِخاً ⁘ وقميصهُ قد قُدَّ من دُبُرِ
ما لي أرى ساسون يجرَحُني ⁘ ويقول لابنةِ عمِّهِ اعتذري
ما لي أرى حز قيل يقتُلُ مَن ⁘ يهواهُ من أنثى ومن ذكَرِ
قد طالَ هجرُكَ يا ربيعُ فيا ⁘ لتعاسَةِ الأطيارِ والزَهَرِ
دنيا المهازل والشذوذ غدَت ⁘ نار الليوثِ وجنّةَ الحُمُرِ
من لي بمشنَقَةٍ أحزُّ بها ⁘ بعضَ الرقابِ وصارمٍ ذكر
فلسَوف ينفُخُ يا لخيبتِهِم ⁘ بالصور إسرافيلُ فانتظري
فمُشَبّهو ليلى بوالدِها ⁘ شتّانَ بين الفحم والدُرَرِ
سرَقَ ابن آوى ديكَنا سحَراً ⁘ ودجاجُنا منه على خطَرِ
والفأرُ يشرَبُ بيضَها طَرباً ⁘ أبداً فيا لتبلبُلِ الفِكَر
إن جُعتَ يا صيّادُ ويحَكَ لا ⁘ تَتعَب وخلّ الطيرَ في الشجَرِ
وتعالَ حدّثنا وصلّ بنا ⁘ وأكُل كغيركَ أطيبَ الثمَرِ
لا تحسَبي يا ميُّ أن يدي ⁘ مغلولةٌ غُلَّت يَدُ الأشِرِ
فالحرّ من جورِ الزمانِ هنا ⁘ وهُناكَ بين النابِ والظُفُرِ
حسناءُ هاكِ وحطّمي قدحي ⁘ فالكأسُ قد دارَت على البَقَرِ
لا تعجبي مما صدعتُ بهِ ⁘ فالنارُ لا تخلو من الشَررِ
حسناءُ والأجفانُ قد ثَقُلَت ⁘ هاتي الدواء وكحّلي بصَري
يا نديمي في صبايا ⁘ أنت يا ملهى الصبايا
أنت يا مهد هواها ⁘ ورؤاها وهوايا
أنت يا ملهم قلبي ⁘ الشعر جدّدت أسايا
وبعثت الحب والهفي ⁘ على تلك البقايا
يا سمير الأمس يا من ⁘ فيه لم يخل محلّي
يوم كنّا نتعاطى ⁘ الراح سرّاً ونصلّي
نستحي حتى من ⁘ الأنجم والبدر المطل
أين أمسي والتي كم ⁘ ساءها بالحب ذلي
ها هو الشاطىء فاسمع ⁘ أيها القلبُ هديره
وصراخ الموج في الظل ⁘ ماء طوراً وزفيره
وعويل الريح إذ تلطم ⁘ بالموج صخوره
مأتم ثار به العق ⁘ لُ على الروح الأسيره
أيهذا الهائج الصاخب ⁘ أوقدت الضراما
ومن الآثار والأطياف ⁘ ما يذكي الغراما
أنا عطشان وكم من ⁘ نبأٍ بلّ أواما
فعن السمراء خبّرني ⁘ وأقرئها السلاما
ها هنا عاهدت هندا ⁘ بعدما حرّرت نفسي
ها هنا بالحبّ والنشوة ⁘ قد غيّبت نحسي
وهنا في غيهب الأتراح قد ⁘ واريت أُنسي
وهنا أبكيت هندا ⁘ فاحفروا إن متّ رمسي
هذه الصخرة كم في ⁘ ظلّها وقت الظهيره
جلست منشدةً شادي ⁘ ةً هند الصغيره
وعلى تلك وهذي ⁘ في ليالينا الأخيره
كم نشرنا من بساط ⁘ وشربنا بالكبيره
وعلى هاتيك والشمس ⁘ بأحضان المغيب
بحت قبل القبلة الأولى ⁘ بحبي للحبيب
وعروس الشعر كم ⁘ طافت بذيّاك الكئيب
وعليه هند كم ⁘ غنّت لحون العندليب
إنّ لي عندك لحناً ⁘ هاته يا موج هاته
من لحون هتف الصي ⁘ فُ بها في أُمسياته
فهي للقلب وكم رتّلها ⁘ في صلواته
أنا في معبده قد ⁘ صغتها من عبراته
كن ضنينا أيها اللي ⁘ لُ بسرّ قد أذاعه
تائه يبحث في جنحك ⁘ عن كنزٍ أضاعه
هو كالملّاح حين ⁘ التهم اليمّ متاعه
وانبرى للريح والموج ⁘ فلم تُغن الشجاعه
يا ليالي القرب والإل ⁘ هام بالماضي القريب
كم تراءى لي على ذكراك ⁘ من طيف حبيب
فطغى الشوق وقد يلهي ⁘ النوى بعض القلوب
ما أنا بعدك بالحاسي ⁘ وبالشادي الطروب
يا ندامى قد تحدّى ⁘ الهمّ في قلبي المداما
هاك كأسي هاك يا ⁘ ساقي وعذرا يا ندامى
وذروني أجرع الصاب ⁘ وأستوحي الظلاما
فأسير القيد يصلي ⁘ كاسه نارا إذا ما
يا فتاة الأمس وأشوقي ⁘ لأمسي وفتاته
وهواء اليوم قد هبّ ⁘ بقلبي من سباته
وإلى الشاطىء والأمس ⁘ مضى في حسناته
عدت محمولاً على أجنحةٍ ⁘ من ذكرياته
عودة طاف به العاشق ⁘ يا هند وجالا
يسأل الشاطىء والأمواج ⁘ ليلا والرمالا
والدجى والنجم والريح ⁘ جنوبا وشمالا
ولكم حيا به طيفا ⁘ وكم ناجى خيالا
يا فتاتي حسب من ناداك ⁘ في الفصل المخيف
حسب من كهفه يا ⁘ ربّة القصر المنيف
حسبه من هنده ⁘ في ثورة الحب العنيف
قبلةٌ يغرق في ⁘ خمرتها همّ الخريف
فتعالي فزئير الريح ⁘ بالوصل صداح
واصطخاب الموج شدوٌ ⁘ ودموع المزن راح
لا تقولي نسيَ ال ⁘ ماضي وفي الحيّ ملاح
أنت قيثاري وكاسي و ⁘ سمائي والجناح