إعزف على العود يا معبودي الثاني ⁘ وغنّ يا حب أنت الهادم الباني
إعزف على العود إن الشك ساورني ⁘ يا سلوة القلب وابعث ميت أشجاني
وهاتها يا غذاء الروح أغنية ⁘ تحيي الرجاء بقلب البائس العاني
يا ساجي اللحظ والأحلام شاردة ⁘ اسرع بربك وأملا كأسي الثاني
واترع لنفسكَ أخرى يا حبيبي من ⁘ خمر العراق ودع صهباء إيران
ما كان أطيبها صرفاً وأعذبها ⁘ ممزوجةً فاسقنيها وأجلُ أحزاني
إنّي لأشتمُ عطر الرافدين بها ⁘ نشر الخزامى وعبق الآس والبان
وكم رأيتُ ظباء الكرخ سارحة ⁘ بالسكر ما بين أورادٍ وغدران
قُم واسكُب الروح أنغاماً على مهل ⁘ فما لديّ سواها فهيَ قرباني
ولنصطبح بحميا زحلةٍ وإذا ⁘ فرغت عن اسلمي يا أرض لبنان
إعزف على العود ولنسكر ولا حرج ⁘ ولنحي ميت الأماني بابنة الحان
هنا الهوى وأغانيه العذاب هنا ⁘ عرائس الوحي ألقاها وتلقاني
هنا الرمال هنا الأمواج راقصة ⁘ وههنا صغتُ أشعاري وأوزاني
هنا الرحيق المصفّى والرؤى وهنا ⁘ ملهى اللآلىء من حور وولدان
هنا كؤوس الحميا كم وكم خطرت ⁘ تختال ما بين سماري وندماني
يا مهبط الوحي يا ملهى طفولتنا ⁘ أوّاهُ ليت الذي أهواهُ يهواني
علّلتُ نفسي فلا الآمال صادقة ⁘ وضقتُ ذرعاً وفرط الشوق أضناني
فالطرف جفّ وسال الروح من شجنٍ ⁘ دمعا وفاضت به ويلاهُ عينان
يا مرتع الروح والأشجان ثائرة ⁘ إني على العهد ما كرّ الجديدان
جاء الشتاء وولّى الصيف واأسفا ⁘ أما سمعت بجنح الليل ألحاني
قد جئتُ وهنا وآمالي محطمةٌ ⁘ لكي أبثّك أشواني وأشجاني
فلا شويطئك الرمليّ اطرَبني ⁘ كلا ولا موجه الفضي وأساني
ولا الأصائل والأسحار باسمةٌ ⁘ ولا نسيمك لما مرّ عزّاني
فالحبّ داء عضال لا دواء له ⁘ فلا يغرّنك ما يبدي الحبيبان
صَهَرتُ في قدحِ الصهباءِ أحزاني ⁘ وصُغتُ من ذَوبها شِعري وألحاني
وبتُّ في غَلَسِ الظلماءِ أُرسِلُها ⁘ من غورِ روحي ومن أعماقِ وجداني
يا ليلُ ضاقت بشكوايَ الصدورُ وما ⁘ ضاقَت بغلٍّ وأحقادٍ وأضغان
فجئتُ أشكو إليكَ المرجفينَ وهم ⁘ لا درَّ درُّهُمُ أسبابُ خذلاني
يا ليلُ والروح عَطشى وهيَ هائِمةٌ ⁘ هَل في المجرّةِ من ريٍّ لعطشانِ
يا ليلُ والنفسُ غَرثى وهيَ حائرةٌ ⁘ فهَل بنَجمِكَ من زادٍ لغَرثانِ
يا ليلُ والعينُ سهرى وهيَ دامعةٌ ⁘ فهَل بجُنحِكَ من راثٍ لسَهرانِ
يا ليلُ حَسبي وصدري ملؤهُ ضرمٌ ⁘ تلكَ البقيَّةُ فافتَح صَدركَ الحاني
فكَم بهِ لمَسَت روحي العزاءَ وقد ⁘ أودَعَتهُ سرّ آلامي وأشجاني
يا ليلُ أينَ الكرى بل أينَ طيفهُم ⁘ فكَم بوادي الكرى يا ليلُ واساني
وكم هَفَت وَصَبَت نفسي إلى حُلُمٍ ⁘ مُجنّحٍ راقصٍ في النورِ نَشوانِ
حُلمٌ يرفُّ على لالاءِ مَبسِمها ⁘ ليلاً ويَصدرُ صُبحاً غيرَ صَديانِ
يا ساقيَ الخمرِ لا شُلَّت يداكَ أدِر ⁘ بنتَ النخيلِ فإنّ الصحوَ أضناني
وانضَح بها كبداً نَهبَ الجوى واثر ⁘ باللَه غافيَ إحساسي وإيماني
فكم على ضوئِها الفضيّ من صُوَرٍ ⁘ شتّى تجلّت لعيني ذات ألوان
وَرُحتُ استَعرضُ الماضي فاطرَبني ⁘ بها ومن ثمّ أشجاني وأبكاني
حتّى سَكَبت على ذِكراهُ أغنيةً ⁘ من وَحيِ بُؤسي ومن إلهامِ خِرماني
يا ساقيَ الخَمرِ زِدني فالرؤى هَتَفَت ⁘ بي وهيَ سكرى وما اغمَضتُ أجفاني
تراقصَ الحَبَبُ المِمراحُ في قدَحي ⁘ فأينَ أينَ الكرى من جفنِ سكرانِ
يا جيرةَ البانِ حيّا الغَيثُ رَوضَكمُ ⁘ وجادَ واديكمُ يا جيرةَ البان
واللَهِ ما هبَطَت ليلايَ دارَكمُ ⁘ إلّا وحلّت بها ما بينَ إخواني
فمَن بأحضانِ ذاكَ الروضِ شاهَدها ⁘ مُواسياً غيرُ أقراني وخلّاني
ومَن على وردهِ المعطارِ نادمَها ⁘ على الطّلا غيرُ سُمّاري ونُدماني
باللَهِ هل فُسِّرَت أحلامُ روضِكُم ⁘ وهنّا لانسامِ آذارٍ ونيسانِ
وهل شجا قلبَها نوحُ الحمامِ بهِ ⁘ فاستَعبَرَت وَرَثَت لي بعدَ فقداني
وَهَل أنينُ سواقيهِ وأدمُعُها ⁘ في الروضِ ذكّرَها بالوامقِ العاني
وهَل فراشاتهُ طافَت بوجنَتِها ⁘ وغازلَت وهيَ نشوى وردَها القاني
يا أهلَ ليلايَ مُذ شطّ المزارُ بكم ⁘ لا الحيُّ حيّي ولا الجيرانُ جيراني
كلّا ولا الروح روحي مُذ هفَت وصَبَت ⁘ لساكني الحيّ من غيدٍ ومُردان
نَزَحتُمُ وضبابُ الشكّ خيّمَ في ⁘ آفاقِ نَفسي وكم بالكُفرِ أغراني
لولا بقيَّةُ إيمانٍ ترُفُّ منى ⁘ قلبي على ضوئها في ليل أحزاني
يا ساكِني القَصرِ دام السعدُ مُبتَسِماً ⁘ لكُم ودُمتُم ودامَ النحسُ للشاني
إن يجحَدِ القومُ والأوطانُ فَضلَكُمُ ⁘ لا القومُ قومي ولا الأوطانُ أوطاني
لي بينَ غزلانِكم ظبيٌ كَلِفتُ به ⁘ ظبيٌ تَرَعرَعَ في جنّاتِ رضوانِ
واللَهُ أبدعَ في تصويرهِ وكفى ⁘ أُعيدهُ بكمُ من كلِّ شَيطانِ
ما أن وَقَفتُ عليها مُهجتي ودَمي ⁘ حتّى قَصَرتُ أناشيدي وأوزاني
فيا إله الهوى رفقاً بعابِدِها ⁘ فالقلب ما نال من معبوده الثاني
والفكرُ يا أهلَ ليلايَ استقَلَّ بها ⁘ والروحُ يا مذبحَ العُشّاقِ قُرباني
حُبٌّ برىءٌ نما في خافِقي وَسَما ⁘ وهَل يُعَمَّرُ حُبٌّ غيرُ روحاني
طاف السقاة بها ما كان أشهاها ⁘ فيا ندامى أراح أم حمياها
فقد تضوّع في الكاسات ريّاها ⁘ سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها ⁘ هيهات أنسى وما ليلى بناسيةٍ
سويعة جمعتنا فوق رابية ⁘ حتى إذا سمعت ترجيع شادية
باتت على الروض تسقيني بصافية ⁘ لا للسلاف ولا للورد رياها
وكاشفتني ولم تملك عواطفها ⁘ بحبها فنفت نفسي مخاوفها
والكأس من غلة لم تغن راشفها ⁘ ما ضرّ لو جعلت كأسي مراشفها
ولو سقَتني بصاف من حميّاها ⁘ فيا للوعة قلبي من تبرّمها
ويا لحرقة روحي من تجنّبها ⁘ فهل لها مأرب من لي بمأربها
هيفاء كالبان يلتفّ النسيم بها ⁘ ويلفت الطير تحت الوشي عطفاها
تغزو القلوب ولا خوف ولا ندم ⁘ وكم هناك جرى دمع وسال دم
حوراء عذراء ما زلّت بها قدم ⁘ حديثها السحر إلا أنّه نغم
جرت على فم داود فغنّاها ⁘ وذات طوق شكت والقلب طارحها
وقطّعت كبدي اللَه سامحها ⁘ يا ليل قل لي فصعب أن أفاتحها
حمامة الأيك من بالشجو طارحها ⁘ ومن وراء الدجى بالشوق ناجاها
بكت لها اللَه واستبكت وما كتمت ⁘ ووقدةُ الوجد في أعماقها اضطرمت
واستعرضت صور الماضي ومذ وجمت ⁘ مدّت إلى الليل جيدا نافرا ورمت
إليه أذنا فحارت فيه عيناها ⁘ يا ليل رفقا بها رفقا فما نكثت
عهدا لأحبابها كلا ولا حنثت ⁘ فكم بجنحك عن أحلامها بحثت
وعادها الشوق للأحباب فانبعثت ⁘ تبكي وتهتف أحيانا بشكواها
يا ساقي الراح أحشائي قد التهبت ⁘ يا ضارب العود أفكاري قد اضطربت
إني لفي مأتم والساعة اقتربت ⁘ يا زهرة الأيك أيّام الهوى ذهبت
كالحلم واها لأيّام الهوى واها
لا الأنس أنس ولا الأفراح أفراح ⁘ كلا ولا الراح راح بعدما انزاحوا
مضوا وما بحت عن سرّ الهوى لهم ⁘ وما أبانوا لي الشكوى وما باحوا
يا صاح لا كفكفت كفّاي بعدهم ⁘ دمعي على أن دمع العين فضّاح
منحتهم كل ما شاء الغرام ولا ⁘ غرابة فصريع الكأس منّاح
يا قوم نفسي سالت لوعة وأسى ⁘ هلا عذرتم أهيل العشق إذ ناحوا
باللَه معذرة فالدهر جرّعني ⁘ صاب القنوط ومن يسقاه نوّاح
شقيت بالحبّ لا عاش السعيد به ⁘ إنّ الشقا بالهوى للغيب مفتاح
يا صاح لست بمرتاح فاشربها ⁘ صرفا وأشدوا متى يا صاح أرتاح
كل الأخلاء في لهو وفي طرب ⁘ وحسبهم منك عيدان وأقداح
وحسب قلبي آلامٌ مبرّحة ⁘ خرس وللوجد زند فيه قدّاح
لي من دموعي صهباءٌ أبلّ بها ⁘ غليل قلبي ودمعي المنهمي راح
يا خلّ والروح بالآفاق هائمة ⁘ ترجو العزاء وكم في الجوّ أرواح
سل الأصائل والأسمار ملتمسا ⁘ عسى تجيبك أمساء وأصباح
كم أغمض الجفنُ والأحلامُ شاردة ⁘ عنه وتدنو خيالات وأشباح
أوّاه لا بهجة الأيام في نظري ⁘ حسن وليس بها زهو وأفراح
كفّوا الملام فآمالي محطّمة ⁘ شيّعتها بالبُكا فالطرف سحّاحُ
وهكذا الحبّ شوقٌ ملحفٌ وأسى ⁘ مضنٍ ودمع وهمٌّ فيه ملحاح
جدّ الهوى بعدما شطّ المزارٌ وقد ⁘ ظننتُ من قبل إنّ الحبَّ مزّاح
يا روضة الوصل لا الأطيار ساجعة ⁘ ولا عبيرك بالأجواء فوّاح
ولا النديم طروب بعدما سكتت ⁘ ولا السمير رعاك اللَه ممراح
ولا ابنة الكرم بالكاسات ضاحكة ⁘ كلا ولا العود بالأسحار صدّاح
فهل يطيل ربيع الوصل غيبته ⁘ أم لا فتحتضن العشّاقَ أرواح
إغفاءةٌ الدهر لو طالت لما عبثت ⁘ بنا الصروف وصرف الدهر يجتاح
يا مرتع الروح يا ملهى طفولتنا ⁘ إني إليك وربّ البيت جنّاح
وكيف لا يا ملاذ العاشقين ولي ⁘ قلبٌ لأفقك خفّاقٌ وسبّاح
متى على رملك الفضيّ تجمعنا ⁘ على المحبّة والإخلاص أفراح
مع إخوةٍ في ضفاف النهر قد نزلوا ⁘ فمن لروحي وقلبي بعدما راحوا
يا من شغفتُ به لا حسن صورته ⁘ أغرت فؤادي فإنّ الحسن ينزاح
رحماك طال السرى والليل معتكر ⁘ فاسفر فوجهك وضّاح ولمّاح
حام الفؤاد كما حام الفراش ولم ⁘ يزل وطلعتك الغراء مصباح
مولاي زورق حبّي كيف تغرقه ⁘ فأنت ربّانهُ والقلب ملّاحُ
لا الروض روضٌ ولا الصهباء صهباء ⁘ ولا الندامى ميامينٌ أحبّاءُ
شطّ المزارُ فلا طيفٌ ولا أملٌ ⁘ أينَ الأخلّاء لا عاش الأخلّاء
حوّاءُ أوّاه من داء تأصّل في ⁘ قلبي فعزّ الدوا واستفحل الداءُ
ومن لواعج شوق قطّعت كبدي ⁘ حتّى رثى لي أعداءٌ الداءُ
من للكئيب وقد شقّت مرارتهُ ⁘ من للحزينِ وقد مسّته ضرّاء
فلا الطعام مساغٌ حين يطعَمهُ ⁘ ولا يبلُّ صداه ويحهُ الماءُ
يعيشُ في هذه الدنيا بلا أملٍ ⁘ نصيبه نوبٌ منها وأرزاء
يا مشعل الروح كم قال العواذلُ لي ⁘ لا أنتِ ولا حوّاءُ حوّاء
هجرتِ والروح لا تنفكّ حائرةً ⁘ وجُرتِ والأذنِ عن شكوايَ صمّاء
وفي جحيمِ الجوى نفسٌ معذّبةٌ ⁘ وما لطَرفيَ مذ فارقت إغفاءُ
سلي الصبا أنّني أودَعتهُ نبا ⁘ وطالما هيّجتني منه أنباءُ
حوّاء تذكارُ ذاك العهد برّح بي ⁘ وما أنا يا حياة الروح نسّاءُ
هذا هو الكاس في كفّي سأشربها ⁘ فهيَ الدواء وقد كلّ الأطبّاء
فلستُ أوّل مشتاقٍ تجرّعها ⁘ ومغرمٍ أودعَتهُ القبر حسناء
وها هيَ الروح قرباناً أقدّمها ⁘ يا مذبح الحبّ لا عاش الأشحّاء
ولهان ذو خافق رقّت حواشيه ⁘ يصبو فتنشره الذكرى وتطويه
كأنّه وهو فوق الغصن مضطرب ⁘ قلب المشوق وقد جدّ الهوى فيه
رأى الربيع وقد أودى الخريف به ⁘ بين الطيور كميت بين أهليه
فراح يرسلها أنّات محتضر ⁘ إلى السماء ويشكو ما يعانيه
لا الروض زاه ولا الاكمام باسمة ⁘ ولا عرائسه سكرى فتلهيه
يجيل ناظره فيه ويطرق في ⁘ صمت فيجيه مرآه ويبكيه
ماذا رأى غير أعوادٍ مبعثرة ⁘ على هشيم به وأرى أمانيه
فللخريف صراخ فيه يذعره ⁘ والريح تزفر في شتى نواحيه
حيران ما انفك مذهولا كمتهم ⁘ لم يجن ذنبا ولم ينجح محاميه
تطل من كوّة الماضي عليه وقد ⁘ أشجاه حاضره أطياف ماضيه
يرنو إليها كما يرنو المريض وما ⁘ أبلّ بعد إلى عيني مداويه
فيستمرّ نواحاً كالفطيم رأى ⁘ نديا فصاح وأين الثدي من فيه
وإن غفا راحت الأحلام عابثة ⁘ به فتدنيه أحيانا وتقصيه
وكم تراءت له من خلفها صور ⁘ يختال فيها الربيع البكر في تبه
فيستفيق فلا الأغصان مورقة ⁘ كلا ولا السامر الشادي يناجيه
فيسكب اللحن أنّاتٍ بغصّ بها ⁘ ويح الشتاء فما أقسى لياليه
ولّى الشتاء فوافى الدوح بلبله ⁘ وجاء آذار بالبثرى يهنيه
وأقبلت سحرا نشوى نسائمه ⁘ تهفو وتلثمه شوقا فتشفيه
واستقبل الروض بالأطياب شاعره ⁘ وهبّت الطير أسراباً تحبيه
فأين داوود من أثغام مطربه ⁘ وأين معبد من ألحان شاديه
جذلان يظفر من غصن إلى غصن ⁘ وبسمة الصبح بالإنشاد تغريه
فيورد الشعر آيات يرتلها ⁘ من وحي نيسان والأوتار ترويه
الروح تهفو لموسيقاه في مرح ⁘ والقلب يرشف أحلاما معانيه
تكاد تسمع فيه حين يرسله ⁘ دقات خافقه والوجد يكويه
وتلمح الفنّ في دنيا ترنمه ⁘ وتشرب السحر خمرا في تغنيّه
سكران يرقص فوق الدوح مبتهجا ⁘ والورق راد الضحى ولهى تصابيه
الفجر خماره يبدو فيصبحه ⁘ والروض معشوقه والأيك ناديه
رفّت على الورد والريحان شادية ⁘ أحلامه وبها خفّت أغانيه
حنا الربيع عليه وهو في جذل ⁘ كالطفل حين يناغيه مربيه
ذر الطبيعة يا هذا تدلله ⁘ ذره بأحضانها يشدو وتسقيه
ذرة وأفراخه في العش مغتبطا ⁘ بقربها ناعما دعها تناغيه
يا طائرَ الفجرِ من بالراح أغرانا ⁘ إلاك حين تناغي الروض سكرانا
قم واصطبح فكؤوس الورد مترعة ⁘ من خمرة الفجر إن الفجر قد بانا
وارقص وصفق وطر واهتف وغن به ⁘ وحيه واسكب الأشواق ألحانا
كم نغمة صغت من إلهام روعته ⁘ ووحي طلعته فاصدح بها الانا
وسائل الروض عن أحلام غفوته ⁘ واستخبر الآس والنوار والبانا
وابعث بأنفسنا ميت العزاء فقد ⁘ أودى بها اليأسُ واسمع بعد شكوانا
يا جيرة الروض من منكم يخبرنا ⁘ فالدهر أدناكم منه وأقصانا
كيف الأحبّة جاد الغيث ربعهم ⁘ إنا على عهدهم رغم الذي كانا
سلوا بربكم ليلاكم فلكم ⁘ باتت تشاكي بجنح الليل ليلانا
كم كاشفتها بما ضمت جوانحها ⁘ فتذرف الدمع إشفاقا وتحنانا
يا جيرة الروض والأحلام شاردة ⁘ ما كان أسعدكم فيه وأشقانا
في ذمة اللَه ما ضينا وحاضرنا ⁘ بؤس ويأس ألا سحقا لمن خانا
ليلى تعالى وردي بعض ما أخذت ⁘ منا ليالي النوى عطفا وإحسانا
ليلى تعالي فصرف الدهر أعلنها ⁘ حربا وحطمنا ظلما وطغيانا
ليلى تعالي لنشكو ما نكابده ⁘ في الحي مذ أصبح الأحرار عبدانا
ليلى تعالي فإن الشك خامرنا ⁘ وكفكفي دمعنا فالوضع أبكانا
ليلى تعالي أديريها مشعشعة ⁘ لعل بالراح يا ليلاي سلوانا
إنا منادوك يا ليلى فلا عجب ⁘ فأنت والله دنيانا وأخرانا
يا عيد عدت فأين الروض والعود ⁘ والهف نفسي وأين الراح والغيد
بل أين أحباب قلبي والمواعيد ⁘ عيد بأيّة حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد ⁘ قلبي أسيرٌ وربّ البيت عندهم
قد حيل واحسرتا بيني وبينهم ⁘ أين المؤاسون فاض الكاس أين هم
أمّا الأحبّة فالبيداء دونهُم ⁘ فليت دونك بيداً دونها بيد
أوّاه ضاعف أحزاني شرابكما ⁘ شتّان شتّان ما بيني وبينكما
فخبّراني بحقّ اللَه ربّكما ⁘ يا ساقييّ أخمرٌ في كؤؤسكما
أم في كؤوسكما همّ وتسهيد ⁘ يا للتّعاسة لا الأوتار تطربني
بشدوها لا ولا الأنغام تؤنسني ⁘ فيا ندامى أمنكم من يخبّرني
أخصرةٌ أنا مالي لا تحرّكني ⁘ هذي المدام ولا تلك الأغاريد
بالأمس كانت قطوف الوصل دانيةً ⁘ واليوم أضحت لتعس الحظّ قاصية
وضاع عمري وما حقّقت أمنيةً ⁘ إذا أردت كميت الخمر صافية
وجدتها وحبيب النفس مفقود ⁘ يومي كأمسي وأمسي أوسد وغدي
يا دهر خفّف كفى ما ذقت لا تزد ⁘ ويا رفاقي اعذروني إن نفضت يدي
لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي ⁘ شيئا تتيّمه عين ولا جيد
فكم شكوت ولكن لم أجد أحدا ⁘ يصغي فأبكي وهل تروي الدموع صدى
وعشت لا أرتجي مالاً ولا ولدا ⁘ وكنت أروح مثر خازنا ويدا
أنا الغنيّ وأموالي المواعيد ⁘ وعشت بين أناس لا وعودهم
تشفي غليلا ولا تغني عهودهم ⁘ عميٌ وأطماعهم أمسَت تقودهم
جود الرجال من الأيدي وجودهم ⁘ من اللسان فلا كانوا ولا الجود