حالي كحالكَ أيّها الشحرور ⁘ قستِ الحياة فكلُّنا مأسور
فالعسكر المفجوع ضاق بحبسه ⁘ وابن الرشيد بسجنه موتور
الأسد تؤسرُ والنعاج طليقةٌ ⁘ والصقر يهوي والغراب يطيرُ
طال النوى يا قبلة الأنظار ⁘ فترفقي بالوامق المتواري
حواء ما هذا التجني بالقلا ⁘ رحماك لست بعاشق صبار
حواء قد نشر الظلام رداءه ⁘ هلا سمعت بجنحه استغفاري
فنسائم الإمساء عنك سألتها ⁘ فسلي نسيم الصبح عن أخباري
حواء بين أضالعي نارٌ وعا ⁘ فَ زيارتي من حرها زواري
أو ما سمعت شهيقها وزفيرها ⁘ يوم الوداع فيا لها من نار
حواء أعشق ثغرها فلكم تطا ⁘ رحنا الغرام وثغرها خماري
حواء همت بصوتها حتى غدت ⁘ أذناي تكره نغمة الأوتار
حواء يا ذات الجمال ويا ضيا ⁘ هذا الوجود وربة الأشعار
ويلاه قد هجرت مجالس أنسنا ⁘ وخلت من الندماء والسمار
لا الراح بالكاسات مشرقة بها ⁘ فتبدد الظلماء بالأنوار
كلا ولا الأوتار صادحة فتلهمنا ⁘ الغناء بهدأة الأسحار
حوّاء قد صمتت بلابل روضنا ⁘ وسرى الذبول بأجمل الأزهار
لا الورد في جنباته متبسم ⁘ فيعطر الورد النسيم الساري
كلا ولا الأشجار مورقة فيشدو ⁘ الطير فوق ذوائب الأشجار
حواء وادي اللهو أصبح مقفرا ⁘ خال من الأزهار والأطيار
لا الريم يا حواء سارحة به ⁘ تختال بالآصال والأبكار
كلا ولا الغادات في أحضانه ⁘ يحملن بالأيدي كؤوس عقار
يا حب بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حب أنت ضيا الحياة وسرها ⁘ مزق بنورك كل كل ستار
يا حب أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار
يا حب رفقا فالقلوب بريئة ⁘ والذنب للأسماع والأبصار
يا حب أنت الصارم القهار لست ⁘ بمشرك بالواحد القهار
يا ليتني فوق الغصون حمامة ⁘ لأنوح بالآصال والأسحار
علي أرى في الروض من يفضي ⁘ إليّ بسرّه وأبثّه أسراري
أو أنّني بين النسائم نسمة ⁘ لأبشّر الأطيار في آذار
وأطوف بعد الأرض آفاق السما ⁘ لأرى مكان حبيبي المتواري
يا ليتني بين الورود فراشه ⁘ تروى الصدى من أكؤس الأزهار
حتّى إذا شفت الغليل تعطشست ⁘ للموت واندفعت بجوف النار
أو أنني يا فجر قبّرة أرف ⁘ رف في جناحي بالفضاء العاري
لأردّد النغمات سكرانا ⁘ بخمر الحسن قبل تألّق الأنوار
يا ليتني بين الروابي ربوة ⁘ خضراء مشرقة على الوديان
لأكون منمبر كل طير صادحٍ ⁘ ويكون سفحي مسرح الغزلان
أو أنني وسط الحدائق جدول ⁘ ينساب بين الورد والريحان
لترفرف الأطيار فوق مياهه ⁘ سكرى ترجّع أعذب الألحان
يا ليتني طير لأسبح في الفضا ⁘ وأؤوب مغتبطاً مع الأطيار
أو بلبل لأشنّف الأسماع بالن ⁘ غم الرقيق على ذرى الأشجار
أو أنني للعود أمسي ريشة ⁘ لتمرّ بي الأيدي على الأوتار
لأبثّها شكوى الهوى فلعلّها ⁘ ترثي لحال العاشق المحتار
يا ليتني يا ليتني قمريّة ⁘ لائنّ بالإصباح والإمساء
عليّ أثير بقلب كلّ مليحة ⁘ عطفا على البؤسا من الشعراء
أو أنّني وسط الرياض خميلة ⁘ لأعطّر الأجواء بالأشذاء
أو وردةٌ صاغ الربيع جمالها ⁘ لترشّني الأصباح بالأنداء
فلكم تراءى لي الخيال حقيقة ⁘ فيخالني الرائي صريع عقار
فأفيق مذهولاً وأهتف من أنا ⁘ فأجاب مجنون بعقر الدار
يا حبّ بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حبّ أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار