أشجى الرفاقَ تأوّهي وتوَجّعي ⁘ وتمنّعي عن شُربها في المقوعِ
وأنا الذي بالأمسِ إن هيَ شُعشعَت ⁘ كم زُفّ لي قدَحي وغَير مُشَعشعِ
احنو عليهِ باسماً طرباً ولا ⁘ عجبٌ ولا حرجٌ حنوَّ المرضِعِ
وأضُمُّهُ شَوقاً قُبيلَ ترَشّفي ⁘ منهُ إلى كبدي وقلبي المولعِ
وأقولُ للاحي به ذَرنى ولا ⁘ تنهَق فما أنا من ذواتِ الأربعِ
يادنُّ لا تنضُب ويا نَدمانُ خُذ ⁘ وعليّ يا ساقي ويا قدَحُ أصرعِ
ولكمَ شدَوتُ يوحيهِ ولكم وكم ⁘ أطرَبتُ من خلّ أديبٍ لو ذعي
العَسكريّاتُ الرقاقُ شَواهدٌ ⁘ سلها تُجِبكَ عن الهزارِ المبدعِ
واليومَ قد آليتُ لا أحسو الطلا ⁘ رغمَ الصدى إلّا وأنتِ معي معي
ليلى أأشرَبُها وكاسُكِ فارغٌ ⁘ إني إذاً صبٌّ وحقِّكِ مُدّعي
أعلى زفيرِ جهنّمٍ وجهنّمٌ ⁘ بزفيرِها وشهيقَها في أضلُعي
أم وَحشتي يا للعناء وحيرتي ⁘ وأنا المشردُ في عراءٍ بَلقَعِ
أم حرقَتي وهواجسي ووساوسي ⁘ وتذمّري وتمَلملي في مضجعي
من لي بإنسانٍ يواسيني إذا ⁘ ما هاجتِ الذكرى ويَمسَحُ أدمعي
وطني وكيفَ يعيشُ مثلي بُلبُلٌ ⁘ ما بينَ ثُعبانٍ يفُجُّ وضِفدعِ
في أسرةٍ نَقَمَت عليَّ لرأفتي ⁘ بفقيرها وصَراحتي وترَفّعي
جار الزامانُ فيا أساوِدَها الدغي ⁘ وطغى القضاءُ فيا ضفادِعها اشبَعي
ما كان مورِديَ الحميمُ لو أنّني ⁘ مَيتُ المشاعرِ لا أحِسُّ ولا أعي
غبنٌ يشفُّ الروحَ أن تتفَتَّحَ ⁘ الأورادُ بين الوحلِ والمستنقَعِ
وطني ولي حقٌّ عليكَ أضعتَهُ ⁘ وحفِظتَ حقَّ الداعر المتسَكّعِ
فلو أنّ لي طبلاً ومِزماراً لما ⁘ أقصَيتَني أو أنّ لي في المخدعِ
هذي عقوبةُ مَوطني وجنايَتي ⁘ هيَ أنّني لتيوسِهِ لم أركَعِ
فَقَبَعتُ في داري كصَقرٍ شاكياً ⁘ ولو أنّنا في غيرهِ لم نَقبَعِ
فلسَوفَ أمكثُ فيه ما شاءَ القضا ⁘ ولسَوفَ أرحَلُ عنه غيرَ مودعِ
فاطوي شباكَكِ يا هلوكُ فما أنا ⁘ بالخائنِ المتلَوّنِ المتصَنّعِ
خُلِقَ الأثيمُ مُبَرقَعاً فثوى به ⁘ وأنا خُلِقتُ وعِشتُ غيرَ مُبَرقعِ
وَطني شكَوتُ لك الصدى فملأت لي ⁘ كاسي وغيرَ الصاب لم أتجَرَّعِ
وَوَأدتُ في فجرِ الشباب مآربي ⁘ وبكيتُها يا ليتَهُ لم يطلعِ
لهفي على قلبي الجريح ولَوعَتي ⁘ ماذا جنى يا لَيتَني لم أزرَعِ
ألقردُ أضحى لاعباً في ملعَبي ⁘ وغدا ابنُ آوى راتعاً في مَرتَعي
اللَهُ أكبرُ كيفَ يُحفَظُ حقُّ مَن ⁘ ركِبَ الخنا ويُداسُ حقّ الألمعي
بل كيفَ يُمسي ذلك الباغي وقد ⁘ ثَبَتَت إدانَتُهُ ويُصبحُ مُدّعي
أمنَ العدالة ربّ أن أشقى وأن ⁘ أشكو جراحي مُكرَهاً للمِبضَعِ
وطني وللدارِ الجديدةِ جارةٌ ⁘ لولا هواها عشتُ غيرَ مُضَيّعِ
لم تَبلُغِ العشرينَ ذات وسامَةٍ ⁘ ورشاقةٍ وتدَلّلٍ وتمَنّعِ
والحبّ قهّارٌ ولولا قيدهُ ⁘ لسَمِعتَ في الفَيحاءِ ما لم تَسمَعِ
من عَندليبٍ إذ رمَيتَ أصَبتَهُ ⁘ فهوى ومَن للعَندليبِ الموجَعِ
فلعلّ ليلاهُ تريشُ جناحَهُ ⁘ ما كان أشوَقهُ لتلكَ الأربُعِ
بكرومِها وظِبائِها وجنانها ⁘ بزُهورِها وعبيرَها المتَضَوّعِ
شوقي لها أوّاهُ من شوقي لها ⁘ شوقي لليلى والليالي الأربعِ
وطني وما يوم الرحيل بشاحطٍ ⁘ عن شاعرٍ مُتَوجّع مُتَقَطّعِ
قلقٍ آذابَ الهمُّ حبَّةَ قَلبهِ ⁘ فتَرَقرَقَت في مقلَةٍ لم تهجَعِ
ناجي رؤاهُ فيا بلابلُ ردّدي ⁘ وبكى مُناهُ فيا حمائِمُ رجّعي
يَستعرضُ الماضي بطرفٍ دامعٍ ⁘ وبخافقٍ في الذكرياتِ موزّع
ما خرّ قطّ لغيرِ ليلى ساجداً ⁘ ولغير سلطانِ الهوى لم يَخضَعِ
لم يَشدُ إلّا باسعِها وجمالِها ⁘ وبغير وحيِ ضميره لم يَصدَعِ
كم باتَ ينشدُ في الدياجي طيفَها ⁘ ويبثّهُ الأشواقَ حتّى المطلَعِ
مُتدلّهٍ يَبكي ويَلثُمُ رَسمَها ⁘ ويَضُمُّهُ لفؤادهِ المتقَطّع
وعلى شذا منديلها كم سَكرةٍ ⁘ لفؤادهِ المتلَهِّفِ المتطَلّعِ
فمتى يُحلّ إسارها ليحلَّ في ⁘ تلك الرياضِ مع الطيورِ السّجعِ
إني بحبك كم عذول لامني ⁘ كم مرّة بالنوم طيفك زارني
شرك الجمال لقيته فاصطادني ⁘ يا جارة الوادي طربت وعادني
ما يشبه الأحلام من ذكراك ⁘ إياك والهجران فاتنة الورى
أخشى من الهجران ألتحف الثرى ⁘ قسما بربّ البيت مثلك لن أرى
مثّلت بالذكرى هواك وفي الكرى ⁘ والذكريات صدى السنين الحاكي
أخت الغزالة هل أراك بخلوة ⁘ يوما من الأيام هل من زورة
إن كنت عاقبت المحبّ بجفوة ⁘ فلقد مررت على الرياض بربوةٍ
غنّاء كنت حيالها ألقاك ⁘ تاللَهِ ما أحلى اللقا بعد النوى
قبل اللقاء تحطّمت منّي القوى ⁘ لما انتهى أمد الفراق وما حوى
لم أدر ما طيب العناق على الهوى ⁘ حتى ترفّق ساعدي فطواك
نظرت إليّ فقلت رحماك اغمدي ⁘ هذا المهنّد لست جار معتدي
أنسيت يوم جعلت خدّك مسجدي ⁘ وتأوّدت أعطاف بانك في يدي
يا ظيبة الوادي وناهبة الحجى ⁘ أنسيت يوم بعثت في قلبي الرجا
أنسيت يوم أتيت في غسق سجا ⁘ ودخلت في ليلين فرعك والدجى
ولثمت كالصبح المنوّر فاك ⁘ داعبتها فاستضحكت وتمايلت
وضممتها فترنّحت وتباعدت ⁘ أفتذكرين إذ الصدور تقاربت
وتعطّلت لغة الكلام وخاطبت ⁘ عينيّ في لغة الهوى عيناك
قسما بحسنك وهو حسن مفرد ⁘ قسما بشعرك وهو فاحم أسود
قسما بخدّك بالحيا متورّد ⁘ لا أمس من عمر الزمان ولا غد
جمع الزمان فكان يوم لقاك
بأبي وأمّي من مدَدتُ لها يدي ⁘ بعدَ العِشاءِ مصافحاً في الأحمدي
غيداءُ عرَّجَ بي عليها أغيدٌ ⁘ في دارها أنعِم بذاكَ الأغيدِ
لبيتُ داعيها وصافحَ قلبَها ⁘ قبلَ اللقا قلبي وقبلَ تقيّدي
ذُقتُ الهوى وكأنّني ما ذُقتُه ⁘ حتى دخَلتُ ولامست يدها يدي
ألَّفتُ بينَ جمالهِ وجمالِها ⁘ في ليلَةٍ أدمَت قلوبَ الحُسّدِ
قد كان لي رأي فلما زرتُها ⁘ أيقنت أن الحسن حسن الخرّد
أكذا الهوى ومذاقه في فجره ⁘ ما كان أحلى الحب عند المولدِ
الآن طب يا قلبُ وارقص في السما ⁘ فلقد سقتك وجنّحَتكَ وعربد
والآن يا روحي الحبيسة رفرفي ⁘ واستلهميها في السماء وأوردي
والآن يا نفس اطمئني واشهدي ⁘ أن لا حبيب سوى فتوح وأشهدي
إني أعود بحسنها وبقلبها ⁘ وبروحها من كل واشٍ مفسدِ
وألوذ من كبد الحسود بجفنها ⁘ وبقدها من شر كل مفند
شرقيةٌ تسبيك لا غربية ⁘ بجمالها الموهوب فاعشق وافتد
ملكت علي مشاعري بحديثها ⁘ وبلطفها وذكائها المتوقد
فملاحةٌ وسماحة وصراحةٌ ⁘ ورجاحةٌ بالعقل فاشكر واحمد
دنيا من الأشذاء والأضواء في ⁘ فستانها الزاهي الرقيق الأسود
أين الغزالة في الضحى من دلها ⁘ وبهائها فاخشع وكبّر واسجد
أينَ الزهور إذا الزهور تفتحت ⁘ عن لؤلؤٍ في طيبها وزمرد
أين القطا والبان إن هيَ أقبَلَت ⁘ بتمايل أو أدبرت بتأود
بمهفهف وبأتلع وبناعس ⁘ وبأشقرٍ ومقرمزٍ ومورد
أينَ الأسنّةُ والظبي من جفنِها ⁘ ذرها تصولُ على القلوبِ وتعتدي
وتثيرُ في أغوارها ميتَ الهوى ⁘ لتعيشَ في نور الإله وتهتدي
ما قيمة الأرواح إن لم ترتشف ⁘ خمر الغرام وتحترق في المعبد
فهنا السمو هنا النعيم هنا المنى ⁘ وهنا السعادة والخلود السرمدي
حسناء إن أشكو الزمان فإنه ⁘ حربٌ على الحر الأبيّ الأمجد
قد أوصد الأبواب في وجهي فكم ⁘ من مأربٍ لي لم أنله ومقصد
والنحس منذ طفولتي خدني فيا ⁘ لشقاء موتور الفؤاد المبعد
حوراء يا دنيا العرائس والرؤى ⁘ أنا في الكويت أخو الشقاء فأسعدي
اللَه في ابن الأرض يا بنت السما ⁘ قد تاه في القفر المخيف فأرشدي
قضى ربيع العمر فيه معذبا ⁘ يشكو أذى الدنيا وجور الأعبد
يستعرض الأحلام وهيَ عوابس ⁘ طوراً ويهتف بالطيوف الشرّد
وبه كبا عند السباق جواده ⁘ يا للتعاسة والعذاب المقعد
ما راع مثل الشمس تكسفُ في الضحى ⁘ والورد يسقط وهو فواحٌ ندى
فصيلهِ يا دنيا الأماني واصدعي ⁘ في قلبه شمل الشجون وبدّدي
وبحقّ مريمَ كفكفي عبراتهِ ⁘ وبحقّ عيسى علّليه وزوّدي
قالت وقد مسحت دموعي لا تنُح ⁘ ومعي اغتبق يا عندليبُ وغرّد
قد قيل لي بالأمس إنك شاعر ⁘ فاشرب على نخبي فلم أتردّد
ما كان أرخم صوتها وأرقّه ⁘ حين انتشت وشددت وقالت أنشد
فشربتُ ثانيةً وثالثةً إلى ⁘ سبعٍ فقالَت خذ وزد وبي اقتد
أنشدتُها والكأسُ في كفّي ولي ⁘ قلب يحوم على مراشفها صدي
فترنّحت طرباً وكم من كاعبٍ ⁘ طارَت بألحاني وكم من أمرد
فإذا بثالثنا يفيقُ منبّها ⁘ ومحيّياً بصبوحه صُبحَ الغد
فتَنهّدت لتنهّدي وأثار في ⁘ أعماقها ما قد أثار تنهّدي
وهناك قمنا للوداع ويا لها ⁘ من ليلة فيها صفا لي موردي
مرت مرور الريح واشوقي لها ⁘ من مسعفي إن لم تعُد من منجدي
فلِحُسنِ حظي أنني لم أنصرف ⁘ حتى ظفرت بقبلةٍ وبموعد
يا صاحبي قد كان من شاء الهوى ⁘ فإلى الكنيسة سر بنا لا المسجد
إن قيلَ جنّ فإنّ عذري واضح ⁘ أو قيل تاه ففي يديها مقودي
أو قيل ضل فلست قبل زيارتي ⁘ وتدلهي بالزاهد المتعبد
يا معشر المتعصبين رويدكم ⁘ أمن الرغام قلوبكم والجلمد
بالله هل تطوى السماء إذا هفا ⁘ وصبا لمشركة فؤاد موحد
فاليوم قادت من تحبّ لدينها ⁘ وغداً يعود بها لدين محمد
حيّ الأساتِذةَ الكرامَ تحيّةً ⁘ تُزري بعرفِ المسك والريحانِ
عذراءَ مصدَرُها سُوَيداءُ الحشا ⁘ أحلى وأشهى من عروسِ الحانِ
وأرقُّ من نَغَم البلابلِ عندما ⁘ تستَقبِلُ الأصباحَ بالألحانِ
وأخَف من نسَماتِ نيسانٍ وَقد ⁘ خَطَرت مُداعبَةً غُصونَ البانِ
وأحرّ من قلبِ المشوقِ إذا دعا ⁘ داعي الفراقِ ومُهجةِ الغيرانِ
فأزفّها لكمُ يشارِكُني بها ⁘ الشَعبُ الكريمُ وصفوةُ الشبّانِ
والقَلبُ من فَرط السرور مُصَفّقٌ ⁘ والروحُ ترقُصُ رقصةَ النشوانِ
والكلُّ مغتَبطٌ بيومِ إيابكُم ⁘ فَرِحٌ وهذي حالةُ الوَلهانِ
فلو أنّنا نَستقبلُ العيدَين في ⁘ أَفراحهِ لاستَبشَرَ العيدانِ
زَهَتِ المدارسُ وانثَنى طلّابُها ⁘ لقُدومِكُم يتَبادلونَ تهاني
لا غروَ فالطلابُ قد عَشِقوا بكُم ⁘ صِدقَ الوفا وطهارةَ الوجدانِ
والعطفَ والميلَ البريءَ ولا ⁘ غرابةَ فالمُعلّمُ والدٌ متفانِ
شكَتِ الأوامَ نُفوسُهُم فتذَوَّقَت ⁘ تلكَ النفوسُ حلاوةَ الإيمانِ
وأمامَ مصباحِ الثقافةِ قد تلاش ⁘ تِ ظلمَةُ الأفكارِ والأذهان
وغَرَستمو بحدائِقِ الأرواحِ كل ⁘ حميدةٍ والروحُ كالبُستان
فالمرءُ بالعَقل المنيرِ وإن دجا ⁘ ما الفرقُ بين المرءِ والحيوانِ
إنّ الشباب إذا زكَت أخلاقهُ ⁘ والنفسَ طهّرَها من الأدرانِ
هُوَ في البلادِ ولا إخالكَ جاهلاً ⁘ بمثابةِ الأرواحِ بالأبدانِ
هوَ قلبُها الخفّاقُ والركنُ القوي ⁘ مُ وَسورُها الحامي من العدوان
باللَهِ يا رُسلِ الثقافةِ خبّرو ⁘ نا كيف حالُ الأختِ يا إخواني
أعني فلسطيناً وكيف أمين ⁘ نُها وجنودُه وبقيّةُ السكّانِ
بعدَ الكفاحِ وبعدما بثّ اليهو ⁘ دُ شُرورَهم فيها بكُلّ مكان
إنّي سمِعتُ نداءَها وسمِعتُ تَل ⁘ بيةَ الضياغمِ من بني عدنان
وزئيرَ أشبالِ العروبةِ من بَني ⁘ غسّانَ لا نُكِبوا بنو غسّان
وتقولُ يا أشبالَ آسادِ الشرى ⁘ جاءَ اليهودُ ودنّسوا أحضاني
لا درّ درّ الغادرين فإنّهُم ⁘ وعدوا اليهودَ بقسمةِ البُلدانِ
وبنيَّ كالغرباءِ في أوطانِهِم ⁘ أو ليسَ هذا مُنتهى الطغيان
فهناكَ فاضَت بالدموع محا جرى ⁘ وَأَجبتُها بتوَجِّعٍ وحنانِ
يا مَهبطَ الوَحي القديم ومَرقدَ ⁘ الرُسلِ الكرامِ ومَنبعَ الأديان
لا تحزني ليسَت بصفقةِ رابحٍ ⁘ يا أُختُ بل هيَ صفقةُ الخسرانِ
ما وَعدُ بلفورٍ سوى أُمنيةٍ ⁘ ونداؤُهُ ضربٌ منَ الهذَيانِ
أبناءُ عدنانٍ وغسّانٍ وما ⁘ نادَيتُ غيرَ الصيدِ والشجعان
الصامدونَ إذا الصفوفُ تلاحَمَت ⁘ وتصادمَ الفُرسانُ بالفُرسان
والضاحكونَ إذا الأسنّةُ والظبا ⁘ هتَكَت ظلامَ النَقع باللمعان
والهاتِفونَ إذا الدماءُ تدفّقَت ⁘ أعني دما الأبطالِ بالميدانِ
وإذا الصوارمُ والقَنا يومَ الوغى ⁘ ذَرَفَت على الشهداءِ دمعاً قاني
آنَ الأوانُ وقيتُمو كيدَ العِدا ⁘ والخَصمُ بالمرصادِ كالثُعبانِ
ثوروا وَرُدوا كَيدَهُ في نَحرهِ ⁘ وذيولهِ لا عاشَ كلُّ جَبانِ
ما كانَ بالحسبانِ أن يهبوا ⁘ اليهودَ بلادَنا ما كانَ بالحسبانِ
لتُبَرهنوا أنّ النفوسَ أبيّةٌ ⁘ وليرجِعوا بالذلِّ والخذلانِ
يانشءُ هل من نهضةٍ نُحيي بها ⁘ المجدَ الأثيلَ كنَهضةِ الجابانِ
يا نشءُ هل من وثبةٍ نشفي بها ⁘ هذا الغليلَ كوثبةِ الطليان
يا نشءُ هل من صرخةٍ تدع العِدا ⁘ صرعى الذهولِ كصرخَةِ الألمان
يا نشءُ عَرقَلَتِ العمائمُ سيرنا ⁘ والدينُ أضحى سُلّماً للجاني
يا نشءُ وا أسفا على دينٍ غدا ⁘ أحبولةً للأصفر الرنانِ
فجرائمُ العلماءِ وهيَ كثيرةٌ ⁘ تنمو بظلّ الصفحِ والغُفران
كيفَ النهوضُ بأمَّةٍ بلهاءَ لا ⁘ تنفَك عاكِفَةً على الأوثان
هيهات نبني ما بناه جدودنا ⁘ وننال في هذي الحياة أماني
وشريعةُ الهادي غدت واحسرَتا ⁘ في عالمِ الإهمالِ والنسيانِ
نرجو السعادةَ في الحياة ولم نُنَفِّ ⁘ ذ في الحياة أوامر القرآن
بالدينِ قد نالَ الجودُ مناهمُ ⁘ وغدوا وربي بهجةَ الأزمان
فتحوا الفتوحَ ومهّدوا طُرق العلا ⁘ واستسلَمَ القاصي لهم والداني
طرَدوا هِرقل فراح يندبُ ملكهُ ⁘ وقَضوا على كسرى أنوشروانِ
وعَنَت إلى الخطابِ تخطبُ ودَّهُ ⁘ رُسلُ الملوكِ لهيبَةِ السلطانِ
والسعدُ رافقَ سعدَ في غرواتهِ ⁘ فقَضى صلاةَ الفتحِ بالإيوانِ
وتقَهقرت ذعراً لصولةِ خالدٍ ⁘ يومَ النزالِ كتائبُ الرومانِ
قادَ الجيوشَ بهمّةٍ وثّابَةٍ ⁘ وبهِ تحُفُّ ملائِكُ الرحمنِ
والمجدُ تَوَّجهُ بتاجٍ زاهِرٍ ⁘ ما مثلهُ تاجٌ من التيجانِ
وغزا صميمَ الشرقِ جيشُ قُتَيبَةٍ ⁘ وتوَغّلَ ابنُ زيادِ في الأسبانِ
وبنى معاويةٌ بجلَّقَ عرشَهُ ⁘ فأضا سماءَ الشرقِ تاجُ الباني
وحنَت لهَيبَتِهِ الملوكُ رؤوسَها ⁘ ولمن تلاهُ من بني مروانِ
وأقامَ هرونُ الرشيدُ وإبنُهُ ⁘ المأمونُ صرحَ العلم في بغدان
ومجالسُ العلماءِ والعظماءِ والأد ⁘ باءِ والشعراء والندمان
واليومَ أينَ حضارةُ العربِ التي ⁘ أنوارُها سطَعَت على الأكوانِ
وبنايةُ المجد التي قد ناطحَت ⁘ هامَ السماكِ ومشعلَ العِرفانِ
عصفَت بها ريحُ الفساد فهدّتِ ⁘ الأركانَ رغمَ مناعةِ الأركان
وطني وصيّرنا الزمان أذلّةً ⁘ لنعيشَ في الأوطان كالعبدانِ
نعصي أوامرَ كلّ فردٍ مُصلحٍ ⁘ والدينُ ينهانا عن العِصيان
والختلُ والتدجيلُ قد فتكا بنا ⁘ وتَقودُنا الأطماعُ كالعميانِ
كلٌّ بميدانِ للذائذِ والهوى ⁘ تَلقى عواطِفَه بغيرِ عنانِ
ذو المالِ نغفرُ ذنبَهُ ونُجِلّهُ ⁘ أبداً فتلقاهُ عظيمَ الشانِ
أمّا الفقيرُ فلا تسَل عن حالهِ ⁘ حالٌ تُثيرُ لواعجَ الأشجانِ
والحُرُّ نُشبعهُ أذىً ونُذيقهُ ⁘ سوءَ العذابِ ولا يزالُ يُعاني
ونُحيطُ بالتعظيمِ كلّ منافقٍ ⁘ باعَ الضميرَ بأبخسِ الأثمانِ
ما نحنُ في وطنٍ إذا صرخَ الغيورُ به ⁘ يرى نفراً من الأعوانِ
ما نحنُ في وطنٍ إذا نادى الأب ⁘ يُّ به يُجابُ نداهُ يا أقراني
وطنٌ بهِ يتجرَّعُ الأحرارُ وا ⁘ أسفاهُ صابَ البُؤسِ والحرمانِ
ويلاهُ أجنِحَةُ الصقورِ تكسَّرَت ⁘ والنسرُ لا يقوى على الطيران
وأرى الفضاء الرحبَ أصبحَ مسرَحاً ⁘ واحسرَتا للبوم والغربانِ
والليثُ أمسى بالعرينِ مُكَبَّلا ⁘ والكَلبُ يرتَعُ في لحومِ الضانِ
ما أن يُطَبِّلُ في البلادِ مُطبِّلٌ ⁘ حتى تُصَفّقُ عصبَةُ الشيطانِ
أو كلّما نعبَ الغُرابُ وغصَّ في ⁘ تنعابهِ نعبَ الغُرابُ الثاني
فلمَ التخاذلُ والعروبةُ أُمُّنا ⁘ ولمَ الشقاقُ ونحنُ من عدنانِ
ولم التفاخرُ بالموائدِ والملاب ⁘ سِ والأثاثِ وشاهقِ الجُدرانِ
ولمَ التعصّبُ بالمذاهبِ يا بَني الأ ⁘ وطانِ وهوَ أساسُ كلِّ هوانِ
فقلوبُنا للَهِ والأجسامُ ⁘ للغَبراِْ والأرواحُ للأوطانِ
فتعاضدوا وتكاتَفوا وتآلفوا ⁘ وتساندوا كتسَاندِ البُنيانِ
وتآمروا بالبرِّ والتقوى ولا ⁘ تتآمروا بالإثمِ والعدوانِ
تجري السفينةُ في مُحيطٍ هائلٍ ⁘ وعُيونُنا ترنو إلى الربانِ
كيفَ السبيلُ إلى النجاةِ ولم تَزل ⁘ عُرضَ الخضمّ سفائنُ القُرصانِ
ربّاهُ جارَ الأقويا فانظُر إلى ⁘ ما يفعَلُ الإنسانُ بالإنسانِ
صديان يغلي في حشاه المرجل ⁘ ترثي الجنوب له وتحنو الشمأل
هيهات تلهيه الطيور بشدوها ⁘ ويبلّ غلّته الرحيق السلسل
كابن الملوح لا يفرّ قراره ⁘ أبدا إلى ليلى يحنّ ويسال
يا لائمه سقيتم صاب الأسى ⁘ كفّوا متى بلّ الأوام الحنظل
هيمان كم ذكر الحمى وأقامه ⁘ وله وأقعده الهوى المتغلغل
وأغرورقت عيناه أو كادت فيا ⁘ لهوّى تطيب به النفوس وتكمل
وتجود بالغالي وسحقا لامرىء ⁘ لا يبذل الغالي النفيس ويبخل
بسبيل موطنيه وحبّ بلاده ⁘ هذا ولا عاش الخؤون المبطل
لهفان ها هو والظلام مخيّم ⁘ متلهّف في جنحه متعلّل
متعطش والذكريات هواتفٌ ⁘ تهفو بخافقه الحنون وتنهل
وتعربد الأحلام فوق جفونه ⁘ سحرا ويقيها الهوى المسترسل
يصبو ويبعث والنسيم رسوله ⁘ قبلا يكاد يذوب فيها المرسل
لمسارح وملاعب ومراتع ⁘ ومرابع فيها البدور الكمّل
شطّت وعانقت الرؤى أطيافها ⁘ وعليه في وادي الكرى تتنزّل
ولهان قد طبع الحنين بذهنه ⁘ صورا فدعه غارقا يتخيّل
صورا مجنّحة بريشة وهمه ⁘ تغري وتدبر في الخيال وتقبل
منها أطلّت ذكريات حلوة ⁘ بيض يقصّ روّاه وهي تؤول
حفّت بها الآمال سكرى والمنى ⁘ ودنت فكاد يضمّها فتقبّل
فهنا الطفولة والصبا وهنا الهوى ⁘ وهناك ملعبه وهذا المنزل
وهنا الأحبّة ودّعوه ها هنا ⁘ ومضى وراح بحسنها يتغزّل
نشوان إذا أصغى بأذن خياله ⁘ والوهم يملى والوداد يسجّل
والوجد يرفض في قرارة روحه ⁘ والشوق يعزف والفؤاد يرتل
فشدا له ناي وغنى شاعر ⁘ وترنّمت ورق ورجّع جدول
وتساءلت أمّ وذكر والد ⁘ ودعا أخو روح وأمّن محفل
واستفرت أخت ونادت طفلة ⁘ والكل منهم شقة ما يجمل
دنيا من الأوهام غاب سويعة ⁘ فيها وعاد وقلبه يتململ
متفائل لا البأس يعرف مدخلا ⁘ لفؤاده وهو الشجيّ فيدخل
صرع الشكوكَ بحزمه ويقينه ⁘ ومن الوساوس ما يحرّ ويقتل
فاسمعه يا هذا يحيّى موطنا ⁘ في جانحيه له المقام الأوّل
وطني فديتك عش ودم واسلم وطب ⁘ فحمائم السلم القريب ستهدل
والمجد باسمك يا ربوع مسبّح ⁘ والفخر يهتف والزمان يهلل
طال النوى يا قبلة الأنظار ⁘ فترفقي بالوامق المتواري
حواء ما هذا التجني بالقلا ⁘ رحماك لست بعاشق صبار
حواء قد نشر الظلام رداءه ⁘ هلا سمعت بجنحه استغفاري
فنسائم الإمساء عنك سألتها ⁘ فسلي نسيم الصبح عن أخباري
حواء بين أضالعي نارٌ وعا ⁘ فَ زيارتي من حرها زواري
أو ما سمعت شهيقها وزفيرها ⁘ يوم الوداع فيا لها من نار
حواء أعشق ثغرها فلكم تطا ⁘ رحنا الغرام وثغرها خماري
حواء همت بصوتها حتى غدت ⁘ أذناي تكره نغمة الأوتار
حواء يا ذات الجمال ويا ضيا ⁘ هذا الوجود وربة الأشعار
ويلاه قد هجرت مجالس أنسنا ⁘ وخلت من الندماء والسمار
لا الراح بالكاسات مشرقة بها ⁘ فتبدد الظلماء بالأنوار
كلا ولا الأوتار صادحة فتلهمنا ⁘ الغناء بهدأة الأسحار
حوّاء قد صمتت بلابل روضنا ⁘ وسرى الذبول بأجمل الأزهار
لا الورد في جنباته متبسم ⁘ فيعطر الورد النسيم الساري
كلا ولا الأشجار مورقة فيشدو ⁘ الطير فوق ذوائب الأشجار
حواء وادي اللهو أصبح مقفرا ⁘ خال من الأزهار والأطيار
لا الريم يا حواء سارحة به ⁘ تختال بالآصال والأبكار
كلا ولا الغادات في أحضانه ⁘ يحملن بالأيدي كؤوس عقار
يا حب بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حب أنت ضيا الحياة وسرها ⁘ مزق بنورك كل كل ستار
يا حب أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار
يا حب رفقا فالقلوب بريئة ⁘ والذنب للأسماع والأبصار
يا حب أنت الصارم القهار لست ⁘ بمشرك بالواحد القهار
قبّل فدَيتُكَ مبسمي دَع جيدي ⁘ وإلى اللقاءِ صباح يوم العيد
لم لا وأهلي ويحَ أهلي وبالغوا ⁘ باللومِ والتعنيفِ والتهديدِ
لا تقتَرِب من دارِنا هم اقسموا ⁘ أن يقطعوا إن جئتَ حبلَ وريدي
يا ليتَ شعري هل أثارَ شكوكَهُم ⁘ حولي قيامي بالدجى وقعودي
وتأفّفي وتلَهّفي وتبَرّمي ⁘ بهم وهذا ديدَنُ المفؤودِ
يا للحماقةِ والرعونَةِ فرّقوا ⁘ بيني وبين الوامقِ المعمودِ
يا للتّعاسةِ من يواسيني ويسل ⁘ يني بأيّام الفراقِ السود
أكثيرةَ الشكوى حنانيكِ أهدأي ⁘ وترفّقي بالشاعر المنكودِ
الصبحُ لم يُسفِر وأهلُكِ نوّمٌ ⁘ قومي معي نحسو المدام وعودي
فترَدَّدت وتمَلمَلَت وتنهَّدَت ⁘ وبكت وطوَّقَ ساعِداها جيدي
فنظَمتُ من وحيِ الدموعِ قصيدةً ⁘ وعرائسُ الإلهامِ دمعُ الغيدِ
وسجدتُ إجلالاً وتعظيماً لها ⁘ واستعبَرَت روحي وطال سجودي
فتأوّهَت واستسلمَت واغرَورَقَت ⁘ عينايَ رغمَ تجلّدي وصمودي
قالت هلُمَّ إلى الشُوَيطيءِقلتُ لا ⁘ فهُناكَ كل مفَنِّدٍ وحسودِ
وهنا الأمانُ وها هنا ما شئتِ من ⁘ بنتِ النخيلِ أو ابنَةِ العنقودِ
فسقَيتُها وحسَوتُها من ثغرِها ⁘ يا مَن حساها من ثغورِ الخودِ
بيضاءَ من خمرِ العراقِ تُثيرُ ⁘ روحَ العزمِ والإقدامِ بالرَعديدِ
ما أن أقولُ لها خذي معبودَتي إلا ⁘ وقالت هات يا معبودي
هاتِ اسقنيها لا تُعَكّر صفوَها ⁘ دعها بلا مزجٍ ولا تبريدِ
دعها لتَخرُجَ بي إلى دنيا المنى ⁘ من عالمِ الأطماعِ والتنكيد
واصدَع بنَشوَتِها وفَرطِ سرورِ ⁘ ها شملَ الضنى والهمّ والتسهيد
فضّيةُ أحلامُها ذهبيّةٌ ⁘ كم رفّهت عن خاطري المكدود
ولكم أثارَت غافِيَ الإحساسِ بي ⁘ وكم اعتَرَفتُ أمامها بوجودي
دعنا نفضّ معا بكارَتها على ⁘ همسِ الصبا سحراً وشدوِ العودِ
أشجاكِ منذُ هُنَيهَةٍ نوحي ⁘ وأشجاني نواحُكِ فاسمَعي تغريدي
لم لا وقد دبّ الدبيبُ وحلّقَت ⁘ روحي بأفقٍ للخيالِ بعيدِ
كَفكِف بربّك دمعكَ الهتّانا ⁘ وافرَح وهنّىء قلبكَ الولهانا
واهتِف وصفّق واحسُ من راح الل ⁘ قا كأساً لكيما تطرد الأحزانا
واسكُب أناشيدَ اللقاء بمَسمَع ال ⁘ دهر المصيخ وردّدِ الألحانا
بُشراكَ ذا يومُ الولادةِ قد أتى ⁘ فعساهُ يوقظُ روحَك الوسنانا
أو ما رأيتَ صفاءهُ وبهاءَهُ ⁘ وجلالهُ وجمالَهُ الفَتّانا
قُم يا أخا الشوق الملح وحيّه ⁘ وانثُر عليه الوردَ والريحانا
الورقُ تشدو والبلابلُ سُجّع ⁘ والروضُ يرقُص ضاحكا نَشوانا
وعلى الأزاهرِ وهي تبسِمُ للضحى ⁘ نثَر الصباح زُمُرّدا وجمانا
هبّت نسائِمُه لتَنثُر طيبها ⁘ وتُداعِب الأوراد والأغصانا
والكونُ يبدو مشرقاً مُتَهلّلا ⁘ متَبسّما للقائِه مزدانا
وعرائس الإلهامِ قد طلَعَت فقُم ⁘ وابن القوافي وارسُم الأوزانا
انظُم لآلِئَها لهُ وعقيقَها ⁘ ثمّ انثُر الياقوت والمرجانا
يا أسعدَ الأيام يا عنوانَها ⁘ أنعِم وأكرِم إن تكُن عنوانا
لَم تَشفِ راحُ الذكرياتِ أوامَنا ⁘ فعَسى نبُلُّ من اللقاءِ صدانا
يا أبرَك الأعياد ألفُ تحيّةٍ ⁘ منّا تفيضُ عواطِفاً وحنانا
أرواحنا رَشَفَت بفجركَ حلمَها ⁘ وقلوبُنا قد صفَّقَت مُذ بانا
عَشِق الملائِكُ بالسماءِ جمالَهُ ⁘ وسبى سناهُ الحور والوِلدانا
يا فجرَ يومِ ولادةِ الهادي أطِ ⁘ لَّ على النفوسِ وبدّدِ الأشجانا
وابعَث بها ميتَ العواطفِ واطرد ⁘ اليأسَ المُضّ وأيقظِ الإيمانا
بك أشرقَ المختارُ في رادِ الضُحى ⁘ شمساً أنارَ سناؤُها الأكوانا
إنّي لألمحُ في جمالِكَ مسحةً ⁘ من حُسنهِ أغرَت بكَ الوجدانا
وعلى جبينِكَ من سناهُ غُرَّةٌ ⁘ لم تعدَمِ اللالاءَ واللمَعانا
يا مَن بهذا اليومِ أشرقَ نورهُ ⁘ وأضاءَ في قبسِ الهدى الأذهانا
وأنارَ بالإيمانِ أفئِدةَ الورى ⁘ وأزالَ عنها الغشّ والأدرانا
وبنى منارَ العدلِ بعدَ سقوطهِ ⁘ فمحا ضياهُ الظلمَ والطغيانا
قُم يا رسولَ اللَهِ كي نشكو إليك ⁘ فمن سواكَ نبثّهُ شَكوانا
قُم يا رسولَ اللَهِ وانظُر هل ترى ⁘ إلا شُعوباً تعبُدُ الأوثانا
قُم وانظر الدينَ الحنيفَ وأهلَهُ ⁘ أعزِز وأكبِر أن تراهُ مُهانا
قُم واهدِنا واعمر خرابَ قُلوبنا ⁘ إنّا نَبَذنا الدينَ والقرآنا
إنّا نسينا اللَهَ حتى سلّطَ ⁘ الباري علينا يا نبيُّ عِدانا
ويلاهُ أهمَلنا التعاليمِ التي ⁘ جاءَ الكتابُ بها فما أشقانا
ما أن ترَكنا البرَّ والتقوى معاً ⁘ حتّى ألِفنا الإثمَ والعُدوانا
نعصى أوامِرَ كلّ فردٍ مُصلحٍ ⁘ والدينُ عن عِصيانهِ ينهانا
والختلُ والتدجيلُ قد فتكا بنا ⁘ وتقودُنا أطماعُنا عميانا
كلّ بميدان اللذائذِ والهوى ⁘ يجري وما تلقى لديهِ عنانا
أما الفقيرُ فلا تسل عن حالهِ ⁘ حال تُثيرُ الهم والأحزانا
مسكينُ لا يشكو ويندبُ حظه ⁘ ونصم دون شكاتهِ الآذانا
أما الغنِيُّ فقلبهُ ويمينهُ ⁘ لا يعرفانِ العطفَ والإحسانا
يختالُ في حُلَلِ الهنا بينا ترى ⁘ ألفَ التعاسَة ذاك والحرمانا
المالُ سيدُنا ونحنُ عبيدهُ ⁘ أو لَم ترَ التسليمَ والإذعانا
أو ما ترانا بالمبادىء والضمائِرِ ⁘ كيف نفدي الأصفرَ الرنّانا
والكلّ منا بالموائدِ والملابس والأث ⁘ اثِ يُفاخِر الأقرانا
أطفالُنا اتّخَذوا الشوارع مسكناً ⁘ أفَينبَغي أن نُهمِلُ الصبيانا
آباؤُهُم لا يرحمونَهُمُ ولَم ⁘ يجدوا بصَدرِ الأمّهاتِ حنانا
فيشِبّ والفحشاءُ ضرعُ لبانهِ ⁘ والذِنبُ ذنبُ رجالنا ونِسانا
هذي جرائِمنا وهل أربابُها ⁘ يرجونَ بعدُ الصفحَ والغُفرانا
يا عيدُ إن نَشكو إليكَ فإنّما ⁘ نَشكو إلى من جاءَنا فهَدانا
ألعالمُ العربيُّ يرنو حائِراً ⁘ قَلِقاً إلى مَن أَوقَدوا النيرانا
وَيلاهُ قد جَهِلَ المصيرَ فواسِه ⁘ يا عيدُ وامسَح دمَعُ الهَتّانا
حدّثهُ قد طابَ الحديثُ عن الألى ⁘ فعسى تُثيرُ بنَفسهِ البُركانا
عن مجدِنا وملوكِ أهلِ الأرض ⁘ هلا نَكّسوا الأعلامَ والتيجانا
حدّث عن الفاروقِ عنوانِ العدا ⁘ لةِ كيفَ شاد الملكَ والسلطانا
وعن الغضنفَرِ سعدِ هلّا زَلزَلَت ⁘ بزَئيرِها أشباله الإيوانا
وعن الفتى المقدام أعني خالداً ⁘ أيّامَ مَزَّقَ جيشُه الرومانا
وعن الشام وعن معاويَةَ الذي ⁘ أعلى البناءَ وشَيّدَ الأركانا
وأدِر على أسماعِنا ذكرَ الذي ⁘ للصينِ قادَ الصيدَ والشجعانا
والضيغمِ ابن زياد طارقَ كيف ⁘ قادَ السُفن لمّا أن غزا الإسبانا
رجَع بربك قوله إن العدو ⁘ أمامنا أمّا الخِضَمُّ وَرانا
وعن الرشيد وكيفَ أشرقَ تاجُه ⁘ شمساً أنارَ سناؤُها البلدانا
في عصرِهِ الذهبي صفّقَ راقصاً ⁘ طرِباً على هامِ السماكِ لِوانا
والمجدُ مزدَهِرٌ مطلٌّ من عل ⁘ عشقَ الوجودُ شبابَهُ الرّيّانا
كانوا على وَجه البَسيطة سادة ⁘ أبداً وكنّا بعدَهُم عبدانا
عبثَ الفسادُ بنا فبَعثرَ ملكَنا ⁘ والجهل شَتَّتَ شملَنا فكَفانا
أبناءَ يَعربَ والكواربُ جمَّةٌ ⁘ هيّا انبذوا الأحقادَ والأضغانا
وتآلفوا وتكاتفوا وتساندوا ⁘ مُتَراصفينَ وحرّروا الأوطانا
إنّا بعصر لا يعيشُ به سوى ⁘ من كان يملِكُ صارماً وسِنانا
هُم أعلَنوا الحربَ العوانَ على سِ ⁘ واكَ وأعلنوا حربا عليكَ عوانا
الأرضُ ترجفُ والسما مغبَرّةٌ ⁘ وبكل ناحيةٍ ترى شَيطانا
والبحرُ يبدو عابساً مُتَجَهّماً ⁘ أينَ الأمانُ لِنَسألَ الرحمانا
غازٌ وألغام بها كمنَ الردى ⁘ والطائرات تُطاردُ الإنسانا
ومدافعٌ والموتُ من أفواهها ⁘ أجرى الدماءَ وفرّقَ الأبدانا
وقنابلٌ صرعَ القلوبَ صراخُها ⁘ ويلاهُ تمحو الدورَ والسكانا
لم يسلَمِ الطفل الرضيع وأمّه ⁘ منها وتُردي الشيبَ والشبانا
أنّى التفتّ فلا ترى إلا حديداً ⁘ أو شواظاً محرِقاً ودُخانا
نارٌ ولكنّ الضعيفَ وقودُها ⁘ واحَسرتا إن أعلنَ العصيانا
هذي ميادينُ القتالِ تعدّدت ⁘ وبكلّ ناحيةِ ترى ميدانا
فقد انبرى العُقبانُ ينفثُ سمّهُ ⁘ في كلّ جو فاحذروا العُقبانا
رحماكَ ربّي فالدما مستنقعاتٌ ⁘ خضّبَت وجه الثرى العُريانا
طفَتِ الجماجمُ فوقَها وتناثرَت ⁘ من حولها الأشلاءُ يا مولانا
يا عيدُ أينَ السلمُ طالَ غيابُه ⁘ فمَتى يعودُ وهل يخيبُ رجانا
أفرادَ يعرُبَ والعروبةُ تَشتكي ⁘ هلّا شفَيتُم قلبَها الحرانا
هيَ تستجيرُ بكم فقوموا وأقسِموا ⁘ يا قومُ ألّا تُغمِضوا الأجفانا
واستَمسِكوا بالعروَةِ الوُثقى وكونوا ⁘ صادقينَ عقيدةٌ ولِسانا
كلّ الشعوبِ تقدّمَت وتحَرّرت ⁘ أيروقكُم سجنُ الحياةِ مكانا
يا نشءُ أمّة يعرُبٍ عقدت عليك ⁘ رجاءَها قم قدّم القربانا
يا نشءُ يا أملَ البلاد وسؤلَها ⁘ أقسِم على أن لا تطيقَ هوانا
أقسم لها أن لا تنامَ وأن تظلّ ⁘ على الولاءِ لها وأن تتفانى
أقسم على أن لا يعيشَ بأرضِها ⁘ من باعَ مبداهُ وشَذّ وخانا
أقسِم إذا ما الخصمُ حاولَ أن ⁘ يهاجِمَها على أن لا تكون َجيانا
أقسِم لها يا نشءُ إن نادى المنادي ⁘ للوَغى أن تلبِسَ الأكفانا
وأعِد سعادَتها إليها أيّها الن ⁘ شءُ الجديدُ وأعِطها البُرهانا
فاللَهُ نِعَم العون جلّ جلالُه ⁘ إن تعدَمِ الأنصارَ والأعوانا
ولهان يفترش الرمال أصيلا ⁘ فيخاله الرائي هناك عليلا
طورا يئنّ وتارة يبكي ⁘ وآونةً تراه صامتاً مذهولا
كالطفل أشجاهُ الفطامُ فطرفُهُ ⁘ أبداً تراه بالدموع بليلا
أو كاليتيم وقد تملكهُ الأسى ⁘ فبكى وهل تشفي الدموع غليلا
وارحمتاه له فلم ير راحماً ⁘ في قومه ومواسياً ومقيلا
مسكين لا حرجٌ عليه إذا بكى ⁘ وإذا هنالك راح ينشد سولا
فالشاطىء الرملي مهبط حبه ⁘ ولكم هنالك رتل الإنجيلا
ويبث كل نسيمةٍ مرت به ⁘ شكوى تسيل لها النفوس مسيلا
لا غرو إن راح النسيم بسره ⁘ فإليه من يهوى اصطفته رسولا
أوّاه من ذكراي ليلة أقبلَت ⁘ سكرى تجرُّ على الرمال ذيولا
فالقلب صفّق هاتفا ومرتّلا ⁘ للقائها نغم الهوى ترتيلا
رددت تقديسا وتعظيما لها ⁘ بسجودي التكبير والتهليلا
وطفقت أقطف من شقائق خدّها ⁘ ولكم رشفت رضابها المعسولا
فتقول لي والكأس خصّب كفّها ⁘ إنّي لأهوى الضم والتقبيلا
فأجبت أخشى البدر يفشي سرنا ⁘ فأضفي علينا شعرك المسدولا
ما أن أداعبُ نهدها بأناملي ⁘ حتى أطوّق خصرها المهزولا
فتخالنا فوق الرمال ونحن في ⁘ سكر الغرام يثينةً وجميلا
قسماً سواها ما اتخذت خليلة ⁘ كلا ولا اختذت سواي خليلا
قدمت قربانا لمذبح حبها ⁘ روحي متى كان المحب بخيلا
حواء والهفي عليك فما سلا ⁘ قلبي ولا أرضى سواك بديلا
أهلوك قد جاروا عليك وعافني ⁘ أهلي وما أزمعت بعد رحيلا
تذكارك المحبوب معبودي متى ⁘ ينساك صبّ يعبد المنديلا
يا ليتني فوق الغصون حمامة ⁘ لأنوح بالآصال والأسحار
علي أرى في الروض من يفضي ⁘ إليّ بسرّه وأبثّه أسراري
أو أنّني بين النسائم نسمة ⁘ لأبشّر الأطيار في آذار
وأطوف بعد الأرض آفاق السما ⁘ لأرى مكان حبيبي المتواري
يا ليتني بين الورود فراشه ⁘ تروى الصدى من أكؤس الأزهار
حتّى إذا شفت الغليل تعطشست ⁘ للموت واندفعت بجوف النار
أو أنني يا فجر قبّرة أرف ⁘ رف في جناحي بالفضاء العاري
لأردّد النغمات سكرانا ⁘ بخمر الحسن قبل تألّق الأنوار
يا ليتني بين الروابي ربوة ⁘ خضراء مشرقة على الوديان
لأكون منمبر كل طير صادحٍ ⁘ ويكون سفحي مسرح الغزلان
أو أنني وسط الحدائق جدول ⁘ ينساب بين الورد والريحان
لترفرف الأطيار فوق مياهه ⁘ سكرى ترجّع أعذب الألحان
يا ليتني طير لأسبح في الفضا ⁘ وأؤوب مغتبطاً مع الأطيار
أو بلبل لأشنّف الأسماع بالن ⁘ غم الرقيق على ذرى الأشجار
أو أنني للعود أمسي ريشة ⁘ لتمرّ بي الأيدي على الأوتار
لأبثّها شكوى الهوى فلعلّها ⁘ ترثي لحال العاشق المحتار
يا ليتني يا ليتني قمريّة ⁘ لائنّ بالإصباح والإمساء
عليّ أثير بقلب كلّ مليحة ⁘ عطفا على البؤسا من الشعراء
أو أنّني وسط الرياض خميلة ⁘ لأعطّر الأجواء بالأشذاء
أو وردةٌ صاغ الربيع جمالها ⁘ لترشّني الأصباح بالأنداء
فلكم تراءى لي الخيال حقيقة ⁘ فيخالني الرائي صريع عقار
فأفيق مذهولاً وأهتف من أنا ⁘ فأجاب مجنون بعقر الدار
يا حبّ بين يديك نفسي تشتكي ⁘ أفما كشفت غوامض الأسرار
يا حبّ أحلام الغرام جميلة ⁘ رحماك فهي قصيرة الأعمار