أي وعينيك فاض كأس غرامي ⁘ يا حبيبي وما بلغت مرامي
يا حبيبي تلك الدعايات لم ترو ⁘ وربّي صدى فؤادي الظامي
يا أسيل الخدّين باللَه هب لي ⁘ قبلةٌ من لماك واشف أوامي
بحقوق الحبّ المبرّح إرحم ⁘ وتصدّق بها على المستهام
يا حبيبي رحماك أنهكني الصحو ⁘ وفي ثغرك الجميل مدامي
أمن العدل أن تجرّعني الصاب ⁘ دهاقاً جاما على إثر جام
وأقاسي من الضنا والسقام ⁘ ما أقاسي وأنت تلهو أمامي
يا حبيبي وللفؤاد طوافٌ ⁘ فارعه حول ثغرك البسّام
يا حبيبي إليك فوّضت أمري ⁘ رغم أنف الوشاة واللوام
هاك قلبي وهاك عقلي وروحي ⁘ يا ملاكي وخذ إليك زماني
أنت ألهمتني القريض فأنصت ⁘ لنشيدي يا مصدر الإلهام
واصغ يا منيتي ومشعل روحي ⁘ بسكون الدجى إلى أنغامي
ساهراً حول شاطىء الرمل وحدي ⁘ نادبا شاكيا بجنح الظلام
وأنادي والقلب ذاب وجفّ ال ⁘ كاسُ أين الطلا وأين غلامي
وإذا ما بدا الصباح وبُحّ ⁘ الصوت منّي وسال جرحي الدامي
أدبر الليل حاملاً زفراتي ⁘ وأنيني وتاركا آلامي
يا حبيبي إليك وجّهت وجهي ⁘ أي وعينيك طيلة الأعوام
كيف لا والجمال فيك تجلّى ⁘ وبه قد عبدت ربّ الأنام
لك ثغر يفترّ عن بسمات ⁘ ضوؤها أيقظ الشعور السامي
بسمات ما افترّ مبسمك الور ⁘ ديّ عنها إلّا وطاطأت هامي
تتجلّى بها البراءة والطهر ⁘ وهذا وتلك سرّ غرامي
وحديث كم هزّ أوتار روحي ⁘ ودلال ألذّ من أحلامي
وطباع أرقّ من بسمة الفجر ⁘ وصوتٌ يزري بشدو الحمام
ومحيّا ملائكيّ جميل ⁘ في فضا الروح لاح بدر تمام
وبروحي روح أخفّ وأتقى ⁘ من رحيق الصباح بالأكمام
وقوام أين الأماليد منه ⁘ بالتثنّي أجمل به من قوام
يا حبيب الفؤاد زدني غراما ⁘ بخضوعي لديك واسترحامي
أنت تدري بأنّني بك صبٌّ ⁘ لست أعمى يا أيّها المتسامي
أصدر الحكم إنّ حكمك عدل ⁘ أنا راضٍ لو جرت بالأحكام
يا حبيبي حتّام أكتم حبّي ⁘ أي وعينيك فاض كأس غرامي
صَهَرتُ في قدحِ الصهباءِ أحزاني ⁘ وصُغتُ من ذَوبها شِعري وألحاني
وبتُّ في غَلَسِ الظلماءِ أُرسِلُها ⁘ من غورِ روحي ومن أعماقِ وجداني
يا ليلُ ضاقت بشكوايَ الصدورُ وما ⁘ ضاقَت بغلٍّ وأحقادٍ وأضغان
فجئتُ أشكو إليكَ المرجفينَ وهم ⁘ لا درَّ درُّهُمُ أسبابُ خذلاني
يا ليلُ والروح عَطشى وهيَ هائِمةٌ ⁘ هَل في المجرّةِ من ريٍّ لعطشانِ
يا ليلُ والنفسُ غَرثى وهيَ حائرةٌ ⁘ فهَل بنَجمِكَ من زادٍ لغَرثانِ
يا ليلُ والعينُ سهرى وهيَ دامعةٌ ⁘ فهَل بجُنحِكَ من راثٍ لسَهرانِ
يا ليلُ حَسبي وصدري ملؤهُ ضرمٌ ⁘ تلكَ البقيَّةُ فافتَح صَدركَ الحاني
فكَم بهِ لمَسَت روحي العزاءَ وقد ⁘ أودَعَتهُ سرّ آلامي وأشجاني
يا ليلُ أينَ الكرى بل أينَ طيفهُم ⁘ فكَم بوادي الكرى يا ليلُ واساني
وكم هَفَت وَصَبَت نفسي إلى حُلُمٍ ⁘ مُجنّحٍ راقصٍ في النورِ نَشوانِ
حُلمٌ يرفُّ على لالاءِ مَبسِمها ⁘ ليلاً ويَصدرُ صُبحاً غيرَ صَديانِ
يا ساقيَ الخمرِ لا شُلَّت يداكَ أدِر ⁘ بنتَ النخيلِ فإنّ الصحوَ أضناني
وانضَح بها كبداً نَهبَ الجوى واثر ⁘ باللَه غافيَ إحساسي وإيماني
فكم على ضوئِها الفضيّ من صُوَرٍ ⁘ شتّى تجلّت لعيني ذات ألوان
وَرُحتُ استَعرضُ الماضي فاطرَبني ⁘ بها ومن ثمّ أشجاني وأبكاني
حتّى سَكَبت على ذِكراهُ أغنيةً ⁘ من وَحيِ بُؤسي ومن إلهامِ خِرماني
يا ساقيَ الخَمرِ زِدني فالرؤى هَتَفَت ⁘ بي وهيَ سكرى وما اغمَضتُ أجفاني
تراقصَ الحَبَبُ المِمراحُ في قدَحي ⁘ فأينَ أينَ الكرى من جفنِ سكرانِ
يا جيرةَ البانِ حيّا الغَيثُ رَوضَكمُ ⁘ وجادَ واديكمُ يا جيرةَ البان
واللَهِ ما هبَطَت ليلايَ دارَكمُ ⁘ إلّا وحلّت بها ما بينَ إخواني
فمَن بأحضانِ ذاكَ الروضِ شاهَدها ⁘ مُواسياً غيرُ أقراني وخلّاني
ومَن على وردهِ المعطارِ نادمَها ⁘ على الطّلا غيرُ سُمّاري ونُدماني
باللَهِ هل فُسِّرَت أحلامُ روضِكُم ⁘ وهنّا لانسامِ آذارٍ ونيسانِ
وهل شجا قلبَها نوحُ الحمامِ بهِ ⁘ فاستَعبَرَت وَرَثَت لي بعدَ فقداني
وَهَل أنينُ سواقيهِ وأدمُعُها ⁘ في الروضِ ذكّرَها بالوامقِ العاني
وهَل فراشاتهُ طافَت بوجنَتِها ⁘ وغازلَت وهيَ نشوى وردَها القاني
يا أهلَ ليلايَ مُذ شطّ المزارُ بكم ⁘ لا الحيُّ حيّي ولا الجيرانُ جيراني
كلّا ولا الروح روحي مُذ هفَت وصَبَت ⁘ لساكني الحيّ من غيدٍ ومُردان
نَزَحتُمُ وضبابُ الشكّ خيّمَ في ⁘ آفاقِ نَفسي وكم بالكُفرِ أغراني
لولا بقيَّةُ إيمانٍ ترُفُّ منى ⁘ قلبي على ضوئها في ليل أحزاني
يا ساكِني القَصرِ دام السعدُ مُبتَسِماً ⁘ لكُم ودُمتُم ودامَ النحسُ للشاني
إن يجحَدِ القومُ والأوطانُ فَضلَكُمُ ⁘ لا القومُ قومي ولا الأوطانُ أوطاني
لي بينَ غزلانِكم ظبيٌ كَلِفتُ به ⁘ ظبيٌ تَرَعرَعَ في جنّاتِ رضوانِ
واللَهُ أبدعَ في تصويرهِ وكفى ⁘ أُعيدهُ بكمُ من كلِّ شَيطانِ
ما أن وَقَفتُ عليها مُهجتي ودَمي ⁘ حتّى قَصَرتُ أناشيدي وأوزاني
فيا إله الهوى رفقاً بعابِدِها ⁘ فالقلب ما نال من معبوده الثاني
والفكرُ يا أهلَ ليلايَ استقَلَّ بها ⁘ والروحُ يا مذبحَ العُشّاقِ قُرباني
حُبٌّ برىءٌ نما في خافِقي وَسَما ⁘ وهَل يُعَمَّرُ حُبٌّ غيرُ روحاني
طرَقتني فجر يوم المولد ⁘ وأبوها عاكفٌ في المسجد
فالتقى الثغران رغم الحسد ⁘ وكلانا متعبُ القلب صدي
غادةٌ لم تخش إنذار أبيها ⁘ لا ولم تحفل بتهديد أخيها
حين قالت أمّها قومي أغنميها ⁘ ساعة هيا معي لا تقعدي
فارتدت ثوبَ أخيها وهو نائم ⁘ وأتت تحرسُها والجوّ غائم
بأبي هائمة زفّت لهائم ⁘ موجع القلب جريح الكبد
فشجا نفسيَ ما مرّ ببالي ⁘ حين أبكاها شحوبي وهزالي
قلتُ صونيها فإنّ الدمع غالي ⁘ أدمعاً للروح لا للجسد
ونشرنا وطوينا صفحات ⁘ وسخرنا من أراجيف الوشاة
وتصفّحنا سجل الذكريات ⁘ برهةٌ واندمل الجرح الندي
ثم قالت ورذاذ المطر ⁘ حبس الطير ولما يطر
هات بنت النخل يا ابن العسكر ⁘ لا يطاق الصحو في ذا البلد
هاتها بيضاء من خمر العراق ⁘ كم بها حلّق بالندمان ساقي
ولنعاقرها معا قبل الفراق ⁘ ثم قامت ونضَت ما ترتدي
وفضضنا ختمها والسعد باسم ⁘ وسكبناها على همس النسائم
وأدرناها وأنف الشيخ راغم ⁘ وشربناها ولم نقتصد
خمرةً تسمو بذي الخلق الكريم ⁘ بتّ منها في فراديس النعيم
قبلتي كأسي ومعبودي نديمي ⁘ ما ألذّ الخمر من تلك اليد
يد حسناءٍ تعطي الراح شاعر ⁘ ذات حسٍّ يخلبُ الألبابَ ساحر
فجبين زاهر والجفن فاتر ⁘ وفم يغري وشعر عسجدي
يا لمرآى شاعر يسقي غريره ⁘ ويناغيها بألحانٍ مثره
ولمرآى غادة نشوى صغيره ⁘ وهي تسقيه وكم قالت زد
وشفينا إذ سكرنا الغللا ⁘ وتغنّت بهوانا كيف لا
فانتشى الكون وقد أصغى إلى ⁘ صوتها العذب الحنون الغرد
واعتنقنا يا لها من لحظات ⁘ هي سر العيش بل معنى الحياة
من رآنا خالنا صرعى السبات ⁘ آه لو كان سباتا أبدي
وترشفنا حميا القبل ⁘ وتركنا النوم للغر الخلي
وتحدثنا عن المستقبل ⁘ وأزحنا الستر عن دنيا الغد
وأفقنا فإذا بالشيخ قادم ⁘ وكلانا مطمئن النفس ناعم
وافترقنا ولتقُم شتى المزاعم ⁘ فلظى مأوى الأثيم المعتدي
عشق المجد والهوى فكرةٌ تنمو ⁘ وتسمو بالروح والوجدان
واجتوى الذل كيف لا وهو حرّ ⁘ أيطيق الأحرار عيش الهوان
يا له اللَه من همامٍ غيورٍ ⁘ صادق العزم ثابت الإيمان
حمل قبل أن تدول الرحى لي ⁘ يٌ إذا أوشكت قويّ الجنان
يتغنى والموت منه قريب ⁘ بالمنى والجنديّ رمز التفاني
أيّ وقع في النفس صاح لمرأى ⁘ مستميت يختال في الأكفان
تتراءى في عينه صور قد ⁘ أخرست عبقريّة الفنان
رسمتها بريشة الحزم والعز ⁘ م يد الحق في أدق معان
وإذا ما دعاه قائده الباسل لب ⁘ ى بالروح لا باللسان
يتخطى الصعاب غير مبال ⁘ بزفير الآلات والنيران
وزئير الحديد في أذنيه ⁘ شدو قيثارة ورجع مثاني
وأنين الجرحى وحشرجة المو ⁘ تى هتافٌ لا عاش كلّ جبان
ويزيد الملاح في ثورة اليم ⁘ نشاطا مهارة الربّان
دمه في عروقه أجّجته ⁘ ثورة الروح فهو في غليان
هاتف صارخ به وهو في لي ⁘ لٍ من النقع بين سحب الدخان
وكؤوس الردى يطوف بها الهو ⁘ ل فللّه سكرة الندمان
كلما صفّق العلا لشهيد ⁘ هتف المجد للشهيد الثاني
أي بأس كبأسه حيثما ثار ⁘ بوجه الأعداء كالبركان
ثورة زلزلت قلوبا وأرواحا ⁘ فباء العدو بالخذلان
إن للحقّ صولةً تصرع الظلم ⁘ وتودي بالبغي والطغيان
وجنودا تمدّهم قوّة الل ⁘ هِ ويرعاهم بعين الحنان
وجلالاً ملءَ النفوسِ تجلى ⁘ بثبات الشيوخ والشبّان
وجمالاً حواه أسمى وسام ⁘ رصّعته الجروح بالمرجان
إيه يا ابن الحريّة البكر ⁘ أبليت فإن يهدموا فأنت الباني
فعليك السلام حيّا وميتا ⁘ وتقبّل منّا أحرّ التهاني
قومي اسمعي يا بنتَ جاري ⁘ شكوى الهزار إلى الهزارِ
شكوى الحبيسِ المستجير ⁘ منَ الطليقِ المستطارِ
شكوى صريعِ الكاسِ كأسِ الص ⁘ ابِ لا كأسِ العُقارِ
شكوى لها اضطرَبَت لفَ ⁘ رط الحُزنِ احشاءُ الدراري
والبدرُ كم ودَّ الهُوِيَّ ⁘ لمسحِ أدمعهِ الجَواري
صبَّت عليهِ طُيوفُ ماضي ⁘ هِ القريبِ سياطَ نارِ
للَهِ ما لاقى وكابَد ⁘ في جحيمِ الإدّكار
يا ابنَ النهارِ وكَم شكا اب ⁘ نُ الليلِ من طولِ النهارِ
أيّامَ كُنّا والكواشِحُ ⁘ هُجَّعٌ خَلفَ الستارِ
هل كان منّا حظّهُم ⁘ إذ ذاكَ غيرُ الإندِحارِ
في معقلٍ لم نَخشَ قطّ ⁘ بهِ الطوارقَ والطواري
والسعدُ خُدنٌ والصِبا ⁘ ريّانٌ في قربِ المزارِ
لا روضُهُ استسقى السم ⁘ ماءَ ولا خمائِلُه عواري
والطيرُ نشوى في مناب ⁘ رِهِ فمن مُصغٍ وقاري
وزمامُ مَن أهواهُ في ⁘ اليُمنى وكاسي في يَساري
لا أشتكي برحَ الصدودِ ⁘ ولم أذُق ألمَ الخمار
فبذاكَ تجنيحُ المُنى ⁘ وبتلكَ إطفاءُ الأوارِ
من جُلّنارِ خدودهِ ⁘ نُقلي ومن آسِ العذارِ
وأقاحِ ثَغرِ كم نظَم ⁘ تُ ببنتهِ إكليلَ غاري
قُبَلٌ بها رفَّت منى ⁘ نَفسي على قدَحي المدارِ
بأبي بياضاً في احمرارٍ ⁘ واحمِراراً في اخضِرارِ
وبِمُهجَتي خَفَراً ودَلّاً ⁘ دونَهُ دَلُّ العذاري
ذَوبُ اللجينِ غبوقُنا ⁘ وصَبوحُنا ذَوبُ النُضارِ
لم تخبُ من بنتِ النخيلِ ⁘ ولا ابنَةِ العُنقودِ ناري
كم بينَ تلكَ وهذهِ ⁘ مِن حجَّةٍ لي واعتمارِ
يصحو فيَهتفُ بي بدارِ ⁘ وكم هتَفتُ بهِ بدارِ
فَرَنا وهبَّ فجنَّحَت ⁘ قلبي حُمَيّا الإحوِرارِ
ولَثمتُهُ وبثَثتهُ ⁘ شَكوايَ همساً من حذارِ
وهَصَرتُ بانةَ قدّهِ ⁘ فحَسا الصبوحَ على اهتِصاري
وافتَرَّ مَبسمهُ فيا ⁘ لجمالِ ذاكَ الإفترارِ
فيَخالُنا الرائي قُبَيلَ ⁘ العودِ من رميِ الجمارِ
ملَكَين في دُنيا الغرامِ ⁘ منَ الملائكَةِ الخيارِ
هبَطا بأجنِحَةِ الهوى ⁘ والوجدِ والشوقِ المثارِ
أحضانهُ حرمي الشريفُ ⁘ وضوءُ مفرقهِ مناري
وجمالُه فردَوسُ روحي ⁘ كم جنَت أشهى الثمارِ
وعُيونهُ توحي على ⁘ همسِ النسيماتِ السواري
فأصوغُ من إلهامِها ⁘ غُرَراً ولم أعدِم قراري
بلباقةٍ ورشاقَةٍ ⁘ ووضوحِ معنىً باقتِدارِ
أشدو وكَم أسكَرتُ أرواحنا ⁘ بموسيقى ابتِكاري
وسَكَبتُ لحناً عسكريّاً ⁘ دونهُ وقَفَ المُباري
فَسَلِ البلابِلَ في الجنائنِ ⁘ عن لحوني والقماري
تُنبيكَ عن إعجابها ⁘ بجَمالِ ذوقي واختياري
ومُعَنِّفٍ وافى فأخرَسَهُ ⁘ انتِهاري وازوِراري
يا لائِمي هذا شعاري في ⁘ الهوى هذا شِعاري
ثَكِلَتكَ أمُّكَ أيّ إثمٍ ⁘ في التمازجِ أيُّ عارِ
ما للأحِبَّةِ في الوصال ⁘ وللتَزَمُّتِ والوقارِ
ما جنَّحَ الأرواحَ فانطَلَقَت ⁘ سوى خلعِ العذارِ
يا ابن النهارِ وكم شكا اب ⁘ نُ الليلِ من قِصَرِ النهار
لمَ لا وبَدري غَيَّبوه ⁘ بما أثاروا من غُبار
فهوَيتُ من أفقِ الرُؤى ⁘ وهَبَطتُ من أوجِ ازدِهاري
لهفان مشبوبَ الحشا ⁘ مُتمَلمِلاً في عُقر داري
أبني القوافي ذاهلاً ⁘ من وَحي أدمُعيَ الغِزارِ
لم أدرِ حينَ يُقيمُني ⁘ فَزَعي ويُقعِدُني افتِقاري
واليَأسُ يَدفَعُني ويجذِ ⁘ بُني ازدِرائي واحتِقاري
أأنا شَريدٌ في المهامَهِ ⁘ أم غريقٌ في البحارِ
فكَأَنّني الكُرَةُ الكبيرةُ ⁘ بين صِبيانٍ صِغارِ
أو أنَّني قلبُ المجازِفِ ⁘ حولَ مائدَةِ القمارِ
أو أَنَّني روحُ المف ⁘ ارِقِ في فِراشِ الإحتَضار
ومُهَفهفٍ لم يَرعَ لي ⁘ حقَّ المودّةِ والجوارِ
لم أجنِ من غرسي لهُ ⁘ غير التنكُّرِ والنفارِ
هيهات لا علمي افادَ به ⁘ ولا أغنى اختباري
كلّا ولا أجدى اصطباري ⁘ لا ولا طولُ انتِظاري
رشأٌ وهَبتُ لهُ الشب ⁘ بابَ فكان عنوانَ افتِخاري
فطغى ويا لِتَحَكُّمِ الغِزلانِ ⁘ بالأُسدِ الضواري
هل يطّبيهِ حين يكسِ ⁘ رُ جفنَهُ إلّا انكساري
أو يَنتَشي إلّا بدَمعي ⁘ حينَ يُذنِبُ واعتِذاري
أو يَرتجي إلّا قُنوطي ⁘ ليسَ إلّا وانتِحاري
أو يَبتَغي إلّا انقِباضي في ⁘ التداني وانِحصاري
أو حينَ يوقدُ نارَها ⁘ هل حازَ غيرَ الإنتِصارِ
أو سرَّهُ إلّا نُحولي ⁘ في هواهُ واصفِراري
يا للتَصلّبِ والتمرّدِ ⁘ والعِنادِ والاغتِرارِ
يا بنتَ جاري آهِ من ⁘ بجورِ القضا يا بنتَ جاري
في ذمَّةِ الأقدارِ ما ⁘ شيَّعتُ في ذاكَ الحوارِ
دُنيا من الأحلامِ أسلَمَها ⁘ القضاءُ إلى الدمارِ
وصُروحُ آمالٍ عَلَيها ⁘ قد قضى بالإنهيارِ
يا للشقاءِ وللِعناءِ ⁘ وللضياعِ وللخَسار
لهفي على تلكَ اللُييلاتِ ⁘ المنوِّرَةِ القِصار
شوقي لها مُذ غُيِّبَت ⁘ شوق الفقير إلى اليَسارِ
أو شوق من غاصَ البحارَ ⁘ إلى اللآلىءِ في المحارِ
أو شوق قيسٍ وهو يَطوي ⁘ في هوى ليلى البراري
أو شوق لَيثِ الغابِ في القفَصِ ⁘ الصغيرِ إلى القِفارِ
يا معشَرَ الشعَراءِ والأدبا ⁘ ءِ في شتّى الديارِ
هيضَ الجناحُ وضِقتُ ⁘ ذَرعاً بالجناحِ المستعارِ
ومضى الشبابُ وهذه ⁘ شكوى جريحٍ في الإسارِ
ما كُنتُ أشكو بل أُصيخُ ⁘ لمن شكا لولا اضطِراري
ماذا وراءَ الضغطِ إذ ⁘ يشتَدُّ غيرُ الإنفجارِ
واللَهِ لو يَشفي انتِقامي ⁘ غُلّتي لأخَذتُ ثاري
مِن معشَرٍ نَشاوا بأحض ⁘ ضانِ السفالةِ والشنارِ
لصَقوا المثالِبَ بي وكُلَّ ⁘ مثالبي عدمُ اتّجاري
ماذا أقولُ بهم وهُم ⁘ حُمُرٌ لربّاتِ الخمارِ
ما راعَ يا للغبنِ مثل ⁘ الليثِ يشكو من حمارِ
أسفاً على عمرٍ تقضّى ⁘ بين أطفالٍ كبارِ
بينَ المنافقِ والمخادعِ ⁘ والمداجي والمداري
غرسوا فَقُل لي هل جنَوا ⁘ غيرَ المذلّةِ والصغارِ
متذّئبونَ ولو ثغَت ⁘ شاةٌ للاذوا بالفِرارِ
يا ناسُ قد أدمى اغترابي ⁘ مهجتي والدار داري
أُصغي فلم أسمَع بها ⁘ غير النهيقِ أو الخوارِ
أنا لم أجد فيها غيوراً ⁘ قامَ من درَكِ العثارِ
فمظاهرٌ خلّابةٌ ⁘ والآلُ يخدعُ في الصحاري
كُفّي الملامَ وعَلّليني ⁘ فالشَكُّ أودى باليقينِ
وتناهَبَت كبدي الشجونُ فم ⁘ ن مجيري من شجوني
وأمضّني الداء العياء فم ⁘ ن مُغيثي من معيني
أينَ التي خُلِقَت لتَه ⁘ واني وباتَت تجتَويني
أُمّاهُ قد غَلَبَ الأسى ⁘ كُفّي الملامَ وعلّليني
اللَه يا أمّاهُ فيّ ⁘ ترَفّقي لا تعذُليني
أرهَقتِ روحي بالعتابِ ⁘ فأَمسِكيه أو ذَريني
أنا شاعرٌ أنا بائسٌ ⁘ أنا مستهامٌ فاعذُريني
أنا مِن حنيني في جحيمٍ ⁘ آهِ من حرّ الحنينِ
أنا تائه في غيهَبٍ ⁘ شبحُ الردى فيه قريني
ضاقَت بيَ الدنيا دَعيني ⁘ أندبُ الماضي دَعيني
وأنا السجينُ بعقرِ داري ⁘ فاسمَعي شكوى السجينِ
بهزالِ جسمي باصفراري ⁘ بالتجعّدِ بالغُصونِ
وطَني وما أقسى الحياةَ ⁘ بهِ على الحُرّ الأمين
وَأَلَذُّ بينَ رُبوعهِ ⁘ من عيشتي كاسُ المنونِ
قد كنتَ فردوسَ الدخيل ⁘ وجنّةَ النّذلِ الخئونِ
لَهَفي على الأحرارِ فيك ⁘ وهم بأعماقِ السجون
ودُموعُهُم مُهَج وأكبادٌ ⁘ تَرَقرَقُ في العيونِ
ما راعَ مثلُ الليثِ يُؤسَ ⁘ رُ وابنُ آوى في العرينِ
والبُلبُلُ الغريدُ يهوي ⁘ والغُرابُ على الغُصونِ
وطَني وأدتُ بكَ الشباب ⁘ وكلَّ ما ملَكَت يَميني
وقَبَرتُ فيكَ مواهبي ⁘ واستَنزَفَت غُللي شُؤوني
ودَفَنتُ شتّى الذكرياتِ ⁘ بِغورِ خافِقيَ الطعينِ
وكسَرتُ كأسيَ بَعدَما ⁘ ذابَت بأحشائي لحومي
وسكَبتها شعراً رثيتُ ⁘ بهِ الروح الحَزينِ
وطَوَيتُها صُحُفاً ضَنَتُ ⁘ بها وما أنا بالضنينِ
وَرجعتُ صفرَ الكفِّ مُنطَوِ ⁘ ياً على سرٍّ دَفينِ
فلأنتَ يا وَطني المدينُ ⁘ وما هزارُكَ بالمدينِ
وَطَني وما ساءَت بِغَير بن ⁘ يكَ يا وَطني ظُنوني
أنا لَم أجد فيهم خَديناً ⁘ آهِ مَن لي بالخدينِ
واضَيعةَ الأملِ الشريد ⁘ وخَيبةَ القلبِ الحَنونِ
رقَصوا على نوحي وإعوا ⁘ لي واطرَبَهُم أنيني
وتَحامَلوا ظُلماً وعذواناً ⁘ عليّ وأرهقوني
فعرفتهُم ونَبَذتُهُم ⁘ لكنّهم لم يعرفوني
وهناكَ منهُم معشرٌ ⁘ أُفٍّ لهُم كم ضايَقوني
هذا رماني بالشذوذِ ⁘ وذا رماني بالجنونِ
وهُناكَ مِنهُم من رماني ⁘ بالخلاعةِ والمجونِ
وتطاولَ المتعصّبون ⁘ وما كفَرتُ وكفّروني
وأنا الأبيُّ النفسِ ⁘ ذو الوجدانِ والشرفِ المصونِ
اللَهُ يشهدُ لي وما ⁘ أنا بالذليلِ المستكينِ
لا درّ درهمُ فلَو ⁘ حُزتُ النضارَ لأكرموني
أو بعتُ وجداني بأس ⁘ واقِ النفاقِ لأكرموني
أو رحتُ أحرقُ في الدواو ⁘ ينِ البخورَ لأنصفوني
فعرفتُ ذنبي أن كبش ⁘ ي ليسَ بالكبش السمين
يا قومُ كُفّوا دينُكُم ⁘ لكمُ ولي يا قَومُ ديني
ليلايَ يا حُلمَ الفؤادِ ⁘ الحلوَ يا دنيا الفُنونِ
يا ربَّةَ الشرفِ الرفيعِ ⁘ البكرِ والخُلُقِ الرصينِ
يا خمرةَ القلبِ الشجي ⁘ وحجّةَ العقلِ الرزينِ
صُنتُ العهودَ ولَم أحِد ⁘ عنها فيا ليلايَ صوني
عودي لقَيسِك بالهوى ⁘ العُذريِّ بالقلبِ الرهينِ
عودي إليه وشاطريهِ ⁘ الحبَّ بالدمعِ السخينِ
عودي إليه واسمعي ⁘ نجواهُ في ظلّ السكون
فهو الذي لهواكِ ضحّى ⁘ بالرخيصِ وبالثمينِ
ليلى تعالَي زوّديني ⁘ قبلَ المماتِ ووَدّعيني
ليلايَ لا تتمَنّعي ⁘ رُحماكِ بي لا تخذُليني
ليلى تعالَي واسمعي ⁘ وحيَ الضميرِ وحدّثيني
ودعي العتابَ إذا التقَينا ⁘ أو فَفي رفقٍ ولينِ
لم لا وَعُمرُ فتاكِ أطوَلُ ⁘ منهُ عُمرُ الياسَمينِ
لِلَهِ آلامي وأوصابي ⁘ إذا لم تُسعِفيني
هيمانَ كالمجنونِ أخبِطُ ⁘ في الظلامِ فأخرجيني
مُتَعَثِّراً نهبَ الوساوِسِ ⁘ والمخاوِفِ والظنونِ
حَفَّت بيَ الأشباحُ ⁘ صارخةً بربِّكِ أنقِذيني
واشفي غليلي وابعثي ⁘ ميتَ اليَقينِ ودَلّليني
ليلى إذا حُمَّ الرحيلُ ⁘ وغَصَّ قَيسُكِ بالأنينِ
ورَأيتِ أحلامَ الصَبا ⁘ والحُبّ صرعى في جُفوني
ولَفَظتُ روحي فاطبعي ⁘ قبلَ الوداعِ على جَبيني
وإذا مشَوا بجنازَتي ⁘ بِبَناتِ فكري شَيّعيني
وإذا دُفِنتُ فَبلّلي ⁘ بالدمعِ قَبري واذكُريني
يا مَيُّ نابَ السمعُ عن بَصَري ⁘ في الليلَةِ السوداءِ من صَفَرِ
ذَهَبَت فلا رجعَت مُخَلَّفةً ⁘ في غورِ روحي أسوا الأثَرِ
ماذا أقولُ وإن شكَوتُ فمِن ⁘ جورِ القضاءِ وقسوَةِ القدرِ
الصدرُ مُنقَبضٌ ولا عجَبٌ ⁘ والنفسُ نَهبُ الهمِّ والضَجَرِ
وأقامَ أحزاني وأقعدَها ⁘ في جانِحَيَّ تَرَنُّمُ الوَتَرِ
والكأسُ في يُمنايَ تَنظرني ⁘ شَزراً فأَشربُها على حَذَرِ
وأرَقتُها كرهاً على جزعٍ ⁘ فوقَ الرمالِ وبتُّ في سقرِ
والصحبُ راحوا حينَما شَرِبوا ⁘ يَتَبادلون طرائفَ السمَرِ
نعمَ الندامى لا عدِمتُهُمُ ⁘ يتألَّقونَ كأنجُمِ السحَرِ
يا ميُّ والأحلامُ شاردةٌ ⁘ رُحماكِ رُدّيها لمفتَقِرِ
يا ميّ والأيّامُ عابسةٌ ⁘ باللَهِ غنّي وارقُصي وذَري
يا ميُّ والأقدارُ ساخِرةٌ ⁘ منّا ولم نسخَر ولم نثُر
قومي لنَسخَرَ مثلَما سخِرَت ⁘ من كلِّ مُدَّخِرٍ ومُحتَكرِ
ما لي أحيّي الشمسَ مُغتَبطاً ⁘ عندَ الغروبِ بأروَعِ السورِ
ما لي أودّعُها إذا طلَعت ⁘ بمدامِعي وأعودُ بالكدَرِ
ما لي أرى الغربانَ طائرةً ⁘ والصقرَ دامي القلبِ لم يطِرِ
ما لي أرى جاري يكَفّرني ⁘ ويُقَدِّمُ القُربانَ للحجَرِ
ما لي أرى العُريانِ يسألُهُ ⁘ عن بيتِ ليلى كلُّ مؤتزرِ
ما لي أرى المسكين يلهَثُ في ⁘ هوج الرياح وهاطل المطر
ما لي أرى شمعونَ يظلمهُ ⁘ ويبيتُ مرتاحاً على السرر
ما لي أرى البير منتفِخاً ⁘ وقميصهُ قد قُدَّ من دُبُرِ
ما لي أرى ساسون يجرَحُني ⁘ ويقول لابنةِ عمِّهِ اعتذري
ما لي أرى حز قيل يقتُلُ مَن ⁘ يهواهُ من أنثى ومن ذكَرِ
قد طالَ هجرُكَ يا ربيعُ فيا ⁘ لتعاسَةِ الأطيارِ والزَهَرِ
دنيا المهازل والشذوذ غدَت ⁘ نار الليوثِ وجنّةَ الحُمُرِ
من لي بمشنَقَةٍ أحزُّ بها ⁘ بعضَ الرقابِ وصارمٍ ذكر
فلسَوف ينفُخُ يا لخيبتِهِم ⁘ بالصور إسرافيلُ فانتظري
فمُشَبّهو ليلى بوالدِها ⁘ شتّانَ بين الفحم والدُرَرِ
سرَقَ ابن آوى ديكَنا سحَراً ⁘ ودجاجُنا منه على خطَرِ
والفأرُ يشرَبُ بيضَها طَرباً ⁘ أبداً فيا لتبلبُلِ الفِكَر
إن جُعتَ يا صيّادُ ويحَكَ لا ⁘ تَتعَب وخلّ الطيرَ في الشجَرِ
وتعالَ حدّثنا وصلّ بنا ⁘ وأكُل كغيركَ أطيبَ الثمَرِ
لا تحسَبي يا ميُّ أن يدي ⁘ مغلولةٌ غُلَّت يَدُ الأشِرِ
فالحرّ من جورِ الزمانِ هنا ⁘ وهُناكَ بين النابِ والظُفُرِ
حسناءُ هاكِ وحطّمي قدحي ⁘ فالكأسُ قد دارَت على البَقَرِ
لا تعجبي مما صدعتُ بهِ ⁘ فالنارُ لا تخلو من الشَررِ
حسناءُ والأجفانُ قد ثَقُلَت ⁘ هاتي الدواء وكحّلي بصَري